التأثير السياسي والاجتماعي: لغة القمع والغضب الممنوع
يصل ممدوح عدوان في «حيونة الإنسان» إلى واحدة من أخطر زوايا القمح وأشدها ظلمةً، حين يتحوّل الخوف إلى «سوقٍ أخلاقي»، فالرغبة والسّعي إلى البقاء يدفعان الفرد إلى «الخيانة»، خيانة ذاته والآخرين. حين يتعلّم الإنسان أن يقايض نجاته بفضح الآخرين، أو ببيع ضميره، وهكذا تُقاس الكرامة بمدى قدرتك على الصمت، أو الوشاية، أو تزييف ما تعرف.
في هذه البيئة، لا يظل «الشرف» قيمة عليا، بل يغدو عبئاً قد يعرّضك للخطر، بينما تصبح الخيانة نوعاً من «الذكاء الاجتماعي» في التعامل مع السلطة؛ «الخائف لا يكتفي بالصمت، بل يحتقر من لا يصمت، ويعتبر وشايته بطولة، وينسب لنفسه الحصافة لأنه نجا» (ص 89).
الإنسان سجّان ذاته
الخطير أن هذا السلوك لا يبقى استثناءً، بل يتحول إلى قاعدة؛ يُكافَأ الخائف، ويُستبعَد الشريف، وتُعاد صياغة منظومة القيم بحيث يصبح الجبن حكمة، والحياد فضيلة، والوشاية نوعاً من الوطنية، فتُخدش الروح، لا بالسياط، بل بالمساومات الصغيرة التي نمارسها كل يوم، دون أن نعي أننا نخسر شيئاً من إنسانيتنا.
وهكذا، يفقد الإنسان الثقة حتى بذاته، فتنتقل الرقابة من الخارج إلى الداخل، ويغدو كل فرد شرطياً يراقب لغته، وصمته، ونواياه، وخياله. تلك هي ذروة الانهيار: أن تُصادر روحك بصمت، فلا تجد في داخلك إلا صدى أوامرهم، فتتحوّل الرقابة إلى عادة، والخوف إلى طبع، والصمت إلى ضرورة أخلاقية.
«حين يتعوّد المرء أن يقمع نفسه بنفسه، لا تعود الدولة بحاجة إلى الكثير من السجون» (ص 94).، يصبح الإنسان سجّان ذاته، يتردد قبل أن يثق، ويختبر كل جملة قبل أن تخرج من فمه، ويكتم الغضب، حتى يفقد القدرة عليه، إنها الرقابة الذاتية، الوجه الأهدأ، والأقسى للقمع.
تصبح الحياة في ظل القمع «لعبة نجاة» لا أكثر! يتحول الناس كائنات تتقن التخفي، وتصير المهارة العليا هي ألا تُرى وألا تُسمع. ينجرف الفرد تحت وطأة الخوف إلى تهميش ذاته، والعيش في حالة مراوغة دائمة، لا يتبنّى رأياً، ولا ينتمي لموقف، ولا يدافع حتى عن اسمه، كأنّ وجوده بحد ذاته صار ذنباً يجب إنكاره؛ «المقموع يتقن التمويه، ويعتبر الانسحاب ذكاءً، والحياد بطولة، والنفاق ضرورة أخلاقية» (ص 102). عند هذا الحد، لا تعود «الحيونة» مجرّد حالة قسرية، بل تتحول إلى نمط حياة، ويصبح الصدق تهوراً، والشجاعة حماقة.
القمع ترويض للغضب
يفقد الفرد، في ظل القمع، القدرة على الغضب. وما القمع أساساً سوى ترويض للغضب؟! هكذا يصبح الفرد عاجزاً حتى عن الصّراخ، ولا يعود القهر مجرد حالة يعيشها، بل طبيعة يتماهى معها، ولا تعود المهانة تثير شيئاً في داخله، بل تعد جزءاً من الروتين، و«نصيباً»! «الخطر ليس في القهر نفسه، بل حين لا يعود المقهور يشعر بالقهر، أو يراه طبيعيّاً» (ص 108).
لقد تمّت السّيطرة على الغضب، وتدجينه، واكتمل تجفيف منابعه، فغدا الصمت هو الاستقرار، والخضوع هو النظام، أما الغضب فهو عضوٌ بلا وظيفة، والإنسان كائنٌ هادئٌ أكثر مما ينبغي، لا لأنه راضٍ، بل لأنه لم يعد يعرف ماذا سيقول لو تكلّم.
لكن غياب الغضب، لا يعني غياب القهر، بل إعادة تشكيله في صورة غريبة في الغالب، لندخل في موضوعة «الشفقة على الجلاد»: يبدأ الفرد بتبرير أفعال جلاّده؛ يتفهّم أقواله وأفعاله، ويختلق له الأعذار. هذا التماهي المَرَضيّ، الذي يشبه ما يُعرفه علم النفس بـ«متلازمة ستوكهولم» (لم يذكرها عدوان بالاسم)، يتحوّل من لحظة عابرة إلى ثقافة يوميّة، يسمّيها الفرد: «العقلانية وتفهّم الواقع»؛ نقرأ: «الناس لا يغفرون للجلاد فقط، بل يحبّونه، ويبرّرون له، ويتنافسون على التقرب منه» (ص 114). وهكذا، يُقدَّم حبّ الجلاد على أنه «واجب وطني»، ويُغدو النقد جريمة، والسخرية من السلطة خيانة، والأسوأ، أن يتمنى المقهور أن يكون في موقع الجلاد، لا لينتقم، بل ليصير قويّاً، آمناً.
الكراهية بوصفها أداة حكم!
حبُّ الجلاد، إذاً، «واجبٌ وطني»، وبالضرورة تصبح «كراهية الضّحية» واجباً أيضاً. وهنا لا يعود القمع يكتفي بإسكات الأصوات، بل يسعى إلى تحويل أنظار الناس بعضهم إلى بعض، ليتحوّل الغضب إلى فئات أضعف، أو مهمّشة، أو مختلفة، فتغدو الكراهية أداة حكم.
الناس لا يغفرون للجلاد فقط، بل يحبّونه، ويبرّرون له، ويتنافسون على التقرب منه!
يلفت عدوان إلى هذا الانزلاق المرعب، حين يُقسَّم المجتمع إلى خائفين ومخيفين، فتُزرع الأوهام عن الآخر (الخائن، العميل، المندسّ، المختلف...إلخ) وتكفّ السلطة عن القتل المباشر، لتترك الناس يفترس بعضهم بعضاً باسم الدفاع عن السلطة.
«الجلاد الحقيقي ليس من يضربك، بل من يقنعك أن جارك هو سبب وجعك» (ص 120). في هذا المناخ، يُنتَج الخوف من الناس لا من الدولة، وتتحوّل الحارة، المدرسة، العائلة، إلى شبكات ضبط خفية، حيث يُبلِّغ الأخ عن أخيه، والطالب عن زميله، والمواطن عن جاره. يصير القمع اجتماعيّاً أكثر منه سياسيّاً، مستقرّاً في القلوب قبل أن يكون في القوانين.
إسكات الضحية والسلم الأهلي
المأساة الآن، أننا بذريعة الحفاظ على «السّلم الأهلي» - وهي عبارة لم يستخدمها عدوان حرفيّاً، لكنني أقحمتها دلاليّاً لأعبّر عمّا تعمّق فيه الكاتب – بتنا نسْكِتْ الضحيّة. كيف ننتصر للضحيّة إن كنّا نخاف، أصلاً، من صراخها؟ نطالبها بالهدوء والتوازن، فكل صراخ يصدر عنها هو «تحريض» وإن احتجّت نطالبها بالـ«صبر» فيصبح الغضب «عيباً أخلاقيّاً» يؤثّر على السّلم الأهلي؛ «في مجتمعات القمع، يُراد للمقهور أن يتألّم بصمت، أن ينزف داخلياً، وأن يُقنع نفسه أن الصمت شجاعة» (ص 126). فالقضية، حين تفقد حرارتها، تفقد عدالتها. والغضب، حين يُصادَر، تفقد الضحية شرعيّتها.
خطاب سلطوي بمفردات خشبية
لقد تحولت وسيلة التعبير الأهم لدى الفرد (اللغة) إلى مفردات خشبية استُخدمت من قبل الجلّاد، فحفظها الشعب ولم يخرج عنها، ولم تعد مجرد خطاب سلطوي فوقي، بل انتقلت إلى صياغة داخلية للفكر عند الفرد المقموع من حيث لا يدري، فلم يعد يشعر بالكذب الكامن فيها، ولا يُدرك المصلحة الخفية التي يستفيد منها الجلاد حين يستخدمها هو نفسه، بوصفه ضحية. «اللغة المزيّفة لا تكتفي بالكذب، بل تصوغ الضمير نفسه بطريقة تجعل صاحبه لا يشعر بالكذب» (ص 134).
يُترك الفرد، في هذه الحالة، دون أداة تعبير يثق بها، أو بمعنى آخر، ضمن عدد محدود من المفردات المسموح له التفكير بها أو استخدامها، وتعبّر عمّا يريده الجلاد، وليس عمّا يشعر به الفرد/الضحية.
قمع الأحلام والخيال
يتحدث عدوان عن الفقدان العميق للحرية الداخلية، إذ تصبح الرغبات والمخاوف مسجونة في زوايا مظلمة من النفس، غير مرئية حتى لأنفسنا. هذا القهر الداخلي يولد حالة من «الغربة الداخلية»، حين يُصبح الإنسان غريباً عن ذاته، عاجزاً عن الحلم، بل حتى عن الشعور بالأمل. «الإنسان المقهور لا يفقد فقط حريته الخارجية، بل يفقد القدرة على تخيل عالم آخر» (ص 140).
هذه الحالة تؤدي إلى تراجع الإبداع والتمرد، وتحول الأفراد إلى نسخ متكررة من أنفسهم، مكبلين بسلاسل الخوف والذل. لكن رغم ذلك، يفتح عدوان نافذة على الأمل، مذكّراً بأن استعادة الخيال والحرية الداخلية هي الخطوة الأولى نحو التحرر الحقيقي.
أخطر ما في القمع أنه لا يجعل الإنسان يخاف من الجلاد فقط، بل يجعله يخاف من أن يكون حراً
يُحاصَر الإنسان المقهور داخل دوائر متداخلة من الخوف والشك، لا يعرف من يثق به، ولا من يستمع إليه، ويصبح القمع داخل المجتمع نفسه، ما يضع الإنسان في عزلة قاتلة. «الإنسان لا يهرب من السجن فقط، بل يهرب من عيون الناس، من سؤالهم، ومن حكمهم» (ص 145). تُضعف هذه العزلة الروح وتُذيب الإيمان بالآخر، وتؤدي إلى مزيد من الانسحاب والخنوع، لكن رغم كل هذا القمع الاجتماعي، يذكرنا عدوان بأهمية التماس الشرارة التي تُعيد بناء الجسور بين الناس، بجرأة الحوار والصدق في التعبير.
أسرى رأي الجلاد
ماذا تبقّى للإنسان بعد كل هذا القمع؟ نعود إلى جذور المسألة: «فقدان الثقة بالنفس» بفعلٍ مُمَنهجٍ من قبل السلطة وأدواتها لتفريغ الإنسان من شعوره بالقيمة، فمن لا يثق برأيه، لا يجرؤ على الكلام، ومن لا يثق بقدرته، لا يفكّر بالتغيير. هذه الاستراتيجية الخفية للقهر لا تضرب الجسد، بل تزرع الشك في الروح. «حين يفقد الإنسان ثقته برأيه، يصبح أسيراً لرأي الجلاد» (ص 150). يصف عدوان هذا الانهيار النفسي بأنه أخطر من التعذيب، لأن الضرب يُنسى، أما تحطيم الكرامة فيبقى ساكنًا في الأعماق، يتحكم بالخوف، ويعيد إنتاج الطاعة تلقائيّاً.
الخوف من الحريّة
في خاتمة ليست مريحة، يضعنا عدوان أمام سؤال أخلاقي مؤلم: هل ما زال الإنسان إنساناً بعد أن يُهان؟ ليست المسألة هنا في حجم القهر، بل في عمقه، فيما يتركه داخلنا من انكسارٍ ومن تشوّهٍ دائم. الإنسان لا يُحطَّم فقط حين يُعتقل، بل حين يُجبر على التماهي مع السجن، حين يصبح العادي هو القبيح، والمذلّ هو الطبيعي، والحرية حلمًا ساذجًا أو تهمة جاهزة؛ «أخطر ما في القمع أنه لا يجعل الإنسان يخاف من الجلاد فقط، بل يجعله يخاف من أن يكون حراً» (ص 158). لا يبقى الجلاد في الساحة وحده، بل يترك فينا نسخته: فرداً خائفاً، صامتاً، يقمع نفسه بنفسه، وفي هذا، لا يكون القمع فعلاً سياسيّاً فقط، بل مشروعاً شاملاً لإلغاء الإنسان.
أنا لص!
نعود إلى ذلك الطفل الّذي ابتدأنا بحكايته. ماذا حدث له؟ هل كبُر ونسي الورقة المعلّقة على باب غرفته «أنا لصّ!»؟ ربّما. لكن، ماذا لو لم ينسَ؟ ماذا لو حملها معه إلى مدرسته، وصداقاته وزواجه ونومه وأحلامه؟ ماذا لو علّقها داخله، وظلّ طوال حياته يتحدّث بصوت منخفض، يخشى اللذّة، ويكره الخطأ، ويبرّر القسوة، ويخاف الحبّ؟
ذلك الطفل لم يكن حالة فردية، بل نموذجاً صغيراً لإنسان يصنعه القمع بهدوء، فلا يحتاج إلى زنزانة، بل إلى سلطةٍ تُعيد تشكيل الفرد من الداخل، حتى يغدو جزءاً من آلةٍ يجهل أنه يحرّكها بنفسه.
وذلك الأب، في بداية الحكاية، لم يكن وحشاً، بل كان صورة أخرى من صور القهر المتسلسل، القادم من الأعلى إلى الأدنى، من المقهور إلى من هو أضعف منه؛ ربما لو قرأ هذا الكتاب، لعرف أن ابنه لم يكن لصاً، بل كان مجردَ طفلٍ، يحب الكعك.
«حيونة الإنسان» ليس كتابًا عن القمع فقط، بل عن كل ما يسلبنا القدرة على الرفض والغضب والحلم، وعن الطريقة التي يُعاد بها إنتاج القهر داخل المجتمعات المغلقة، والمؤسسات، واللغة، والتربية، والعائلة. الجريمة الكبرى ليست في الضربة الأولى، بل في جعلنا نقبلها، ونعتادها، ونخاف فكرة رفضها.
ومع ذلك، تظل الشرارة، مهما خمدت، مُهيّأة للعودة. فاستعادة الكرامة، والوعي، واللغة الصادقة، تمهّد الطريق للحلم بالحرية، ولبداية جديدة ترفض هذا السجن الذي صنعه القمع داخلنا وبيننا.