× الرئيسية
ملفاتنا
صورنا
إنفوغرافيك
من نحن
تَواصُل
النشرة البريدية
facebook twitter twitter twitter
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

صيادو الساحل السوري: «كمل البؤس بالفيول»

حكاياتنا - خبز 14-10-2021

لا معلومات دقيقة عن حجم الضرر البيئي الذي سببه التسرب النفطي الشهير في مدينة بانياس الساحلية قبل شهرين. لكن المؤكد أن الحادثة ألحقت ضرراً بالغاً بقطاع الصيد، في ظل القيود التي حكمت عمل الصيادين، وانعدام الطلب شبه المنعدم أصلاً بسبب الظروف الاقتصادية، وكون السمك سلعة «نخبوية» في سوريا

في شهر آب الماضي أدّى تسرب مادة الفيول من أحد خزّانات شركة توليد الكهرباء في مدينة بانياس الساحلية إلى انتشار بقعة كبيرة في البحر، ووصل التسرب إلى شواطئ جبلة، وبشكل أقل إلى سواحل اللاذقية. 

فيما أظهرت صور ملتقطة بالأقمار الصناعية بقعةً كبيرة من الوهج النفطي - انعكاس لتسرب نفطي - تمتد من مرفأ اللاذقية وصولاً إلى شواطئ قبرص، من دون معرفة مصدر هذه البقعة على وجه اليقين.

لا كهرباء ولا رزق

من المفارقات أنّ كمية الفيول المتسربة وفقاً للحكومة السورية قاربت 20 ألف طن، وهي كمية كافية لتشغيل عنفة واحدة متوقفة عن العمل في المحطة الحرارية في بانياس - ﻷسباب بيئية - مدة قد تخفف جزءاً من أعباء التقنين الدائم في البلاد.

تبدو هذه المفارقة الكهربائية، جزءاً متمماً للمفارقة الأخرى التي تحكم «رزق البحر» أي صيد اﻷسماك، إذ تعرّض هذا القطاع لضرر كبير بفعل التسرب، وتغطية البقع النفطية مساحات واسعة كانت تستخدم للصيد. 

يقول أحد الصيادين ممن التقيناهم: «كمل النقل بالزعرور» كنايةً عن أن ظروف عمل الصيادين - السيئة أصلاً - قد تفاقمت سوءاً. 

يقول الصياد يامن (اسم مستعار - 57 عاماً) وهو من عتاق الصيادين في مدينة جبلة، إنّ «السمك أساساً لا يصل إلى الناس العاديين إلا بطلوع الروح، وإن وصل، يكون ذا نوعية قليلة الفائدة والحجم، ومنخفضة السعر نسبياً. أما اﻷنواع الجيدة، فهذه ليست لا للصيادين ولا لعامة الناس».

العبارة اﻷخيرة حقيقةٌ يتداولها الناس هنا وكأنها جزء لا يتجزأ من «القضاء والقدر السوري». الفقر، و«التعتير» والقِلّة سمات تحكم العيش في بلد يوصف بـ«الغنى» الذي يراه أهله لا في المأكل، ولا في المشرب ولا حتى في أمور أقل شأناً، وقد باتت كثيرة.

سوق بلا زبائن

يقيم طارق، الشاب الجامعي الحلبي في مدينة جبلة الساحلية. يقول لـ«صوت سوري» إنه لم يشتر، أو يتناول السمك منذ حصول التسرب خوفاً من التسمم. 

يوضح أنه كان يشتري سمكاً بشكل شهري تقريباً «لكن بعد التسرب لم أقترب من سوق السمك فقد ضجت المدينة بأحاديث التسمم بالسمك» يقول، ويضيف: «هذه القصص التي قد تكون إشاعات تدفقت من فايسبوك، وكانت كافية ليفرغ سوق السمك من الزبائن. الناس تصدق الفايسبوك وتكذّب الحكومة دائماً».

يمشي طارق معنا إلى سوق السمك الجبلاوي. يقول: «أدرس في جامعة تشرين، في فرع لا يحتاج كثيراً من الدوام. سكنتُ جبلة ﻷن أسعار الإيجار أرخص من اللاذقية نسبياً، وﻷنني - وهذا اﻷهم - وجدت عملاً هنا في أحد المطاعم».

يضيف الشاب: «مطعمنا من فئة الثلاث نجوم. منذ حدوث التسرب لم يطلب أحد من الزبائن سمكاً، رغم أن بعض السمك لدينا مستورد، وبعضه تهريب من تركيا عبر البحر. لا تستغرب، خط التهريب البحري شغال من تركيا، لكن فقط يحضرون السمك من نوع القجاج ويقولون لنا إنه بلدي».

«السمك أساساً لا يصل إلى الناس العاديين إلا بطلوع الروح، وإن وصل، يكون ذا نوعية قليلة الفائدة، ومنخفضة السعر نسبياً. أما اﻷنواع الجيدة، فهذه ليست لا للصيادين ولا لعامة الناس». هذه الحقيقة تبدو جزءاً لا يتجزأ من «القضاء والقدر السوري»!

أدى الهلع الذي خلفه التسرب، وأحاديث التسمم إلى إحجام عام عن تناول هذه الوجبة التي هي في اﻷصل من وجبات «الرفاهية» والكماليات لغالبية سكان الساحل، وسوريا بالعموم. الفقر، وارتفاع اﻷسعار، والنوعيات المتوسطة وحتى السيئة للأسماك المتوافرة، هي أسباب عزوف الناس عن الشراء.

«تخيّل»، يقول طارق «سعر الكيلو الواحد من سمك الجربيدي (سمك نحيف وبطول عشرة سنتمترات تقريباً للفرخ الواحد) يتراوح بين 20 و30 ألفاً أي ربع أو ثلث راتب موظف، الموظفون لا يأكلون السمك».

قادنا طارق إلى أحد الصيادين القدامى في جبلة. أخبرنا الأخير بأنه يعمل منذ أكثر من أربعين عاماً في الصيد، ويصطاد أنواعاً مختلفة تبعاً للموسم. كانت الكميات التي يصطادها «بتكفي وبتوفي» والمردود كان مقبولاً، وبعد حدوث التسرب صدرت تعليمات بأن يقتصر حيز الصيد على مسافة 2 كم فقط من الشاطئ، ما أعاق اصطياد الكمية التي اعتاد الحصول عليها سابقاً.

بعد أن تدفقت اﻹشاعات على المدينة، وعلى الساحل السوري عموماً، توقفت حركة بيع السمك في سوق السمك، بما في ذلك البيع بواسطة السيارات الجوّالة التي تبيع أنواع السمك الشعبي مثل: الغريبة، والسردين، والبلميدا. هذا التوقف دفع التجار في السوق إلى خفض اﻷسعار، إلا أنّ هذا «الفخ» لم يغرِ الناس بالشراء، وكان لا بد من تدخل حكومي لحل المشكلة.

«تدخل إيجابي»

جاء التدخل عبر الهيئات الصحية التابعة لمديرية الصحة في اللاذقية وجبلة، التي أجرت فحوصات للأسماك الموجودة في سوقي السمك في المدينتين طوال الأيام التي انتشرت فيها إشاعات التسمم. 

ينفي أبو أحمد، وهو أحد تجار السمك في جبلة، أن تكون بضاعته قد تأثرت ويؤكد أن الأسماك التي اصطيدت في تلك الفترة فُحصت من قبل الجهات الصحية، وعند العثور على أي أسماك متضررة بفعل التسرب كانت تُتلف. 

يقول الصياد العتيق: «هذه ليست المرة اﻷولى التي تجري الجهات الصحية تفتيشاً على الأسماك وصلاحيتها للاستهلاك البشري، هذا تقليد يُتبع دائماً عند الشك في صلاحية أي أسماك».

في معظم اﻷحيان يدل الشكل على اﻷسماك التي «اصطيدت» ميتة، إذ يكون لزعانفها لون أسود قاتم، وتفوح منها رائحة نفّاذة، وبالتالي «يجري استبعادها على الفور، ليس في الموضوع مزاح ولا تراخٍ ولا فساد»، يؤكد أبو أحمد، ويضيف «بعد التأكد من سلامة اﻷسماك تُطرح في مزاد علني».

باعة السمك بـ«المفرق» هم أكثر من تعرّض للخسارة في أزمة التسرب. يقول أبو إبراهيم إنه تقيّد بشراء كميات محددة لتجنب فساد الأسماك في محله بسبب عزوف الزبائن عن الشراء، وبقاء السمك في المحل فترة طويلة. وبسبب الظروف الراهنة من شح الكهرباء، والماء، والثلج لا يمكن الحفاظ على صلاحية السمك طويلاً.


Share!

لا يتبنى «صوت سوري» أي توجه مسيس للملف السوري ولا تقف وراءه أي جهة سياسية.
نحن نراهن على دعمك لنا في الوصول إلى جميع السوريين والسوريات.

إذا رأيت أن خطابنا يستحق الوصول انشري / انشر هذا المقال من فضلك

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها