× الرئيسية
ملفاتنا
صورنا
إنفوغرافيك
من نحن
تَواصُل
النشرة البريدية
facebook twitter twitter twitter
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

«المناطقية» حربنا الأخطر.. ضد أنفسنا

عقل بارد - على الطاولة 12-10-2021

في دول أخرى، قد لا يكون لك ذنب في موقف أبيك السياسي، أو أخيك، أو ابن عمك، أو جارك، أو ابن منطقتك، لكن غالباً ما يختلف الأمر في سوريا. أنت حيناً متهم لأنك من هذه المنطقة، ومدلل و«على رأسك خيمة» لأنك من تلك، وحيناً آخر تتبدل الموازين

الصورة: (صوت سوري)

لم يكن قيس (30 عاماً) ليعلم أن نظرة أصدقائه إليه سوف تتغير يوماً ما بمجرد حمله صفة «نازح من الرقة»، بعد أن ترك مدينته في أيار / مايو من العام 2015، وانتقل إلى محافظة الحسكة التي كان قد عاش فيها هي أيضاً عدداً من السنوات.

ولعل إحدى أخطر منعكسات عقد من الحرب تكريس النظرة المناطقية في حالات كثيرة، وتعرض كثير من العائلات السورية للتنمر والازدراء لمجرد التصاق صفة النزوح بها.

عاش قيس أغلب سني عمره متنقلًا بين الحسكة والرقة، وحظي بأصدقاء في المحافظتين، لكنه لم يكن يتوقع أن تتبدل «المعايير» حين انتقل وأفراد عائلته للعيش في أرضهم الزراعية في ريف الحسكة، بعد تحول الرقة إلى جحيم لا يطاق بسبب سيطرة تنظيم «داعش» عليها. 

عندما يحدثك عن قصة نزوحه يردد دائمًا عبارة «شو أنا جاي من إسرائيل»؟! 

ابن الرقة في حماة، وابن حمص في الرقة، وابن حلب في دمشق، وذاك هناك وأولئك هنا، جلهم وربما كلهم لم يكونوا قادرين على اختيار البقاء أو النزوح، كل ما فعلوه كان استجابة للظروف والمتغيرات، والبحث عن طريق نجاة ولو مؤقتة.

«تجد نفسك غريباً لتتحسر على أيام كنت فيها تقطع البلاد من دون إبراز بطاقتك الشخصية، ولا تدري كم يجب أن تكون الفاتورة باهظة لتنال حريتك وحقوقك»، يقول أحد الشبان الذي مروا بتجربة مماثلة.

يروي أحد سائقي باصات السفر (البولمان)، كان قد عمل خلال سنوات الحرب بين مدينتي الرقة ودمشق، قصصاً ومواقف حدثت لمسافرين من الرقة نحو مدن أخرى.

قبل خروج الرقة عن سيطرة دمشق كانت حواجز الجيش والأمن تحتفي بأبناء الرقة بحكم بقاء مدينتهم خارج خريطة المعارضة، وتصنيفها في زمرة «المناطق المؤيدة».

وجود اسم الرقة على البطاقة الشخصية كان بمثابة بطاقة مرور على الحواجز. لكن سرعان ما تبدل الأمر، وتحول اسم الرقة تهمةً تُعرض صاحبها للتدقيق والمضايقات على الحواجز، أو حتى التوقيف أحياناً.

تفاقم الأمر عقب سيطرة تنظيم «داعش» المتطرف على الرقة، لتصبح تهمة «داعشي» جاهزة غالباً.

المفارقة أن هناك قصصاً مشابهة لدى أبناء مناطق سورية مختلفة، وعلى مختلف الجهات.

قد لا يكون لك «ذنب» في موقف أبيك السياسي، أو أخيك، أو ابن عمك في دولٍ أخرى، لكن كثيراً ما يختلف الأمر في سوريا. أنت حيناً متهم لأنك من هذه المنطقة، ومدلل و«على رأسك خيمة» لأنك من تلك، وحيناً آخر تتبدل الموازين ويصير انتماؤك إلى هنا تهمة، وإلى هناك امتيازاً.

يرى صبحي الحسن (35 عاماً)، من مدينة دير الزور، ويقيم حالياً في الرقة، أن «العنصرية المناطقية عقدة نفسية لا يحملها جميع السوريين لكن من المؤكد أن البعض يحملها». ويعتقد أن بإمكان من يحمل هذه الصفة تحشيد غيره من أبناء مدينته تجاه «الغريب» من دون صعوبة كبيرة.

في كثير من الأحيان لن يُطلب منك إبراز هويتك للاستدلال على أنك «غريب»، فاختلاف اللهجات كفيل بالإفصاح عن انحدارك من منطقة أخرى.

هذه المعطيات لم تمنع تحول معظم المدن السورية إلى وجهات تستقبل نازحين من مناطق أخرى، وبات مألوفاً سماع لهجات متنوعة في المدينة الواحدة، غير أن ذلك لا يعني على الإطلاق انعدام التمييز على أساس الانتماء المناطقي.

ولا تقتصر تبعات النظرة المناطقية على سلوكيات عدائية مباشرة بالضرورة، بل قد تكتسي مظاهر أخرى تتعلق بأسلوب التعامل، وتفاصيل الحياة اليومية، بدءاً من تعاملات البيع والشراء، مروراً بعقود الإيجار، وليس انتهاءً بتحاشي المخالطة الاجتماعية.

الغربة الداخلية كما نقص الأمان نتائج سلبية لحرب طاحنة مستمرة منذ سنوات، ولا يعلم أحد تاريخ أو أسلوب انتهائها بالنسخة العسكرية. 
أما الأخطر، الذي تتجاوز تبعاته الحاضر إلى المستقبل - قريباً كان أو بعيداً - فهو تفسخ النسيج الاجتماعي، وهذا أبرز تحدٍّ واجهته دول الحروب التي تحمل في بعض وجوهها صبغة أهلية، في كل زمان ومكان.


Share!

لا يتبنى «صوت سوري» أي توجه مسيس للملف السوري ولا تقف وراءه أي جهة سياسية.
نحن نراهن على دعمك لنا في الوصول إلى جميع السوريين والسوريات.

إذا رأيت أن خطابنا يستحق الوصول انشري / انشر هذا المقال من فضلك

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها