× الرئيسية
ملفاتنا
صورنا
إنفوغرافيك
من نحن
تَواصُل
النشرة البريدية
facebook twitter twitter twitter
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

الهويات في سوريا: بدل ضائع؟

عقل بارد - على الطاولة 04-05-2021

كثيرة الأسئلة التي تفرض نفسها اليوم لدى الحديث عن الهوية الجمعيّة في سوريا. هل يمكن افتراض وجود هوية سورية جامعة؟ يبدو الأمر تعجيزياً لأسباب عديدة، وواحد من أهمها أن مفهوم الهوية الفردية بحد ذاته مشوش وغامض، لا سيّما في الأوساط الشبابية

«ما الذي تقصدينه بالهوية؟ هل تقصدين أن أحدثك عن حياتي»؟

بهذا أجابني جاد حين سألته عن الهوية، وهو شاب في الثالثة والعشرين من العمر، متخرج من معهد تقانات الحاسوب. 

أوضحت قصدي أكثر، فقال: «لا أستطيع الحديث عن هذا. حين أفكر في الأمر أجده معقداً وغير واضح. أنا غير مقتنع بأي تشكيل اجتماعي أو ديني أو ثقافي هنا. أرفض الهيكلية بأكملها، فكيف يمكنني أن أعرف نفسي من خلالها»؟

يصمت الشاب قليلاً، ويبدو شارداً. يضحك مع نفسه، ويتابع: «لم يسألني أحد من قبل عن هويتي، وأنا لم أفكر فيها، لكن أظن أنني لا أمتلك تعريفاً واضحاً لهويتي، أظن أن المشكلة ليست شخصية بل تتعلق بمجتمعي بأكمله. لا أظن أن هناك هوية واضحة هنا، وإن كان البعض يمتلكها فهي مشوهة، وغير صالحة ليعرف الإنسان نفسه من خلالها».

غالباً ما يكون تعريف الإنسان لذاته أمراً صعباً حتى في بعض المجتمعات التي تعيش حالة سلم، فالأمر مرتبط بكثير من العوامل الاجتماعية والدينية والثقافية. أما في المجتمع السوري اليوم، فيبدو الأمر أكثر صعوبة، وخاصة لدى الجيل الذي تشكل وعيه في سنوات الحرب. الفوضى التي أفرزتها أحداث العقد الأخير، واحتدام الصراع، وعوامل أخرى كثيرة ولّدت ضبابية في رؤية الشباب لأنفسهم وانتماءاتهم، وقدرتهم على تلمس هوية واضحة. 

هويات بديلة

تدرس علا في كلية الآداب بجامعة دمشق. هي طالبة في السنة الثانية من قسم علم الاجتماع.

تقول: «نحن نحاول خلق هوية فسيفسائية نجمعها من ثقافات مختلفة، تلك الأماكن والفنون التي تعجبنا، الانتماءات والشخوص الذين نتأثر بهم، كل ذلك يشكل هويتي». 

وتضيف: «أما إذا كنت تقصدين: هويتي هنا، وانتمائي إلى هذا المكان، فليس لدي شعور به إطلاقاً. نحن نخلق عالماً آخر من موسيقى وفنون تخص عوالم مختلفة، وأفكار ليست من مجتمعنا هذا. نجمع كل ذلك ونعرف أنفسنا به، هذه حقيقتنا»!

«أمتلك هويتين: واحدة فرضت علي بحكم مكان ولادتي، وعائلتي، أكره اعترافي بها فهي لا تعنيني. وأخرى صنعتها بنفسي تكسبني الراحة، وتجعلني أكثر فهماً لذاتي، وغير خجل بتعريف نفسي من خلالها»

يجيب معظم من تحدثت إليهم/نّ من الشباب عن الهوية، بتقديم الاسم، والدراسة، مع إسقاط المكونات الأخرى. على الأرجح يحدث ذلك نتيجة فهم خاطئ، وعدم وضوح مفهوم الهوية لديهم/ن، ففيما تتكون الهوية الشخصية من مجموعة كبيرة من العناصر، كالانتماء الثقافي، والديني، والاجتماعي، والسياسي، واللغوي، والعائلة، والجنسية، وغيرها، يختصر بعض الشباب السوري هويته بمعلومات شخصية قليلة، ويرفض باقي المكونات، أو لا يدركها.

قد يجيب البعض بطريقة مختلفة عن سؤال الهوية. ربيع عمار طالب في السنة الأولى في كلية الفنون الجميلة، يقول: «في الواقع أنا أمتلك هويتين: تلك التي فرضت علي بحكم مكان ولادتي، وعائلتي، ولا أشعر بأنها تمثلني، وأكره اعترافي بها فهي لا تعنيني. وأخرى صنعتها بنفسي تكسبني الراحة، وتجعلني أكثر فهماً لذاتي، وغير خجل بتعريف نفسي من خلالها».

ويضيف: «يمكنني أن أقول لك إنني محسوب على ديانة لا أؤمن بها، وثقافة مجتمعية لا تعجبني، أعيش في مكان ينتج فنوناً رديئة. كل ذلك لا يمثلني».

أرفض هويتي.. أو لا أفهمها 

يبدو أن الحرب أدت إلى ترسيم حدود لهويات الأفراد بشكل سلبي، واختزالها من خلال استخدام الهوية وسيلة لنبذ الآخر، والتمييز بين الأفراد مناطقياً ودينياً. 

سهير شابة في الثانية والعشرين من العمر، قصتها مثال عن نبذ جيل الشباب لبعض الانتماءات المقولبة. تقول: «هربت من عائلتي قبل خمس سنوات. بعد انتقالي إلى دمشق تعرضت لنوع من التمييز لأنني أنتمي إلى ريف إحدى المحافظات. كان ذلك أول سبب جعلني أبدأ بتعريف نفسي بشكل مغاير للحقيقة، خلق ذلك شعوراً بالكره لكل ما أنتمي إليه. الآن أنا واحدة أخرى. لم يقدم لي انتمائي الاجتماعي أي شيء، بل على العكس الآن وبعد خروجي من كل ذلك استطعت صنع حياة بأهداف واضحة».

ليس سهلاً على جيل تشكل وعيه وسط فوضى اجتماعية وسياسية أن يشعر بانتماء لشيء سوى نفسه. يبدو ذلك واضحاً في كثير من السلوكيات والأفعال التي تتمحور حول البحث عن الخلاص الفردي، وعدم الاكتراث بكل ما يحدث

جنى في الثانية والثلاثين من العمر، متخرجة من كلية الاقتصاد، وتعمل مدرِّسة لمادة الرياضيات.

تقول لي: «كان لدي فهم كامل لهويتي بدأ بالتشكل في السادسة عشرة من عمري. كنت أشعر بانتماء قوي إلى بلدي، وعائلتي. في العشرين من عمري كنت أدرك تماماً هويتي وانتماءاتي، الآن أشعر بأن كل ذلك لم تعد له أهمية. كل تلك المعطيات التي كانت مصدر قوة بالنسبة لي، وتمنحني فهماً لذاتي لم تعد لها أهمية».

وتضيف مستدركة: «في أعماقي ما زلت أشعر بها أحياناً، مع رغبة في الدفاع عن تلك الهوية، واستعادتها بقوة».

أما سيرين عبد الخالق، وهي في الرابعة والثلاثين من عمرها، متزوجة ولديها طفلة، فتقول:

«أمتلك إحساساً قوياً بانتمائي إلى سوريا، ولا أفكر في الابتعاد عنها. هنا أشعر بذاتي أكثر من أي مكان آخر، لم أفكر ما هي هويتي من قبل وما يشكلها. لكنني أشعر بها تربطني بهذا المكان، وبمحيطي، وعائلتي، وأصدقائي».

ع الحاجز!

عادة ما تكون الهوية الفردية مركبة وفريدة، وتميز كل فرد عن سائر الأفراد، فلا يمتلك شخصان هوية واحدة تامة التطابق متماثلة الخصائص والاهتمامات والانتماءات. 
قد تكون بعض مكونات الهوية الفردية أهم من غيرها، لكن لا يمكن تشكل هوية مكتملة بلا تضافر جميع مكوناتها، الاجتماعية والسياسية والدينية والشخصية.

بين الهوية التي يفترضها المحيط منذ لحظة الولادة - تلك التي يمكننا اعتبارها موروثة - وبين الهوية الفردية الخاصة التي تتشكل تدريجياً، يختار بعض شباب اليوم هوية متفردة يصنعونها بأنفسهم، متجاهلين تلك «الهوية الفطرية»، فيما تعيش شريحة وازنة حالة من انعدام الهوية، مع عدم إدراك ذلك. 

ليس سهلاً على جيل تشكل وعيه وسط فوضى اجتماعية وسياسية أن يشعر بانتماء لشيء، سوى نفسه. يبدو ذلك واضحاً في كثير من السلوكيات والأفعال التي تتمحور حول البحث عن الخلاص الفردي، وعدم الاكتراث بكل ما يحدث.

كثر ممن تحدثنا معاً حول الهوية، أجابوني: «تقصدين بطاقتي الشخصي»؟ أحدهم قال: «إنها لا تعني شيئاً لي»، آخر قال ضاحكاً: «أستخدمها فقط على الحواجز، وأكرهها بسبب ذلك»!


Share!

لا يتبنى «صوت سوري» أي توجه مسيس للملف السوري ولا تقف وراءه أي جهة سياسية.
نحن نراهن على دعمك لنا في الوصول إلى جميع السوريين والسوريات.

إذا رأيت أن خطابنا يستحق الوصول انشري / انشر هذا المقال من فضلك

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها