× الرئيسية
ملفاتنا
صورنا
إنفوغرافيك
من نحن
تَواصُل
النشرة البريدية
facebook twitter twitter twitter
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

قشرة اللغة الباهتة و«خطاب الكراهية النَّحوي» ضد النساء

عقل بارد - على الطاولة 13-09-2022

حتى الآن، ورغم آلاف مؤلفة من الاجتهادات المتعلقة بضرورة تأنيث الخطاب اللغوي، فإن النتيجة كانت خجولة، وتوضح بعض الكتابات النسوية (منها كتابة صاحب هذا النص) أن هناك ارتباكاً حقيقياً في المحاولة

الرسم: (صوت سوري)

مرّت النسوية - بوصفها حركة اجتماعية وسياسية - منذ انطلاقتها نهاية القرن التاسع عشر، بالعديد من الموجات المتفاوتة القوة والأثر، وإذا كانت أولى موجاتها التي استمرت حتى ثلاثينيات القرن العشرين، قد تركت صداها في العالم العربي بالضرورة بحكم التبعية الاستعمارية والحضارية، وأنتجت تجارب مهمةً مثل تجربة مي زيادة وصالونها الأدبي، ومثل تجربة ملك حفني ناصيف (باحثة البادية)، فإنّ المراحل الأخيرة خاصةً ما بعد «عقد المرأة» الذي تبنته الأمم المتحدة منتصف السبعينيات، قد امتلأت بمحاولات فتح المجال اللغوي المغلق لقرون أمام «اللغة النسوية» ومحاولات تطعيم اللغة نفسها بنوع جديد من اللمسة النسائية اللغوية.

هذه المحاولات اصطدمت مراراً وتكراراً في أنّ اللغة نفسها، في بنيانها وتركيبتها وحركتها مشبعة إلى درجة التخمة بالذكورية، والأمر كما سنلاحظ ينطبق على العربية وغيرها من اللغات الحية حول العالم، كأن ما قاله ابن جني - النحوي المعروف - في كتابه «الخصائص» عن أنّ «تذكير المؤنث واسع جداً لأنه رُدّ إلى الأصل» حقيقةٌ تستعصي على التغيير، إذ تمارس اللغة دور حائط صدّ قوي أمام هجمات النسوية على المفردات ومحاولات تأنيثها في فضاء اللغة (كلمة لغة نفسها، هي اسم، والاسم محايد في الجنس كما يفترض). 

ليس ابن جني وحده من أشار إلى أن «الأصل في اللغة هو المذكر»، فهناك كثر ومنهم أئمة في اللغة والنحو والصرف، فها هو الجاحظ يبتكر مقولةً غريبةً ذهب فيها إلى أنّ الكتابة (مفردة مؤنثة) خاصة بالرجال، فيما «المكاتبة» للنساء، وبين الاثنين فروق كبيرة في المعنى وفق صاحبنا، فالأولى، الكتابة، هي «في كل حالاتها إبداع وانفتاق واختراع، ينتجها الرجل للرجل، في حين أن «المكاتبة خاصة بالنساء»، وتتضمن «الغدر والخيانة والفحش» ويعني استخدام الثقافة/الكتابة من أجل إقامة جسور العشق وتسهيل سبل الخيانة (رسائل الجاحظ).

إنّ جزءاً كبيراً من تطور اللغة نحو الحيادية الجندرية، وخلوّها من خطاب ذكوري، يقع على صانع الخطاب

هذه المفارقات لم تتوقف عند حدود لغة ذاك الزمان، بل أكملت طريقها حتى العصر الحديث. لنلاحظ المثال التالي عن جمع المذكر السالم بالعربية، الذي يختص بالمذكر العاقل فحسب ويشترط فيه أن يكون من علم مذكر عاقل خالٍ من تاء التأنيث (الزائدة)، وهي شروط مشددة تحصّن الذكورة من شوائب التأنيث.

يشرح عباس حسن في كتابه النحو الوافي (صدر العام 1975) أن معنى أن يكون عاقلاً هو «أنه يكون من جنس الآدميين والملائكة، ويشمل المجنون الذي فقد عقله والطفل الصغير الذي لم يظهر أثر عقله بعد». وفق حسن قد «يُجمع غير العاقل تنزيلاً له منزلة العاقل إذا صدر منه أمر لا يكون إلا من العقلاء فيكون جمع مذكر سالم» (النحو الوافي 140/1).

لنلحظ أنه يحق للمجنون والطفل والحيوان غير العاقل أن يكونوا في عداد «جمع المذكر السالم». أما المرأة فلا يحق لها ذلك، والأغرب من ذلك في العربية أنّ «كثيراً من النحاة الأقدمين يفضلون تسمية جمع المؤنث السالم الجمع بألف وتاء مزيدتين دون تسميته جمع المؤنث السالم لأن مفرده قد يكون مذكراً» (النحو الوافي، 1/140).

يقود هذا إلى أنّ تاء التأنيث هي الأخرى «زائدة» في العربية، وقد يكون وجودها نقيض الفصاحة، كما في كلمتي زوج وزوجة، إذ تشير المعاجم العربية إلى أنّ «تاء زوجة زائدة، والأصل زوج»، لتبدو تاء التأنيث رديفاً للحيوانية يتقدم عليها في اللغة المجنون والطفل الصغير. هنا يحضر قول لعبد الحميد الكاتب: «خير الكلام ما كان لفظه فحلاً ومعناه بكراً».

في لغات أخرى

لا تنفرد العربية فقط بهذا، بل تتعدد أساليب اللغات في إقصاء التأنيث عن متونها. على سبيل المثال، في الإنكليزية الشهيرة كثيراً بحياديتها في المفردات، يحضر لفظ الرجل في قلب لفظ المرأة، (Man وWoman)، كما يحضر في النوع الإنساني (HuMan) أو (mankind)، وهذه المفردات باقية ومستمرة في السياق التعاملي في العديد من اللغات الأخرى بالشكل نفسه، مثال ذلك (мужчина и женщина) في الروسية، (homme et femme)، في الفرنسية وهكذا، وقليلة هي اللغات التي تخرج المرأة من ثياب الرجل اللغوية!

في العام 2018، أعلن رئيس الوزراء الإسباني الجديد وقتها، بيدرو سانشيز، وزارته المكونة من غالبية نسائية في أعلى نسبة مشاركة للنساء في الوزارات على مر التاريخ الحديث في بلاده (وغيرها ربما)، إذ وصلت نسبتهن 64%. ولم يكتفِ بتعيين إحدى عشرة وزيرة مقابل ستة وزراء، بل حاولت حكومته إطلاق مصطلح جديد في الإسبانية هو « Consejo de Ministras y Ministros/مجلس الوزيرات والوزراء».

هذا المصطلح أثار كثيرين حتى قامت الأكاديمية الملكية الإسبانية، وهي المؤسسة المسؤولة عن اللغة، برفض هذا المصطلح لأنه لا يتفق مع قواعد اللغة، وكان تبرير الأكاديمية أن مثل هذا المصطلح سيخلق إرباكاً «لأن جنس المذكر راسخ في الإسبانية»!

المحاولات المستمرة لتأنيث اللغة

حتى الآن، ورغم آلاف مؤلفة من الاجتهادات المتعلقة بضرورة تأنيث الخطاب اللغوي، فإن النتيجة كانت خجولة، وهناك ارتباك حقيقي في المحصلة.
على سبيل المثال، عند الحديث عن الأفعال في الكتابة، التشكيل في العربية (فتحة وضمة وكسرة) قد يحل المشكلة الجندرية للغة، ولكن عند التوسع في أي مجال لفظي، يجب أن تظهر ياء المؤنثة المخاطبة وتأخذ مكانها في الحديث المكتوب (تقرأ وتقرئين مثلاً)، وهذا الأمر بحد ذاته يخلق العديد من المشكلات في القراءة، عدا الضياع في فهم السياق وضرورة حذر الكاتب في استخدام كلماته ومفرداته، ويصح الأمر بالطبع على كلا الجنسين في العربية.

 تمارس اللغة دور حائط صدّ قوي أمام هجمات النسوية على المفردات ومحاولات تأنيثها في فضاء اللغة

صوتياً هناك مشكلة أخرى تقريباً تشبه المشكلة الكتابية، ولكن في حال أنّ الخطاب دائماً مسؤولية المخاطِب وليس المخاطَب، هناك إمكانية دائماً للفرار من هذا التراوح اللغوي بالعربية عبر اللجوء ربما إلى ضمائر الفاعلين (نا)، ولكن هذا ليس حلاً كافياً، ولربما يحتاج الأمر إلى دراسات أوسع وأكثر دقة وانتباهاً.

يضاف إلى المسألة اللغوية السابقة أنّ هذا الجدال يدور في أروقة العربية الفصحى التي هي في كثير من تفاصيلها اللغوية والمفردات نسخة حديثة من نصوص أقدم كـ القرآن، في حين أن المستوى الأكثر تعاملاً بين الناس يقوم على لهجات متباينة كثيراً بين عربيةٍ وأخرى.

في الواقع، يشك الكثير من الباحثين في أن العربية الفصحى قد استُخدمت حقاً كلغة للحياة اليومية، وفي كل لهجة عربية هناك انحرافات متباينة الحجم عن الفصحى، وهناك فروق كبيرة بين اللهجات العربية فيما يتعلق بموضوع تأنيث اللغة أو تحديثها لتصبح أقرب إلى لغة متوازنة جندرياً، ويحتاج تقرير أيها أكثر اقتراباً من الحياد من غيرها إلى دراسات مستقلة لا طاقة لنا بها.

نتيجة غير نهائية

إنّ جزءاً كبيراً من تطور اللغة نحو الحيادية الجندرية، وخلوّها من خطاب ذكوري، يقع على صانع الخطاب، أكان مذكراً أو مؤنثاً. وبقدر ما يعمل هذا الخطاب على تعزيز الأنثوية في متونه وبنائه، هو يساهم بالتدريج في تغيير المفاهيم الجندرية اللغوية. 

من الواضح أنّ عملية البحث عن لغات غير مُجَنْسنة (Degendering Language) تكاد تفضي إلى «لا نتيجة». إنّ اللغة وسيلة، وبناء يمكن استخدامه لتحقيق خطاب منجز يتوجه إلى أي آخر، وأياً يكن هذا الآخر، ونظن أن العربية تمتلك قدرة لفظية وصرفية يمكنها بها تحقيق خطاب محايد، شرط أن يكون صانع الخطاب على قدر هذه اللغة وغيرها من اللغات لإنتاج خطاب متوازن جندرياً أو غير ذلك.


Share!

لا يتبنى «صوت سوري» أي توجه مسيس للملف السوري ولا تقف وراءه أي جهة سياسية.
نحن نراهن على دعمك لنا في الوصول إلى جميع السوريين والسوريات.

إذا رأيت أن خطابنا يستحق الوصول انشري / انشر هذا المقال من فضلك

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها