× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

في «تاكسي» الوطن!

عقل بارد - على الطاولة 02-03-2021

نموذج سائق التاكسي، قد يكون اليوم مناسباً للتعبير عن أحوال معظم السوريين والسوريات، فالكل بالنسبة إليه واحد، ولو تغيرت الأشكال. لكن، ماذا لو شبّهنا هذه البلاد بسيارة أجرة؟ من يكون السائق؟ وإلى أين الوجهة؟

الصورة: (AFP PHOTO / SAMEER AL-DOUMY)

كتب الكثيرون عن سائق التاكسي، وممثلون عظماء قاموا بتجسيد ذلك الدور.

لكن، لماذا سائق التاكسي؟ ما سر هذه الشخصية؟

لأنطون تشيخوف، قصة شهيرة عن الحوذي - وهو سائق عربة الخيل - فيما بعد كتب عنها الكثير من المحللين النفسيين. ومع تطور شكل الحياة، صار سائق التاكسي هو المعادل المنطقي للحوذي.  

يرى البعض أن الإغراء نابع من كون الشخصية مركبة. البعض يصفها بالشخصية الدائمة البوح، آخرون وصفوها بـ«الشخصية الوحيدة المتوازنة نفسياً»، ذلك أن سائق التاكسي قادر على الكلام متى شاء، خاصة أن المدة التي يقضيها أي زبون أو زبونة معه عادة ما تكون محدودة، ما يعني تخفف السائق من كثير من الحسابات التي تفرض نفسها قبل البوح أمام أشخاص نعرفهم.

أزعم أن نموذج سائق التاكسي، قد يكون اليوم مناسباً للتعبير عن أحوال معظم السوريين والسوريات، وإن لم تكن بينهم معرفة شخصية، فالكل بالنسبة إليه واحد، ولو تغيرت الأشكال. 

هو يرانا من جهتين: الأولى بوصفه مستمعاً مستعداً للإصغاء إلى المشكلات، ومشاركتها، فكأنه يمارس عمل الطبيب النفسي من دون أن يعرف. والثانية حين يقوم بدور المتكلم، فيقول كثيراً مما في قلوب الركاب والراكبات، وبالتالي يمارس أيضاً عمل طبيب نفسي، إذ يقوم بحبك القصة كما يجب ويلقيها على مسامع الزبون / ـة، فيساعد على التفريغ من دون أن يشعر! 

حاولتُ إحصاء بعض نماذج البوح الشائع تبادلها، بين السائق والزبائن. وخلصتُ إلى التالي:

1 – نموذج البطل الخارق

أهم حوامل هذا النموذج هو الظلم الممارس على معظم فئات أبناء هذه البلاد.

في هذا السيناريو عادة، وبمجرد أن يتم الاتفاق على الأجرة ويبدأ المشوار، ينطلق السائق في الحديث عن بطولاته، كأن يقول مثلاً إنه منذ قليل كان واقفاً في طابور الكازية، وقد اعترض طريقه أحد الأشخاص الذين يحاولون الدخول بطريقةٍ غير قانونية، فلم يسكت وتشاجر معه.

ثم تأتي الحبكة: تبين أن الشخص الذي تشاجر معه عنصر أمن، على الأرجح سيكمل السائق حديثه بالقول إنه لم يكترث وضربه بلا تردد.

أحياناً، قد يشعر السائق أنه بالغ، فيتدارك الأمر ويُدخل عنصراً ثالثاً هو قريبه الأمني ذو الرتبة الأعلى، الذي بمجرد أن هاتفه أرسل دوريةً اقتصت من ذلك العنصر المسيء.

إذا اعتبرنا أن كل واحد منا سائقٌ لحياته في هذا البلد، فما سر تصادم الجميع المستمر؟ رغم أننا نمشي معاً في طريق باتجاه واحد ولا يبدو فيه أي مفترق أو تقاطع!

في هذا السيناريو، الراكب (الذكر تحديداً) قد يتحمس ويجاري السائق، ويحكي قصة حدثت معه في أحد الطوابير، وما أكثرها. وقد يكون الراكب أشد شجاعة، فهو في قصته واجه جيشاً من الأمنيين، ثم تبدأ المزاودة، ومسابقة: «من الذي واجه صعاباً أكبر».

في الحقيقة، إن كلّاً منهما - على الأرجح - لم يفعل ما قال إنه فعله، لكنه قال ما يتمنى لو يستطيع فعله! 

هل من نصف ممتلئ في هذه الحكاية؟ يمكننا اختراعه ببساطة، فكل من الطرفين قد باح بما يتمنى، وأطلق بعض الكلام العالق في حنجرته.

2- نموذج زير النساء

هنا نرى نوعاً آخراً من الكبت والعنف المجتمعي. فالكبت الجنسي الناتج عن المعتقدات، وسطوة المنظومة المجتمعية، سبب حالةً من انعدام التوازن النفسي لدى شريحة واسعة، وخاصة من الفئة الشابة. 

هنا، يبدأ التفريغ عبر القصص المتخيلة، كأن يرى الشاب نفسه زير نساء، مواساة لذكوريته المكسورة، فيزعم أن النساء جميعاً متيماتٍ به. 

لن يكون غريباً أن ينخرط الزبون (الذكر طبعاً) في اللعبة، والحديث عن «بطولاته» المتخيلة، وهكذا يحقق كل منهما الرضا عن حاله وأحواله، مع معرفتهما أنهما يغرقان في الخيال، ولكن «لا ضير من الهروب إلى الخيال» ما دام الواقع عكس ما يتمنيان!

3- نموذج المحلل السياسي

في العقد الأخير اشتهر السوريون بالتحليل السياسي، وبات معظمهم «قادراً» على التحليل والربط، وكلٌّ من موقفه السياسي، ما أنتج جدالات لا تصل إلى خلاصات، ولا تبتغي الوصول أصلاً. 

اليوم اختلف الحال، فباتت الجدالات تصل إلى خلاصة مشتركة هي «انتشار الجوع». لكن سرعان ما انتقل ثقل الخصام إلى مسبب هذا الجوع، بين متهم لهذا الطرف ومؤكد على مسؤولية ذاك. (يبدو لي أن أحد أهم أسباب تفشي الفقر والجوع، هو عدم اتفاق الفقراء على سبب الفقر والجوع)! 

في النتيجة، قد نسمع كل ذلك في «محاورة» بين السائق والزبون ولكن بشكل مبهم، وكأنهما يعرفان كل شيء لكنهما يعرفان أيضاً أن هناك حدوداً مفروضة لا ينبغي لمعرفتهما أن تبلغها! 

بمعنى آخر، فالطرفان في المثال الأخير يدوران في حلقة مفرغة بمحض اختيارهما، تماماً كما يفعل هذا المقال الذي كان يبتغي منذ البداية أن يطرح فرضية بعينها: 

إذا شبّهنا هذه البلاد بسيارة أجرة، فمن يكون السائق؟ وإلى أين الوجهة؟ وماذا نكون نحن؟

طيب، إذا اعتبرنا أن كل واحد منا سائقٌ لحياته في هذا البلد، فما سر تصادم الجميع المستمر مع أننا نمشي في الطريق نفسه، وهو طريق باتجاه واحد ولا يبدو فيه أي مفترق أو تقاطع؟!! 

2011 آذار ثورة مؤامرة كازية بنزين مازوت بطاقة_ذكية

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0