× الرئيسية
ملفاتنا
صورنا
إنفوغرافيك
من نحن
تَواصُل
النشرة البريدية
facebook twitter twitter twitter
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

أزمة الهوية في سوريا: بحثاً عن ثقب في هذا الجدار

عقل بارد - على الطاولة 19-07-2021

كانت سوريا على الدوام جزءاً من هوية كولونيالية، فهي تارة جزء من القومية العربية، وتارة من الأمة الإسلامية، وأخرى من سوريا الكبرى، ولم تكن يوماً سوريا التي نعرفها حتى قبل العام 2011

قد لا يكون من المستغرب كثيراً أن يُعلن إطلاق حزب سياسي في السويداء، على اعتبار أن الديناميات المحلية كانت تشي منذ وقت طويل بأن المحافظة قد تتجه إلى إنتاج شيء ما يُعبر عن ذاتها ومصالحها، غير أن منطق الأمور كان يشير إلى إمكانية إطلاق الحزب في الداخل، لا في الخارج. 

لسنا هنا في وارد تقييم التجربة لا سلباً، ولا إيجاباً، وهي إن لم تكن مدفوعة بالمصالح المحلية، فبالأمثلة الأقرب التي اندفعت باتجاهها بعض القوى في شمال شرق سوريا، أي العمل على نوع ما من الإدارة الذاتية، خاصة في ظل وجود قوى عسكرية «غير مضبوطة سلطوياً»، أو هي بالفعل خارج دائرة السلطة، والحديث هنا عن رجال الكرامة، قبل أن تشكل قوة جديدة لا تزال بلا هوية واضحة إلى اليوم.

ما حصل ويحصل في الجنوب ليس سوى أحد الأمثلة التي تلخص أزمات عاشتها البلاد على مستويات عديدة، وصارت عرضة لانكشاف واسع بعد العام 2011. تأتي في مقدمة هذه الأزمات أزمة الهوية الوطنية، على اعتبار أن المناط بالهوية الوطنية تشكيل عنصر التجانس الجامع بين كل المكونات الوطنية، بوصفها ظاهرة أيديولوجية متخيلة تمتد على ظواهر عاطفية، وفكرية، وثقافية، وتصبح قادرة على وعي ذاتها، في حين كانت ولا تزال الهوية السورية غير معترف بها، حتى من كثير من السوريين أنفسهم. 

لقد كانت سوريا على الدوام جزءاً من هوية كولونيالية، فهي تارة جزء من القومية العربية، وتارة من الأمة الإسلامية، وأخرى من سوريا الكبرى، ولم تكن يوماً سوريا التي نعرفها حتى قبل العام 2011، لذلك فإن كل أزمة على المستوى المركزي من شأنها أن تُنشّط بحث القوى المحلية عن ذواتها، خاصة أنها ترى نفسها غير منضوية في الهوية الكولونيالية المطروحة. 

 كل أزمة على المستوى المركزي من شأنها أن تُنشّط بحث القوى المحلية عن ذواتها، خاصة أنها ترى نفسها غير منضوية في الهوية الكولونيالية المطروحة

هكذا وجدنا أنفسنا أمام تمايز قاسٍ بين الهوية الوطنية التي تطرحها السلطة، والهوية الوطنية التي تراها بعض البيئات المحلية، ولم تنجح كل محاولات السلطة في إعادة تشكيل المكان، والسكان، والإقليم، فكانت النتيجة 2011.

وإذا كانت نسبة وازنة من السوريين تعرف نفسها بالهوية الإسلامية، وهي بالتالي لا تعيش أزمة هوية إذ لديها «الهوية الآمنة» التي تلجأ لها، فإن الهوية الوطنية في المقابل تعتبر ملاذاً للأقليات، القومية منها (كالكورد والآشوريين) والإثنية (كالإيزيديين)، وغيرها، وهذا يعني في ما يعنيه صداماً هوياتياً بين الأكثرية والأقليات، وقد لاحظنا أن السلطة اندفعت لاستيعابه بتحالفها (المحررة: أو تجديد تحالفها؟) مع جزء من التيار الإسلامي.

كل ما سبق يدفعنا اليوم إلى البحث عن الهوية الوطنية السورية الجامعة، بوصفها مصلحة أولاً واستراتيجية ثانياً، وفي البداية لا بد من البحث عن عناصر التجانس بين القوى والمكونات السورية، والحديث عن وحدة سوريا الترابية والشعبية، فعناصر التجانس الهوياتي اليوم هي إجراءات عملية ولا تتوقف على أبعاد تنظيرية، والحديث هنا عن:

- وحدة القوانين وأولويتها باعتبارها مدخلاً لوضع معايير للتمركز السياسي، وهرمية التكنوقراط، بحيث تعكس الديناميات المتأصلة في المجتمع.
- وحدة التضامن التي تخلقها المؤسسات الوطنية التي يُفترض بقيمها العالية أن تدفع إلى انتقال الولاءات المحلية والتقليدية، إلى ولاءات وطنية، وتخلق الاندماج.
- تقارب مستوى المعيشة من حيث توفير متطلبات المعيشة لنمط الاستهلاك بما يتيح تقاسم عوائد الدخل الوطني.
- التضامن الثقافي بدءاً من المستوى الشخصي، ووصولاً إلى وسائل الإعلام، باستغلال وجود لغة حاضنة هي اللغة العربية، ولا ضير من وجود لغات أخرى ما دام الفصل الوظيفي موجوداً.
- التضامن الفردي، وهو ناجم عن ارتفاع قدرات الفرد، وتنامي استقلاله الفردي بما يتيح له كسر الخصوصية التي تتمتع بها جماعته الضيقة، والانطلاق نحو الجماعة الوطنية مع ما تقدمه دولة الرفاه، ونحن اليوم نشهد إعادة تركيب العلاقات في المجتمع من خلال الضواحي المتجاورة، والبلديات، كما أصبحت الجمعيات أكثر أهمية للفرد من انتمائه الضيق.
- لامركزية قوية، وتعني مركزاً قوياً وأطرافاً معترفاً بها، فالمركز كالأب في الأسرة يجب أن يكون قدوة ومحور التفاعلات بين أفرادها، لأننا اليوم أمام أطراف وجدت خلال الحرب مصالحها بعيداً عن المركز، لا بل واستطاعت بناء علاقات مستقلة مع أطراف أخرى من دون المرور بهذا المركز.

 ما حصل ويحصل في الجنوب ليس سوى أحد الأمثلة التي تلخص أزمات عاشتها البلاد على مستويات عديدة، وصارت عرضة لانكشاف واسع بعد العام 2011

الشيء الآخر الذي يجب البحث فيه هو عناصر التمايز التي تتمتع بها الهوية السورية عما حولها من هويات ترابية أولاً، وعن الهويات الفرعية أو المحلية ثانياً، في حين أن العنصر الثالث هو الأهم وهو طبيعة المؤسسات الوطنية التي يمكنها أن تعكس الهوية الجامعة لتخلق أقوى تمثيل للمجتمع من جهة، ومن جهة ثانية تخلق التمايز الواضح عن المؤسسات والتكوينات التقليدية والمحلية، ومن جهة ثالثة تستطيع نقل سوريا إلى المكانة الإقليمية والدولية، وتكون مقدمة لمقبولية في منظمات عابرة للحدود، من دون أن يوجه لها أي لوم كما نشهد اليوم في أروقة كثير من المنظمات عند كل اجتماع بخصوص سوريا.

قد يكون الرد على كل ما سبق أنه مشروط ببيئة سليمة، وتنمية اقتصادية لا تتوافران في سوريا اليوم، وأقول: نعم، لكن لا يوجد التزام من أي طرف بتوفيرهما من ناحية الفعل والممارسات، ويجب على كل أطراف الصراع أن تنحو باتجاه توفير السلام، وإجراءات بناء الثقة، تمهيداً لالتقاء المصالح.
أما المستويات الأخرى من الأزمات؛ كأزمة المجتمع، وأزمة المجتمع المدني، وأزمة السلطة، أو أزمات أخرى كالانتماء، والتحول الاقتصادي، والديناميات المحلية، وغيرها، فقد نسعى إلى تفكيكها في مقالات لاحقة.

Share!

لا يتبنى «صوت سوري» أي توجه مسيس للملف السوري ولا تقف وراءه أي جهة سياسية.
نحن نراهن على دعمك لنا في الوصول إلى جميع السوريين والسوريات.

إذا رأيت أن خطابنا يستحق الوصول انشري / انشر هذا المقال من فضلك

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها