× الرئيسية
حكاياتنا
عقل بارد
ساخر
محررة القراء
صورنا
إنفوغرافيك
من نحن
تواصل معنا
إختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

أعتذر لأنني «نجوت» من الحرب!

حكاياتنا 10-10-2020

لا أملك ترف النسيان، استذكر كل مساء مصائب الآخرين، أجدول مواعيد تعزية الأصدقاء، الأقرباء والجيران، أحاول جاهدة حفظ تعابير تعزية جديدة، تماماً مثلما أحاول منع دموعي من الانهمار مع كل مصيبة جديدة تقع حولي، وما أكثرها!

قصة_نجاة حرائق_سوريا عقدة_الناجي بلم فايسبوك لجوء اللاذقية طرطوس

الصورة: (Mariano Melega - فليكر)

ثمة مشاعر لا يمكن للغة في العالم أن تصفها، خصوصاً ما يتعلق منها بالآلام غير الجسدية. 
تلك الآلام المتراكمة، القادمة من كل الجهات والاتجاهات، الفواجع التي تحيط بالإنسان فجأة وتضيّق الخناق عليه بشكل مستمر، مثل دائرة نار تحيط بشجرة. (هل يبدو هذا التشبيه الأخير مكروراً ونمطيّاً؟ حسناً، اسألوا الأشجار السوريّة - أو ما تبقى منها - كم مرة تكرّر هذا المشهد، واقعاً لا تشبيهاً). أو مثلي أنا الناجية التي لم تطلني الحرب بشكل مباشر، ولم أخسر أخاً أو حبيباً، لم أفقد منزلاً، أو أهجّر من أرض. لكنني، رغم ذلك، فقدت جميع ما سبق! بكيت بحرقة مع أم صديقي الذي اختفى في دوامة الحرب، تمتمت - كعادتي - بعض كلمات العزاء غير المفهومة، ربّت على كتفها، ومسحت دموعها، ثم بكيت وحيدة.


على مدار أعوام متلاحقة تمكن الحزن مني فتملكني، وأنا المطالبة بمسح دموع المفجوعين من حولي، أصبحت من دون أن أدرك مغناطيساً لآلام الجميع، الجميع دون استثناء.
لا أملك ترف النسيان، أستذكر كل مساء مصائب الآخرين، أجدول مواعيد تعزية الأصدقاء، الأقرباء والجيران، أحاول جاهدة حفظ تعابير تعزية جديدة، تماماً مثلما أحاول منع دموعي من الانهمار مع كل مصيبة جديدة تقع حولي، وما أكثرها!


مساء أمس، غفوت وهاتفي بين يدي، وأنا أتابع صور الحرائق السورية الجديدة، المتجددة. جبال وحراج وبساتين، وقلوب. 
حين استيقظت صباحاً، بدأت جولة التفقد على أصدقائي الذين يعيشون في مناطق قريبة من تلك الحرائق، كانت نبرتي الحزينة تفوق نبرات بعضهم، أحدهم استغرب حزني «هي الحرائق صارت طبيعية، كل سنة بتصير بهالوقت، تعودنا عليها». كيف يمكنني أن أشرح له أنها ليست طبيعية، وأن الموت المتكرر والمستمر لا ينزع عن الموت مأسويته؟

خلال جلسة مع عدد من الأصدقاء، وكأي حوار عادي يومي يجري في هذه البلاد، رحنا نتبادل قصص المآسي والأحزان. أحد الحاضرين فقد شقيقه، وأخرى خسرت زوجها، وثالثة تعيش منذ ثلاثة أعوام وحيدة، بعد أن اختفى زوجها خلال الحرب ولم تعرف عنه أي شيء حتى الآن، ثم بعد أن تمكنت من إرسال ابنها الوحيد البالغ من العمر 16 عاماً إلى أوروبا، عن طريق شبكة من المهربين دفعت لهم كل ما تملك، مقابل أن يصل إلى بر الأمان، ولا تزال تنتظر أن تكتمل معاملة لم الشمل لتلتحق به. 

في تلك الجلسة بقيت صامتة أستمع إلى مآسيهم، وأهز رأسي وأحرك عينيّ للتعبير عن ألمي، لم أستطع أن أقول أي شيء.

ما الذي أقوله؟ أأخبركم عن شاب لا أعرفه قُتل في الحرب، ورأيت صورته على موقع «فايسبوك» فبكيته بحرقة وصمت من دون أن أجرؤ على البوح بسبب بكائي؟ لا صورة تجمعني به، ولا محادثة جرت بيننا يوماً يمكن أن أنشرها لأبرر حزني.

ما الذي أقوله؟ أأخبركم عن تلك الليالي التي قضيتها أقلب صور الأماكن التي دمرتها الحرب، القرى والبيوت والمنازل، المعالم الأثرية التي لم أزرها يوماً، حقول القمح المحترقة، الغابات والبساتين، الغرقى في البحر إثر رحلة لجوء لم تكتمل، المرميون على الحدود، ذلك الشاب الذي فقد حياته خلال مشاجرة أمام فرن الخبز، تلك العائلة التي دُمّر بيتها بصاروخ وهي نائمة، فنامت إلى الأبد؟

ما الذي أقوله؟ أنا الناجية التي لم تخسر أي شيء، وخسرت كل شيء! كيف لي أن أشرح أنني خسرت مثلهم تماماً، وأن كل أحزانهم هي أحزاني؟ 

كيف لي أن أشرح أن لكل شخص من بينهم حكاية ومصيبة يبكي بسببها، وأن حكايتي ومصيبتي هي مجموع كل ذلك؟

أحياناً، أتمنى لو أن الحرب مستني بشكل مباشر، لو أنها سرقت يدي أو قدمي، لو أنني خسرت حبيباً أو أنني مت! أتمنى لو أن هذه الحرب خصّتني بمصيبة تلهيني عن الآخرين، لو أن يداً تربت على كتفي، لو أن أحداً يقف أمامي ويتمتم بكلمات تعزية غير مفهومة، فأومئ له وأشكره.

ماذا فعلت بنا الحرب؟ أصبحت أحسد المكلومين! يا لهول المصيبة! ويا لهول ما غدوت عليه!

أعتذر منكم ولكم، أعتذر عن كل ما أصابكم. أعتذر عن كل كلمة كتبتها، وكل كلمة لم أكتبها. وأعتذر عن الحزن الذي يفيض به هذا النص، الحزن الذي سيبدو ترفاً أمام أحزانكم. 

أعتذر فعلاً، فأنا أحسدكم!


Share!

لا يتبنى «صوت سوري» أي توجه مسيس للملف السوري ولا تقف وراءه أي جهة سياسية. نحن نراهن على القارئ ليكون شريكنا في الوصول إلى جميع السوريين

إذا كنت ترى أن خطابنا يستحق الوصول انشر هذا المقال من فضلك

على العظم: شبه حياة ومنكوبات يحلمن بالتعليم

شغف 15-10-2020

الفتاة السوريّة: مقموعة اليوم = امرأة خائفة غداً

لمى نور 13-10-2020

سوريا و«التوحش»: المرأة «حمّالة الأسيّة»

نورسين أمندا 07-10-2020

جميع الحقوق محفوظة