× الرئيسية
ملفاتنا
صورنا
إنفوغرافيك
من نحن
تَواصُل
النشرة البريدية
facebook twitter twitter twitter
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

عن مواطنة لا ترغب بالهجرة.. أو «كيف تعلمت أن أتوقف عن القلق وأحب القنبلة»

حكاياتنا - ملح 07-10-2021

وقع القنبلة صاخب جداً، مختلف، ليس فيه احتمالات كثيرة للنجاة، يجعلني أشتاق إلى كل الذين هاجروا قصداً، كل الذين يسرحون في أزقة مدن العالم بعد أن تركوني وحيدةً بائسةً هنا. لعل هذا سبب إقبال السوريين هذه الأيام على استخدام القنابل؟

الرسم: ("Matías Tejeda "MATE) - كارتون موفمينت)

تنويه لا لزوم له: جميع أسماء اﻷماكن والأشخاص تم تغييرها لدواع أمنية، منها ألا تعرفني جارتي التي في الطابق الثاني لهذه المدينة.

...

أجلس في مقهى يحمل اسماً غريباً: «بوّابة دانتي».

لا أعرف من الذي اقترح الاسم، ولا كيف وافقت البلدية عليه، ربما ﻷنهم ظنوه اسماً من أسماء هذه البلاد في حقبة ما من حقب الـ«سبع تالاف سنة حضارة»، لا أستخفّ بذكاء وثقافة البلدية أبداً، لكنه سؤال يلح عليّ منذ طرقت باب المكان قبل ساعة من دون أن أجرؤ على سؤال أحد فيه عن السبب.

اليوم عطلة رسمية، في ذكرى إحدى حروبنا الكثيرة التي انتصرنا في جميعها طبعاً، مع أنّ أبي الذي شارك فيها، وفقد إحدى ساقيه، اعتاد أن يهزّ رأسه، ويبلع ريقه ولسانه كلما سمع بالانتصار الكبير. 

‫يبدو‬ لي بعد قضائي كل هذا الوقت وحيدةً إلا من صراعاتي الداخلية والخارجية الكثيرة كل يوم، على الفرن، وعلى المازوت، وعلى الكهرباء، وعلى هذه العيشة، وعلى دلعونا، أنني بحاجة جرعة كبيرة من الرشد غير المتوافر في هذه البلاد. 

أعيش بعيدةً عن أضواء المدينة، إذ «لا أضواء في شوارع هذه المدينة» - مصدر هذه العبارة ذاكرتي اللعينة ـ وبعيدةً أيضاً عن جلسات الثرثرة مع الجارات حول أسباب عدم زواجي، وعن «ماذا تنتظرين»؟ و«ظل راجل ولا ظل حيطة». 

أنظر عبر زجاج المقهى الذي تعرّض للكسر عشرات المرات، بسبب خناقات عابرة أحياناً، وأحياناً أخرى بسبب رصاصات طائشة، أتأمل فتاة تحمل كماناً على كتفها، وتمشي كأنها ترقص فوق جليد لا مرئي يمتد تحت قدميها من أقصى الكون إلى أقصاه، منعزلة كلياً عما يجري حولها، وتوحي حركة شفاهها بأنها تدندن أغنية لمغنية / أو مغن، لا أعرف بأي لغة، ولا يهم من أيّ بلاد، ما يهمني أن هناك من يغنّي على مهله… تلك حياة موازية في هذه البلاد الباهتة.

دقائق، وتقف في الشارع المقابل لبوّابة مقهى بوّابة دانتي سيارة «سايبا» صفراء. أعني سيارة أجرة فتقريباً ثلاثة أرباع سيارات الأجرة من هذا النوع. يترجّل منها شخصان، السائق وآخر بجواره، لا يطول المشهد: يسحب الشخص - الذي ليس السائق - مسدساً، وبكامل الهدوء يطلق رصاصتين على شخص أمامه، في موقع القلب تماماً.

المشهد يشبه ما شاهدناه مراراً في أفلام الأكشن الأميركية: وقف الشخص - الذي ليس السائق - قرب السيارة، حدّق في الغريم الذي لا أعرفه، الذي كان إلى ثانية مضت يتكئ على شجرة بجواره، يدخّن شارداً، ربما كان يفكر في الهجرة من بوّابة دانتي إلى العالم الموازي، إلا أن الشخص - الذي ليس.. - لم يترك له وقتاً، بل أعطاه فرصة أخرى للنجاة من الحياة.

انتهى المشهد بسرعة، تهاوى القتيل الذي لا أعرفه إلى اﻷرض ببطء، كأنه يكتشف ﻷول مرة أن هناك جاذبية أرضية.

لعل المشهد مختلف من زاوية أخرى، حيث تغالب اﻷرض السماء، اﻷرض تريد الجسد، والسماء تريد الروح، هكذا تعلمنا: الذي يموت تصعد روحه إلى السماء. إلى أين تحديداً؟ لا أحد يجيب، ربما إلى مستودع اﻷرواح السماوية اﻷزرق، مثلما قالت لي طفلة في زمن مضى.

أتابع تدفق الجمهور إلى الرجل الذي وصل اﻷرض بسلام أخيراً، متحرراً من الوقت والتبغ والهموم التي كانت إلى وقت قليل تحكم نبضات قلبه وعقله.

القاتل وشريكه ركبا السايبا الصفراء بعد أن أطلقا معاً طلقات تحذيرية في الجو، ثم انطلقت السيارة بثقة. 

فرغ المقهى من مرتاديه باستثناء طاولة واحدة مقابلة لي حيث تجلس صبية تغنّي مع صديقها الذي يعزف على غيتار.

تغني وتسرح… يرمي صوتها أمامي مشهداً لغابة يترقرق فيها نبع خريفي بارد… تغني الصبية ترنيمة لمريم العذراء.. تصمت قليلاً لتلتقط مشهد الجريمة ثم تغمض عينيها. 

كنت أنا قد أغمضتُ عينيّ أيضاً. توقفنا معاً في الطريق أنا وهي، معصوبتي العينين، رافقنا عازف الغيتار ليقودنا على الطريق الذي افترضت أنه لن ينتهي عند البوابات السماوية حيث يمكننا أن نلحق الرجل القتيل الذي أقلع قبلنا قبل وقت قصير.

أخلط قهوتي مع جملة لا تفارق خاطري أبداً سمعتها منذ زمن طويل في فيلم «Dr.Strangelove» تقول: «How I Learned to Stop Worrying and Love the Bomb / كيف تعلمت أن أتوقف عن القلق وأحب القنبلة»،

لاحقاً اكتشفت أن عنوان الفيلم كان هذه العبارة الطويلة: «Dr.Strangelove Or: How I Learned to Stop Worrying and Love the Bomb»

ماذا لو فجّرتُ اﻵن قنبلة بي وبالمكان أنا والصبية والشاب ودانتي؟

وقع القنبلة صاخب جداً، مختلف، ليس فيه احتمالات كثيرة للنجاة، يجعلني أشتاق إلى كل الذين هاجروا قصداً، كل الذين يسرحون في أزقة مدن العالم بعد أن تركوني وحيدةً بائسةً هنا.

لعل هذا سبب إقبال السوريين هذه الأيام على استخدام القنابل؟!

قبل أيام فجّر مواطن في طرطوس قنبلة بنفسه وبشقيق زوجته المحامي، وبشقيق المحامي. في العاصمة رمى آخر قنبلة على زوجته. بعدها ألقى أب قنبلتين على منزله في بلدة ليست بعيدة عني، قيل إنه كان على خلاف مع أهل بيته ولم يستطع حله بالحسنى. 

ماذا أفعل هنا؟

ماذا لو كرهتُ القنبلة بدل أن أحبها عند ذهابي ولم ينفجر رأسي؟

لا.. لا لستُ بائسةً، أنا أقل من أكون بائسةً. تبتلعني غربتي هنا: عن أهلي وشوارعي وحتى القنابل التي لا أملكها، لم آخذ بنصيحة مديري الذي ترك كل شيء، كلّ شيء حتى زوجته وأطفاله و«شمّع الخيط» في البحر اﻷبيض المتوسّخ، (لا تحرريها يا المحررة، ذبحنا التحرير بكل معانيه). 

المستقبل قاتم، والطريق الذي سارت فيه سيارة السايبا قبل قليل مفتوح إلى اﻵن، عليّ أن أنتظر سائقاً آخر ليقول لي بكل لطف، وبكل رقّة: تفضلي، هل معك قنبلة أو مسدس كي نريح مواطناً من حياته؟


Share!

لا يتبنى «صوت سوري» أي توجه مسيس للملف السوري ولا تقف وراءه أي جهة سياسية.
نحن نراهن على دعمك لنا في الوصول إلى جميع السوريين والسوريات.

إذا رأيت أن خطابنا يستحق الوصول انشري / انشر هذا المقال من فضلك

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها