× الرئيسية
ملفاتنا
صورنا
إنفوغرافيك
من نحن
تَواصُل
النشرة البريدية
facebook twitter twitter twitter
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

ثقافتنا و«الربيع العربي».. من تأبط الآخر؟!

عقل بارد - على الطاولة 12-09-2021

ثمة مقارنة رمزية يمكن عقدها بين تعلق أفغان بالطائرة الأميركية، وبين تعلق شرائح سورية بقطار «الربيع العربي»: كانت «الثورة تساوي أميركا»، و«مناصرة النظام تساوي طالبان» في نظر البعض. في المقابل، كانت «الثورة تساوي طالبان»، و«النظام يساوي الاستقرار» في نظر بعض آخر

الصورة: (scottmontreal - فليكر)

مشهد اعتصام مئات من الأفغان بالطائرة الأميركية، وتعلق العشرات بها، فتح الباب أمام مقارنات بين الحالة الأفغانية، ونظيرتها السورية، برغم اختلاف كثير من الظروف والتفاصيل. 

المقارنة الراهنة ركّزت على الحضور الأميركي في شمال شرق سوريا، وعلى مستقبل هذا الحضور، ومنعكسات أي تكرار لسيناريو الانسحاب على قوات سوريا الديمقراطية التي تستمد من تحالفها مع الأميركي نسبة وازنة من عوامل إحساسها بالقوة.

ثمة مقارنة أخرى، رمزية، يمكن عقدها هنا بين التعلق بالطائرة، وبين تعلق شرائح سورية بقطار «الربيع العربي» قبل أكثر من عشر سنوات: كانت «الثورة تساوي أميركا»، و«مناصرة النظام تساوي طالبان» في نظر البعض. في المقابل، كانت «الثورة تساوي طالبان»، و«النظام يساوي الاستقرار» في نظر بعض آخر.

وصل «الربيع العربي» إلى سوريا في قمة نشاطه، ليكون أشبه بحالة من حالات العولمة في نموذج شعبوي، ساهم في تحققه أن إيديولجية المنطقة عموماً وسوريا على وجه الخصوص كانت مشبعة بثقافة «التغيير الثوري»، وقد وصل إلى سوريا رافعاً لواءها بعدما نجح في بناء الشروط التي تسمح له بالتحكم بآليات الهيمنة، وتقنياتها.

ليس المقصود أبداً شيطنة «الربيع العربي» ولا تمجيده هنا، بل مقاربته بواقعية. لا تمكن إدانة «الربيع العربي» بسبب السطوة التي حظي بها، لكن في المقابل تمكن محاولة تفكيك آليات هذه الهيمنة، والتفكير في حوامل لمواجهتها من دون نسف فكرة التغيير، والنكوص نحو التعلق بطائرة ما، رمزية مرة أخرى، قد تكون الاعتصام بالدكتاتوريات مثلاً. 

«الثورة» في سوريا كانت تعني ضمناً خطر الانجراف نحو الأسلمة في ظل أرجحية مساهمة الإسلام السياسي في الإنتاج الثقافي الذي ملأ الفضاء العربي الجديد، وهذا حصل بالفعل بسبب قدرة جهات بعينها على توجيه الحراك

إحدى ركائز «الربيع العربي» في سوريا، كانت انتزاع النخب من ثقافتها الوطنية التقليدية. لم يقتصر الأمر على محاولة تهيئة النخب للاندماج في ثقافة النخبة العربية والعالمية المتبنية للربيع العربي فحسب، بل ذهب أبعدَ نحو تخفيض الثقافة الوطنية إلى مستوى الثقافات الشعبية المحلية، في ما يبدو أنه سعي إلى إدماج تلك النخب في فلك ما تمكن تسميته «المنظومة العربية الجديدة».

«الثورة» في سوريا كانت تعني ضمناً خطر الانجراف نحو الأسلمة في ظل أرجحية مساهمة تيار الإسلام السياسي في الإنتاج الثقافي (المادي والمعنوي) الذي ملأ الفضاء العربي الجديد عقب ثورة المعلومات، و«الربيع العربي»، وهذا ما حصل بالفعل بسبب قدرة جهات (إعلامية وثقافية وسياسية) بعينها على توجيه الحراك لا في سوريا فحسب، بل في المنطقة العربية عموماً، مع سعي دؤوب إلى صبغ ثقافات الشعوب والطبقات جميعاً بصبغة ثقافة إسلاموية، أو تعميم تجربة الإخوان في مصر وتونس على جميع الشعوب العربية.

لكن؛ ولأن السيطرة الثقافية هي سيطرة تخضع تاريخياً لصراعات وتوازنات متغيرة، فمن الصعب أن تكون حاسمة وثابتة ونهائية، لذا رأينا تضعضعاً في المشهد السوري مع محاولات التغيير في موازين القوى (وأيضاً مع تأثير، وتأثر متبادل مع المشهد العربي)، ما يشرعن التساؤل عن فرص إعادة بناء الثقافة على أسس جديدة.

لقد اندفع طرفا الصراع الأساسيان في سوريا بشكل محموم، وغرقا في هوس الدفاع، والممانعة، والمصارعة، فنسي كل طرف نفسه، وانشغل بدل ذلك بالتهليل لأي أذى يلحق الطرف الآخر، وداخ المناصرون في سحر الثقافة المسيطرة على كل طرف، حتى فقدنا الهوية الجمعية، ووصل الأمر إلى تآكل قدرة الدولة الوطنية.

عقبت ذلك مرحلة أخرى تعددت فيها الحركات، وتشتّتت، وزاد اعتمادها على تعبيرات إيديولوجية تكرس الحنين إلى الماضي، تجلت في البحث عن الهوية المفقودة من خلال خطابات السلفية الدينية، أو الانغلاق الهوياتي، فكانت تلك التجليات مظاهر للأزمة، وليست استجابات فعالة للتحدي.

لا يمكن إنكار أن التباين الثقافي بين المكونات السورية ليس واقعاً حقيقياً فحسب، بل إنه ظاهرة جوهرية، بمعنى أن الخصوصيات الثابتة والدائمة تلغي في نهاية المطاف القاسم المشترك الذي يعبر عن الخصوصية الثقافية الوطنية، وكذلك السلطة فهي ليست أمراً زائداً على الاجتماع أو حدثاً طارئاً، بقدر ما هي صورة الاجتماع نفسه، وبنية النظام - أياً تكن طبيعتها، حتى في حالتها الاستبدادية - وبغض النظر عن موقفنا منها.

من هنا لم يكن من السهولة أن تنفذ الأفكار الجيدة الجديدة إلى جميع المكونات السورية، أو حتى إلى جميع أفراد أحد المكونات (أياً يكن المكوّن)، وانحدرت المجريات إلى طور تفكك الهويات، والنكوص إلى الانتماءات الـ«تحت وطنية»، وثمن ذلك كله كان مزيداً من الانفراد، والعزلة، أو اللجوء، والهجرة، وحتى الاغتراب الداخلي، وما ساعد على تعظيم الثمن كان المشروع الاستعماري التقليدي في المنطقة الذي ساهم بتكريس الاستقطاب بين المركز والأطراف.

اليوم؛ تبدو سوريا سجينة هوياتها الإثنية، والدينية، والطائفية، وإلخ.. منغلقة داخل خصوصياتها المتعددة، بعيدة عن قيم الديمقراطية، تتنازعها أدوار مرسومة لها في إطار مشاريع إقليمية ودولية متناحرة، ضائعة بين خيارين ثقافيين: الانغلاق أو الانفتاح، من دون إمكانية واضحة لترجيح أحدهما على الآخر.


Share!

لا يتبنى «صوت سوري» أي توجه مسيس للملف السوري ولا تقف وراءه أي جهة سياسية.
نحن نراهن على دعمك لنا في الوصول إلى جميع السوريين والسوريات.

إذا رأيت أن خطابنا يستحق الوصول انشري / انشر هذا المقال من فضلك

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها