× الرئيسية
حكاياتنا
عقل بارد
ساخر
محررة القراء
صورنا
إنفوغرافيك
من نحن
تواصل معنا
facebook twitter
إختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

طابور سوري

ساخر 12-11-2020

فجأة، علا صوت امرأةٍ تصرخ بنبرةٍ حادة: «بدنا حقوقنا». عمَّ الصمت بعد هذه الجملة، ونظر الذكور جميعاً إليها. في مجتمعٍ ذكوريٍّ كمجتمعنا، بعد جملة مثل هذه (بدنا حقوقنا) من فم امرأة، تلتبس المفاهيم، ويتداخل بعضها ببعضها الآخر

الرسم: (Vladimir Kazanevsky _ فليكر)

«لك نحن شو بدنا»؟ ترددت كلمات متسائلة، أطلقها كهل يقف خلفي في طابور انتظار الخبز. 

لم أكد أفهم سبب تساؤله الغريب هذا؛ حتى جاء جوابه كالصاعقة: «ما بدنا شي».

قلت لنفسي: «تباً! كيف لا نريد شيئاً»؟ لكن الرجل أردف قائلاً: «ما بدنا غير يرفعولنا رواتبنا، ويوفرولنا الكهربا، ويأمنولنا المازوت لنتدفا، ويمسكوا هالكم أزعر اللي شاغلين البلد، وينظفوا الشوارع من الزبالة ويزبطوا هالطرقات». 

ردّ عليه آخر يقف في مقدمة الصف قائلاً: «وبدنا يزبطوا دور المي، مو عند ناس بتجي وعند ناس لا».

ثم استلم زمام الحديث رجل يبدو عليه أنه مدرّس. خمّنت ذلك بسبب بنطاله القماشي الأسود، ذي اللون الباهت المائل إلى الرمادي نتيجة استعماله الدائم، ونظارته، وطريقته في الكلام معنا وكأننا تلاميذ في شعبته.

قال: «ماذا يريد المواطن؟ سؤال وجيه... ما نريده حقاً يا أخي، مدارس منظمة تهتم بالعقول اللي ببلدنا، مناهج حديثة وثابتة، مو كل سنتين تتبدل». 

جاء صوت من آخر الطابور ليشارك في هذا النقاش «أخي نحن ما بدنا شي، بدنا ناكل، ونشرب، ونتدفا، وتخلص هالأزمة عاد، وترجع القيمة لعملتنا، وولادنا يتعلموا بمدارس متل الخلق، وشوارعنا تنظف، ونفوس هالبشر تصفا تجاه بعضا».

قال شاب يقف قربي، وكأنه يحدث نفسه وهو يتشاغل بهاتفه الخلوي: «العمى كل هدول وما بدنا شي! كيف لو كان بدنا شي؟ لا وما كفَّاه الشي المادي، بدو كمان الشي الإلهي، بدو النفوس بعد عشر سنين قتل تنظف، وتصفا تجاه بعضا».

ضحكت، وتبادلت مع الشاب نظرات هازئة، ثم ثبّت كلّ منا نظره في قدميه، وراحت أجسادنا تهتز من الضحك بلا صوت.

فجأة، علا صوت امرأةٍ تصرخ بنبرةٍ حادة: «بدنا حقوقنا». 

عمَّ الصمت بعد هذه الجملة، ونظر الذكور جميعاً إليها. في مجتمعٍ ذكوريٍّ كمجتمعنا، بعد جملة مثل هذه (بدنا حقوقنا) من فم امرأة، تلتبس المفاهيم، ويتداخل بعضها ببعضها الآخر.

لم يجب أحد عمّا سمع، وأظن أن الجميع كانوا يتساءلون «أتقصد هذه المرأة: حقوق النساء؟ أم حقوق جميع الموجودين في المكان»؟! 

حسم الأمر صوت عامل الفرن، الذي انطلق من الكوّة الصغيرة المخصصة للبيع «لك خلصوني، بدكن خبز؟ ولا بدكن تظلوا عم تحلموا؟».
كانت الجملة كافية ليتهافت الجميع إلى الكوّة، وبالطبع نحن شعب ضد كورونا، ولا نهاب الفيروسات، ولا يمنعنا شيء من التزاحم والتلاحم. وبما أنني ممن يحترمون العلم؛ قررت بدايةً أن أكون حذراً، وألا أنخرط في الزحام حذراً من العدوى.

لم أصمد سوى دقائق، قبل أن أقول لنفسي: «أموت من الكورونا، أفضل من أن أموت من الجوع.. متلي متل كل هالناس». بينما عامل الفرن يصرخ: «بالدور، بالدور يا بني آدمين، والله بسكر وما عاد ببيع»، هجمت وصرت واحداً من «البني آدمين» الذين يقاتلون، ويَضربون ويُضرَبون، سعياً إلى الفوز بربطة خبز. 

بعدما فزت بربطتي، تساءلت بصوت خفيض «عن جد شو بدنا نحن»؟ 

ليجيبني ذلك الشاب الذي كان بجانبي، وقد احمرّ وجهه إثر الضربات التي تعرض لها وهو يحاول الوصول إلى تلك الفتحة الجدارية الصغيرة في الفرن، وتمزقت كنزته «ما بدنا شي يا خال، بدنا تياب ما بتنخزق بسهولة، يلعن عرض هالصناعة يا رجل، يعني معقول كنزة ما تكفيني غير دور سكر، ودور خبز؟ بدي إلبس درع ع دور الغاز».


Share!

لا يتبنى «صوت سوري» أي توجه مسيس للملف السوري ولا تقف وراءه أي جهة سياسية. نحن نراهن على القارئ ليكون شريكنا في الوصول إلى جميع السوريين

إذا كنت ترى أن خطابنا يستحق الوصول انشر هذا المقال من فضلك

بين المزرعة.. والمزعرة

صارغون 26-11-2020

نعم.. لقد فعلها «مؤتمر اللاجئين»

الريفي 14-11-2020

جميع الحقوق محفوظة logo