× الرئيسية
حكاياتنا
عقل بارد
ساخر
محررة القراء
صورنا
إنفوغرافيك
من نحن
تواصل معنا
إختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

رمز الوحدة الوطنيّة

ساخر 11-07-2020

للحوّيص ألف شكل ولون، وهو قابل للتطور. قد يحدث أن يقفز الحوّيص قفزات واسعة، فيصبح وزيراً في دولة زيمبابوي الصديقة مثلاً، أو يتلوّى بنعومة ولطف وبلا أي ضجيج، لنراه فجأة على رأس كتلة موزامبيقية معارضة

دمشق حمص حلب حماة إدلب الحسكة الرقة دير_الزور طرطوس اللاذقية درعا السويداء ريف_دمشق القنيطرة

الصورة: (رشا مهدي - كارتون موفمينت)

لا شك أنكم تعاملتم معه مرّة واحدةً على الأقل في حياتكم. 
المرة الأولى التي اصطدمت بهذا الكائن، كانت في أيام طفولتي الباكرة أثناء زيارة إلى دمشق.

ولأنه أشبه بالفرض على كل زائرة إلى دمشق أن تتحدث عن سوق الحميدية عند عودتها إلى حارتها متفاخرةً أمام نسائها، فقد قصدناه أنا وأمي من دون غاية ولا هدف. 
مع كل الضجيج والخوف سرت بجانبها منكمشةً على نفسي، قبل أن يقفز أمامي رجل أربعيني صارخاً بنا: «تفضلي مدام، تفضلي ستنا، عندنا أحدث موديلات التياب والعرايسي والتفريعات». في ثوان كنت قد أصبحتُ تحت تنورة أمي تقريباً، وأنا أرتجف من صوته ومن قفزته تلك.
إنه الحوّيص! لا تقولوا لي إنكم لم تلتقوا به، أو تسمعوا صوته الأجش - على الأرجح معظم المبتدئين منهم يدخّن حمرا طويلة، طبعاً أيام الخير، قبل أن تصبح عملة نادرة في البلد – (المحررة: عفواً ست رصينة؟ عملة؟! بلد؟!! طيب، أوك).
أزعم أن لكل سوريّ في الوطن والمهجر والمخيّمات، حوّيصاً واحداً - على الأقل - يعرفه ويخرج له من العدم قائلاً: «شبيك لبيك». 
للحوّيص ألف شكل ولون، وهو قابل للتطور. قد يحدث أن يقفز الحوّيص قفزات واسعة، فيصبح وزيراً في دولة زيمبابوي الصديقة مثلاً، أو يتلوّى بنعومة ولطف وبلا أي ضجيج، لنراه فجأة على رأس كتلة موزامبيقية معارضة.
وكلمة «حوّيص» يا سادة، تنطق بتشديد الواو، مثل كل تشديد في حياتنا الجميلة من الصباح إلى المساء. وهي مفردة ينطقها معظم السوريين بتطابق تام في الأحرف والمتعة والضحكات الخفيّة الذكية. 
مفردة مثلها مثل كتّيب ولعّيب ونهّيب وشقّيع، من صيغ المبالغة السورية. وكلها دلالة على المبالغة في القدرة على الفعل والوصول إلى حيث لا يقدر معظمنا، فالحوّيص قادر على دفش باب المدير العام لأي مؤسسة والدخول، وحصراً مع الاستئذان وغمز السكرتيرة، من باب احترام قدرة المدير على قطع رزقه ورزق بقية الحوّيصة. والحوّيصة هي الجمع، وفي لسان أهل حلب هي نفسها، لكن قد تحل محلّها في لسانهم مفردة «حوّيس»، لتصبح موسيقاها شبيهة بـ«السكمبيل، والسكرتون»، وهاتان مفردتان من القاموس الحلبي لا أعرف معناهما حتى الآن.
لحظة، عليّ أن أؤكد لكم أن لـ«الحوّيص» جذراً فصيحاً. من معاني الفعل «حاص» خاط (من الخياطة)، وحاص بين شيئين: ضيّق بينهما، وحاص حوله: حام. واسم الفاعل حائص، ومبالغته حوّاص. ولأننا نعشق إمالة الأشياء اقتداء بحظنا المائل، فقد أملنا الألف لتغدو ياء، ويصير الحوّاص حوّيصاً، يحوم حولك، ليعرف مطلبك، ثم يضيّق بينك وبين قضاة الحاجات بعد أن تدفع المعلوم، فيخيط بين نقودك وجيوبهم. 
يتواجد الحوّيص (المحررة: يا زميلة رصينة، قلنا لك مراراً إن الأصح: يوجد، أما يتواجد فهو فعل بمعنى يُظهر الوجد، والوجد في أحد معانيه هو الحب. عموماً رح نمرقها، لأن الحوّيص أستاذ في إظهار حبه لك ولمشغلّيه وسلالة مشغليه).

المهم، «يتواجد» الحوّيص في كل مكان في بلادنا، قد تصادفونه في إحدى دوائر الدولة المسيّجة بالروتين والرشاوى والخمسميات، أو في أي سوق في حومص أو حماة. قد يركض باتجاهكم وأنتم تحملون حقائب سفركم الميمون في كراجات العباسيين، أو أي كراجات أخرى في الوطن أو على صلة به، بما في ذلك كراجات جنيف وأستانا وسوتشي.

لا يظهر الحوّيص دائماً من العدم، خاصة في مراكز الازدحام السورية الكثيرة رغم أنف كورونا. يحدث أن تكونوا وسط المعمعة أمام باب إحدى المؤسسات، وفجأة ينقر على كتفكم أحد الواقفين معكم،  لا تعرفونه ولا سبق لكم تكحيل ناظريكم به، وهو يشير لكم بإصبعه (المحررة: السبابة، نؤكّد ذلك) إلى شخص جالس على مقربة من الزحام ويقول لكم بمنتهى اللطف: هذا هو!
وأنتم، كأي سوريّ يدبّ على اﻷرض تصدقّون ما يقال لكم على الفور، وتبادرون بالخروج من دوركم الذي أكل من يومكم نصفه، وتذهبون فوراً إلى هذا «الهو». 
تصلون قربه وتحمحمون (من الحمحمة صوت الحصان، فأنتم حصان اﻷمة)، يحدّق بكم تحديق العارف، ومن فوره يبادر لرد السلام ويقول: وصلتم ونلتم مُناكم (المحررة: الفظوها صح) في أقصر اﻷوقات وأسرع اﻷحوال، هاتوا ما لديكم من أوراق وأموال. 
ما إن يمضي وقت لا يتجاوز نصف الساعة حتى تكون أموركم قد حُلّت، وأنهيتم دورانكم الذي مضى عليه أسابيع. اﻵن أنتم تعرفون قيمة الحوّيص، وفوق ذلك لديكم رقم هاتفه.
في أيام الجامعة كان لدينا أبو صطيف، أحد أجمل الحويصة في البلاد. كلنا حفظ قصته مع مدير الجامعة (يقصد رئيس الجامعة) وأنه قد طلبه بالاسم ليكون مسؤولاً عن عمل الشاي الخاص، وأن سكرتيرة المدير أعجبت به وصارت بينهما قصة حب طويلة. كان أبو صطيف يحل أعتى المشاكل للطلاب، مما لا يقدر على حله اتحاد الطلبة بذاته (المحررة: المشغول بحلّ الطلاب بطبيعة الحال).
حين كبرت، عرفتُ أن التجار الكبار يستأجرون الحويصة في اﻷسواق لترغيب الناس ببضائعهم، ويعطونهم مقابل صراخهم فتات الطعام والمال. الأمر الذي يفعله كثير من الساسة والأحزاب ومرشحي مجلس الشعب، وأعضائه. ترى واحدهم قد استأجر حويصاً (وغالباً أكثر) كي ينفخه وينفشه (المحررة: أكملوا المثل)، ويكرر أمامه «بأمرك يا تاج راسي»، وينشئ له «صفحة فايسبوك أم اللايكات».
وكما أن هناك تجار أزمة، هناك حويصة أزمة، وحوّيصة أزمات، في المازوت، والغاز، والخبز، وغيرها.
هناك حويص، يحبه المعارضون كما يحبه المؤيدون، هو الحوّيص في شعب التجنيد، الذي يدهشني بمكانته الرفيعة وبما يحوزه من إجماع عابر للانتماءات، حتى تظنّه مؤهلاً لرعاية حوار وطني.
هناك حويصة تجاوزوا النظرة القطرية (المحررة: بضم القاف يا جماعة) الضيقة، وصارت لهم أسواق إقليمية ودولية، و لأنّ «من جدّ وجَد»، وجدناهم وقد استأجرتهم دول، واستأجروا لأنفسهم حوّيصة، 
طبعاً يمكنني مواصلة تعداد أنواعهم حتى الصباح، لكن عليّ التزام عدد كلمات محدّد كي أسهّل على حوّيصتي مهمة تمرير المقال. (المحررة المناوبة: بأمرك يا تاج راسي).


Share!

لا يتبنى «صوت سوري» أي توجه مسيس للملف السوري ولا تقف وراءه أي جهة سياسية. نحن نراهن على القارئ ليكون شريكنا في الوصول إلى جميع السوريين

إذا كنت ترى أن خطابنا يستحق الوصول انشر هذا المقال من فضلك

مقتطفات من السيرة الذاتية لفارس سوري

فرصة نادر 22-09-2020

كورونا وسورنة العالم!

زينةُ الجبل 19-09-2020

في انتظار الدكتاتور!

فرات زيزفون 15-09-2020

جميع الحقوق محفوظة