× الرئيسية
ملفاتنا
صورنا
إنفوغرافيك
من نحن
تَواصُل
النشرة البريدية
facebook twitter twitter twitter
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

بحثاً عن ابتسامة في أوروبا: هل نعيش على الكوكب نفسه؟

حكاياتنا - ملح 09-09-2021

أدركت أن وضعي خطير، ولا بد من السيطرة على تعابير وجهي في مثل هذه المواقف. قررت البحث عن تمارين لتدريب الوجه على الاسترخاء، والحصول على ابتسامة طبيعية، لعلي أحافظ على قليل من التوازن الخارجي، أما الداخلي فكنت واثقة ألا شيء قد ينفع معه

الصورة: أحد أحياء حلب (Ottavia Massimo - فليكر)

بعد قدومي إلى أوروبا بدأت - شأني شأن كثر غيري على الأرجح - بالمقارنة بين الحال هنا، وبين سوريا، من أصغر التفاصيل إلى أعظمها بالنسبة إلينا.

كدت أصاب بصدمة لم أحدد اسمها بعد، لكنها تتلخص في التعجب من حقيقة وجودنا على كوكب واحد مع دول تحترم كل فرد فيها، والحسرة على عقود قضيتها في معركة خاسرة لالتماس أبسط الحقوق! 

في استعراض سريع للمشاهد الأولى: كانت أمامي شوارع منظمة ونظيفة، منسجمة مع الطبيعة التي تحيط بها، تشبه تلك التي لم أرها إلا في الرسوم المتحركة، أو لوحات فنية، نساء بشعر أبيض يقدن الدراجات الهوائية، امرأة تقطع ممر المشاة تتوقف فجأة، وتنحني إلى الأرض لتمسك شيئاً لمحته، ثم تتجه إلى إحدى سلل القمامة الموزعة في كل مكان، أطفال يلعبون في الحدائق، لا أطفال يتسولون أو يبيعون شيئاً، عربة زهور بلا بائع وقربها لوحة كُتبت عليها الأسعار وصندوق مفتوح لوضع النقود.

كان الموقف الأكثر صعوبة عندما قدم أصدقاء زوجي إلى منزلنا للترحيب بي، اتجه نحوي أحدهم وقدم لي هدية. كان عليّ فتحها على الفور، رأيت تمثالاً بشكل غريب أقرب إلى فن الكاريكاتير، لم أعرف من هو الشخص الذي يجسده التمثال، قال الصديق: «إنه الحاكم الأعلى للبلاد، هذا شيء فقط للضحك يمكنك وضعه في الحمام»! 

حينها أدركت أن وضعي خطير، ولا بد من السيطرة على تعابير وجهي في مثل هذه المواقف. قررت البحث عن تمارين لتدريب الوجه على الاسترخاء، والحصول على ابتسامة طبيعية، لعلي أحافظ على قليل من التوازن الخارجي، أما الداخلي فكنت واثقة ألا شيء قد ينفع معه!

بالفعل قضيت أوقاتاً طويلة أمام المرآة لتطبيق التدريبات، وبرغم كل الجهود لم أكن ممثلة جيدة، فالابتسامة تلك غالباً ما كانت تظهر بملامح ضائعة، لأن الأفكار، والصور، والمشاعر، وكل ما في داخلي كان أقوى. 

فتحت الظرف لأجد رسالة اعتذار من شركة الكهرباء، مع إعلامي بتحويل مبلغ على حسابي البنكي تعويضاً عن انقطاع الكهرباء ذات مرة لمدة ساعة فقط

رغم استمراري في لعبة المقارنات والبحث عن الفوارق التي لا تعد، فإن أثر النتائج بات أقل بمرور الوقت، ولم أعُد أُدهش كثيراً، إلى أن ذهبت يوماً إلى المشفى مع ابنتي وفق موعد محدد سابقاً لتخضع لعملية جراحية. 

حين خرجنا من البيت في ذلك اليوم وجدت ظرفاً في صندوق بريدي، أخذته على عجل ولم أفتحه رغم أهمية أي ورقة تصل عبر البريد، فالحياة هنا كلها مرتبطة به بدءاً من إخبار السكان بمواعيد رمي القمامة بعد فرزها، انتهاء بخبر تسلم الجنسية.

وصلنا المشفى. دخلت الغرفة المجهزة لصغيرتي، كانت مليئة بالألعاب كما هو الحال في أغلب الأماكن هنا. بدّلت لها ملابسها، وقبل انطلاقنا إلى غرفة العمليات سألتها الممرضة إن كانت تفضل الذهاب بسيارة كهربائية. لم أستوعب الفكرة إلى حين مشاهدتها تتنقل بين طوابق المستشفى بسيارة كهربائية مزينة مخصصة للأطفال.

وصلنا المكان المحدد، فاتجهت نحوي سيدتان من الطاقم، وقالتا إنهما معي للمساعدة. ظننت أن «المساعدة» المقصودة تقتصر على تقديم ما يجب ارتداؤه في غرفة العمليات التي سأدخلها معها إلى حين تخديرها.

بعد أن سرى مفعول المخدر في جسمها الصغير دعتني السيدتان للخروج معهما. مشينا إلى غرفة مجهزة بالمشروبات وقطع الحلوى، سألتني إحداهما عمّا أرغب في شربه، وأكدتا لي أن مهمتهما هي فقط الاهتمام بي إلى حين انتهاء العملية، ورغم حالة القلق التي كنت أعيشها فإن الدهشة وازدحام الأسئلة في رأسي لم يرحماني. رحت أتحدث مع نفسي، وافترضت أن الأحداث نفسها تجري في سوريا في المستقبل البعيد (إن حصلت). هل سيكون هناك من يدرس هذه التفاصيل بهذه الدقة؟ وهل سيُنفذ أحد وظيفته بهذا الحب والإخلاص مثل السيدتين؟ 

مضى الوقت وصعدنا إلى غرفة ابنتي مرة أخرى، ثم أتت الممرضة وجلبت لها البوظة التي وعدتها بها في غرفة العمليات. 

بعد قليل كان يجب أن تتناول الطعام لكنها رفضت كل ما قدموه لها، فسألتها إحدى الممرضات عما ترغبه، لترد: «كيوي».

اختفت الممرضة دقائق، وأحضرت الكيوي مقطعاً في صحن مخصص للأطفال.

بعد عودتنا إلى المنزل بأيام تذكرت الظرف الذي لم أفتحه. فتحته لأجد رسالة اعتذار من شركة الكهرباء، مع إعلامي بتحويل مبلغ على حسابي البنكي تعويضاً عن انقطاع الكهرباء ذات مرة لمدة ساعة فقط. 

رن جرس الباب، كان موعداً مسبقاً مع جارتي للاطمئنان علينا بعد خروجنا من المشفى. سألتها عن أحوالها، فأجابت بأنها ليست سعيدة بعد سماعها أخباراً متداولة عن إمكانية عودة الإغلاق بسبب كورونا، وأطلقت صفة دكتاتور على أحد السياسيين لمسؤوليته عن الإجراءات ضد الفايروس، لأنها اعتبرتها سلباً لحريتها. 

فقد دماغي السيطرة كلياً، واقتحمت الكلمات العربية تعليقي على كلمة دكتاتور، وعلى التعويض لانقطاع الكهرباء، والمشفى وكل ما دار فيه. 

اضطرب الزمن وتداخلت الأحداث في رأسي، ثم تذكرت ذلك التمثال الذي انكسر بعد فترة، ورميته في القمامة.

ناولتني جارتي كأس ماء وانشغلت في محاولات تهدئتي. اعتذرت منها، وصمتُّ من دون أن أحاول الابتسام.


Share!

لا يتبنى «صوت سوري» أي توجه مسيس للملف السوري ولا تقف وراءه أي جهة سياسية.
نحن نراهن على دعمك لنا في الوصول إلى جميع السوريين والسوريات.

إذا رأيت أن خطابنا يستحق الوصول انشري / انشر هذا المقال من فضلك

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها