× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

«يا طير سلّملي ع سوريّا».. تُذلنا هذه البلاد بحبها!

حكاياتنا - ملح 28-09-2023

«كيف سوريا وأهلها؟» هو السؤال الذي لازمني أسبوعاً كاملاً بين العديد من الأشقاء العرب. سأل اللبنانيون عن الأسعار، وأهل المغرب العربي الكبير عن دمشق وجامعاتها، وأهل الأردن عن درعا، وأهل مصر عن حلب وحال أهلها، وأهل السودان عن إدلب...

الصورة: (أرشيف صوت سوري)

«كيف حالك يا جار، لو تعرف شو صار، سرقنا من ورداتك وردة وشكّلنا الزنّار»، ربما غنت فيروز لجارٍ قريب تراه كل يوم دون زيارات دبلوماسية، لجارٍ أحبّته لمجرد أنها رأته أو سمعت عنه، فكيف تكون الحال إن سألك عشرون شخصاً مِن حولك عن سوريا، وغنوا بصوت واحد: «يا طير سلملي ع سوريا ع قلب ودعتوا بأراضيا»، كأن العشرين زاروها: سوريا بألفها الممدودة البعيدة عن مناطق السيطرة المختلفة، سوريا... إدلب، اللاذقية، دمشق، حلب، درعا، السويداء، مصياف؟

إنها سوريا التي تُذلني بحبها كل مرة أتعرض فيها للموقف نفسه، سوريا التي تجبرني أن أنسى الظلمة والكهرباء وألواح الطاقة الشمسية وأتغزل بها كعاشق غاب عن حبيبته سنوات وسنوات. لماذا أنسى الجفاء والقسوة التي حملتني إياها هذي البلاد؟ وأي سحر شرّبتنا إياه لنحبها إلى هذا الحد رغم كل الألم؟

على امتداد سبعة أيام خارجها، كنتُ أجيب أصدقاء وصديقات من جنسيات شتى بأن سوريا «ترحب بزوارها وضيوفها الكرام»، كأنني متحدث رسمي باسم هذي البلاد المتعبة التي يعيش شعبها بمعظمه على اختلاف مستويات تعليمه تحت خط الفقر أو قريباً منه، وبعد كل ترحيب كان يدور في القلب مونولوج: «إلى أين أدعو الناس؟ وكيف أتجرأ أن أقول لهم تفضلوا لزيارة سوريا؟ وكيف سيعتاد الزائر قطع الكهرباء؟ وكيف سيرى الرفاق وجوهنا المتعبة في الشوارع التي غابت عنها الابتسامة؟».

هل هناك ما هو أقوى من الشعور بالذل عند الحب والتعلق رغم كل المصائب؟

تحمس جميع الرفاق لزيارة سوريا، رغم أن معلومات بعضهم عن البلاد كانت مشوشةً بين ما صدّره مسلسل «باب الحارة» من حياةٍ بدائية ونساء بزي محدد فقط لا يقلن سوى: «أمرك ابن عمي»، أو في أحسن الأحوال مُتخيلة وفق ما عرفوه من مسلسل «ضيعة ضايعة» أو «جودة.. يا جوديي»، وبين جزء آخر من الصورة صدرته الحرب.

في سياق آخر سألني البعض عن حفلات قلعة دمشق، وعن المطربين والمطربات العرب الذي أحيوا حفلات في سوريا! 

بالحرب تُقاس الأعمار

بخجلٍ سأل صديقي السوداني عن عمري، فكان الجواب تلقائياً: «أبلغ 20 عاماً و13 سنة حرب»، وبدأت أخبرهم عن أعياد ميلادنا في الحرب، وكيف كنا نطفئ الشمعة على ضوء قذيفة وصوت متفجرات، ولا يزال البعض في الشمال يفعلونها أيضاً، وربما بلا شموع، ولذلك نقيس أعمارنا وفق مقياس: قبل 2011 وبعده.

لا يزال الرفاق يصغون بشوق كأنني محاضرةٌ ذات خبرة عن الحروب وتجاربها الإنسانية، ولم لا؟ هل من تجربة أقسى من تجارب الشباب/ات مع الحرب بمختلف وجوهها، حرب الحياة والنجاة؟ لكن كيف أدعو السائلين العرب لزيارة بلدي المنكوبة؟ 

بغصة كبيرة، أجبت عن أسئلتهم المتعلقة بالحياة المعيشية ورواتب الموظفين والموظفات في القطاعات الحكومية، وبغصة أكبر أجبتهم عن أجور الأطباء والطبيبات، والصحافيين/ات وغيرهم من النخب في كل القطاعات، ليأتي الجواب سؤالاً من الجميع: وما زلتم صابرين/ات؟ 

لا بد هنا أن تسقط الدمعة مجبرةً حين يتحدث الجميع بحُب عن إنجازات السوريين/ات في البلاد العربية، وعن الصبر. 

ما الوطنية؟ 

تحاول المناهج الدراسية في سوريا أن تقدم إلى التلاميذ تعريفاً للوطنية، وتضع عليه علاماتٍ في الامتحانات الدراسية، فتعرفه بطريقة منمقة لتظهر به درجة انتماء كل تلميذ/ة إلى البلاد، وتعلقه بها وحبه لها، لكن واضعي تلك المناهج أغفلوا، أو غفلوا عن أن الوطنية سلوك وشعور، ويمكن لكل شخص أن يُعرفه بمفرده تعريفاً إجرائياً يليق بالحالة والموقف الذي يدفعه إلى الحديث عن وطنه.

الوطنية في سوريا هي حب هذه البلاد إلى درجة الذل! فهل هناك ما هو أقوى من الشعور بالذل عند الحب، والتعلق رغم كل المصائب؟ نعم، تُذلنا هذي البلاد بحبها، وبحبّها فقط يحق لها أن تذلّنا، ونرضى.. 

أبتلعُ الدمع، ثم أكرر الجملة مخاطبة كل من حولي من الأصدقاء من شتى الجنسيات: «تفضلوا زوروا سوريا، ناطرينكن».