× الرئيسية
ملفاتنا
صورنا
إنفوغرافيك
من نحن
تَواصُل
النشرة البريدية
facebook twitter twitter twitter
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

عن «خزان» اسمه سوريا: نحن والفيول وثوابت الحكومة

عقل بارد - على الطاولة 07-09-2021

يمكن لأي متابع أن يدرك التطابق شبه التام بين طريقة إدارة دمشق للأزمة / الحرب السورية، وأزمة تسرب الفيول التي حصلت في مدينة بانياس، وشغلت - ولا تزال - السوريين والسوريات، ودول الجوار، لكنها بالنسبة للحكومة «خلصت وفشلت»

الصورة: (هنا اللاذقية - فايسبوك)

في العام 2011 حين خرجت أولى المظاهرات في سوريا، اعتمدت الحكومة السورية «تكتيك الإنكار»، ومع استمرار المظاهرات، وبثها عبر قنوات تلفزيونية ووسائل إعلام عربية وحتى عالمية، تخلت الحكومة عن ذلك «التكتيك»، وبدأ الحديث عن مظاهرات صغيرة ومتفرقة، وعن تضخيم إعلامي لما يجري.

مع استمرار الأحداث، وتصاعدها، وتطورها، خرج الأمر عن قدرة الحكومة على التكتم، لتبدأ سلسلة اتهام قوى خارجية معادية، والطلب من المواطنين المشاركة في إنهاء المظاهرات، وتحميلهم في ما بعد مسؤولية ذلك.

حسناً، إذا أعدنا كتابة السطور السابقة مع إبدال كلمة: المظاهرات بكلمة «الفيول»، سترتسم أمامنا مجريات وتطورات أزمة الفيول المتسرب، بحذافيرها مع تغير بعض المعطيات والتسميات.

أنكر المسؤولون الحادثة أول الأمر، قبل أن تخرج تصريحات تقلل من شأنها، وتؤكد السيطرة على التسرب الذي حصل، وتتبعها تصريحات أخرى حول وجود «مصيدة للفيول» تمنع تسربه إلى البحر.

حادثة تسرب الفيول جاءت بسبب اهتراء في أحد الخزانات. كم يشبه هذا الخزان سوريا التي كانت تعيش قبل اندلاع الحرب «حياة طبيعية» في شكلها الخارجي، فيما كان الاهتراء يأكلها من الداخل بكل أشكاله، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والديموغرافية، اهتراء يعتاش عليه الفساد ويزيد منه. 

مع استمرار تسرب الفيول ووصوله إلى شواطئ بعيدة عن بانياس، وانتشار صور وفيديوهات توثق الأمر، اضطر المسؤولون إلى الانتقال إلى خطوة جديدة عن طريق إظهار عمليات تنظيف «بدائية» واستعراض صور تظهر بعض البقع التي تم تنظيفها، وكأن الأمر انتهى.

نظرية «خلصت وفشلت» مرة أخرى مع كل أزمة أو مشكلة تظهر من جديد.

«تكتيك» يشبه إلى حد كبير تلك الخزعبلات التي يمارسها تجار «علوم الطاقة» وكلامهم عن «قانون الجذب» الذي يعني بشكل مبسط أنك إن أردت حدوث أمر ما، فما عليك إلا تكرار القول إنه حصل فعلاً! 

كرر الأمر فقط، قل إنه حصل، مارس البروباغندا بأبسط أشكالها فقط لا غير، من دون اتخاذ أي إجراء فعلي، أو إظهار حقيقة ما جرى، وآثاره.

حادثة تسرب الفيول جاءت بسبب اهتراء في أحد الخزانات. كم يشبه هذا الخزان سوريا التي كانت تعيش قبل اندلاع الحرب «حياة طبيعية» في شكلها الخارجي، فيما كان الاهتراء يأكلها من الداخل

بعد انتشار صور جديدة تظهر عمالاً ينظفون الفيول بأيديهم، وبقطع قماشية، صدرت تصريحات جديدة تنفي مسؤولية الجهات الحكومية عن أولئك العمال المساكين، لتضيع – كعادتها- المسؤولية.

ظهرت البقع مرة أخرى، واتسعت دائرة انتشارها، ونُشرت صور جوية تكشف أن التسرب النفطي في طريقه إلى قبرص، كما كشفت الصور المساحة الكبيرة التي انتشرت فيها الكميات المتسربة، ليخرج المسؤولون هذه المرة بتصريحات تشكك بالصور وتتهم إسرائيل بتلفيقها، كونها نُشرت على موقع هاآرتس، ويعود التأكيد على أن «ما تسرب لا يتجاوز 4 أطنان».

هكذا انتقلنا من مرحلة «خلصت وفشلت» إلى مرحلة اتهام الأعداء باختلاق أزمة لم تحصل أصلاً! وكأن تسرب الفيول يهدد «عزيمة الأمة»!

وصل الفيول إلى معظم الشواطئ السورية، وامتدت آثاره إلى دول مجاورة، ولا تزال العقلية المتبعة في إدارة الأزمة مستمرة، تقوم على مبادئ يبدو أنها راسخة، بدءاً من الإنكار، ومن ثم التقليل من أهمية الواقعة، والانتهاء بتراشق المسؤوليات، واتهام قوى معادية، ومؤامرات.

كم يشبه الفيول السوريين الذي قذفهم انفجار البلاد نحو بلدان مجاورة، غرق منهم من غرق، ووصل من نجا إلى شواطئ أخرى! وكم يشبه مسؤولو اليوم وطريقة تفكيرهم مسؤولي الأمس، وكم تشبه طريقة معالجة الأزمة عن طريق ردم الفيول بالرمل، أو شطفه، أو تجاهله أصلاً، على الرغم من الأضرار الحالية والمستقبلية التي سيخلفها، طريقة معالجة الأزمة / الحرب. 

أكثر من عشر سنوات مرت على سوريا في ظل حرب دامية مدمرة غيرت كل شيء تقريباً، لتبقى الحكومة وسياساتها الثابت الوحيد، ويبقى المواطن - سواء شارك في تنظيف فوضى الحكومة، أو فر منها - هو الخاسر الوحيد، والمتهم الوحيد، والذي يلام أيضاً على تقصيره!

يراقب السوريون بقع الفيول العائمة على الشواطئ، يسخرون أحياناً من تصريحات الحكومة، ويحزنون أحياناً أخرى على تلك الشواطئ الملوثة، يحزنون على «المعترين» الذين سيدفعون بعرقهم وصحتهم الأثمان، يتذكرون ما دفعه أسلافهم، ويألمون لمجرد التفكير بأن أبناءهم سيدفعون بدورهم الثمن.

ينظر السوريون إلى خرائط انتشار التسرب بحسرة، يتساءلون: هل نجا الفيول من هذا السجن الكبير؟ وهل يمكن أن يحسد إنسان بقعة زيتية عائمة قطعت البحر، ووصلت إلى الضفة المقابلة؟!


Share!

لا يتبنى «صوت سوري» أي توجه مسيس للملف السوري ولا تقف وراءه أي جهة سياسية.
نحن نراهن على دعمك لنا في الوصول إلى جميع السوريين والسوريات.

إذا رأيت أن خطابنا يستحق الوصول انشري / انشر هذا المقال من فضلك

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها