× الرئيسية
حكاياتنا
عقل بارد
ساخر
محررة القراء
صورنا
إنفوغرافيك
من نحن
تواصل معنا
إختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

مقتطفات من تاريخ الفساد في سوريا: 7-باب التأميم العريض!

عقل بارد 16-10-2020

تحاول هذه السلسلة توثيق وتأريخ لقطات من تاريخ الفساد في سوريا، من دون الغرق في التفسير الأكاديمي. وتسعى في الوقت نفسه إلى تقديم الوثيقة التاريخية مختصرةً وواضحة، بوصفها دليلاً يحوز نسبة صدق معينة، ومن دون الغرق في شيطنة أي من المذكورين في الوثائق، أو محاولة إصدار أحكام في شأنهم، أو توزيع شهادات في الوطنية أو عدمها

سلسلة_الفساد حلب التأميم جمال_عبد_الناصر البعث الغزل_والنسيج البرجوازية كهرباء_حلب الشركة_الخماسية ليرة_عثمانية

تتمتع مدينة حلب بدينامية ذاتية، مصدرها - ربما - تاريخها، وموقعها على طريق التجارة الدولي منذ عهود قديمة، وهي تنتمي إلى عالم البحر المتوسط الكوزموبوليتاني، بامتياز.
هذه المقدمة ضرورية، وقد يرفض منطقها البعض باعتبارها - أي حلب ـ غير قريبة اليوم من سواحل المتوسط. لكن المدينة لم تقع فريسة الجغرافيا والسياسة، ولطالما أعادت ترتيب أمورها على وقع التطورات التي كانت تصيب العالم بالتغيير، فكانت، مثلاً، أولى مدن الشرق التي استقبلت أنوال النسيج الكهربائية.

عن التأميم والفساد
هل يمكن اعتبار ما شهدته سوريا من عمليات تأميم شكلاً من أشكال الفساد؟ لا يرتبط الأمر بالضرورة بفكرة التأميم في حدّ ذاتها، لكنه حتماً يرتبط بالكيفية التي تمّت بها المسألة في سوريا خاصة في المجال الصناعي، ليصبح التأميم بوابة من بوابات الفساد بالفعل. 
في الحقيقة يمكن القول إن البرجوازية السورية في زمن الانتداب، وحتى سيطرة البعث على السلطة (1963) لم تكن برجوازيةً استغلالية بالشكل الذي كانت عليه نظيرتها الغربية، بل كانت وطنيتها فوق الشكوك، ورأسمالها الاقتصادي ناتجاً عن عملها ومجتمعها، ولم تكن تستغل عمالها بالشكل الذي قدمته بعض اﻷدبيات الناصرية والبعثية.
لم تكن حلب وحدها مسرح التأميم في سوريا، لكنّها كانت «الأدسم». تطورت صناعة حلب بشكل طبيعي، محققة تراكماً اقتصادياً ومجتمعياً، حتى جاء التأميم زمن الوحدة مع مصر (بضغط بعثي) ليقضي على تقاليد اقتصادية وصناعية واجتماعية، احتاجت مئات السنين كي تنمو محققةً تكاملاً بين العمل والإنتاج والمجتمع، وهو ما لم تعرف إدارات الشركات المؤممة أن تحافظ عليه، سواء بسبب انعدام الخبرة (المحررة: شبهة الفساد هنا تتمحور حول مقومات اختيار الإدارات بعد التأميم)، أو لأسباب أخرى قد تكون أكثر فساداً. كانت النتيجة تخريب عدد من أهم تلك المعامل والمصانع إلى درجة يرثى لها، والشركة الخماسية في دمشق وحلب نموذج واضح وصارخ في هذا السياق.

حلب «عاصمة النسيج» في الشرق
مع بدء الكساد الاقتصادي العالمي الكبير، مطلع العام 1929 وصلت الكهرباء إلى حلب، وفتحت الباب أمام تطور هائل في صناعتها المعتمدة لقرون على العمالة اليدوية، والتجمعات العائلية، وظهرت أوائل «المانيفاكتورات» (المعامل اﻵلية الصغيرة)، 
كانت أغلب الأنوال تنسج الحرير الطبيعي في المرحلة العثمانية، ومع وصول الحرير الصناعي المنافس لم تعد صناعة منسوجات الحرير الطبيعي مجزية اقتصادياً، فتوجهت الصناعات النسيجية نحو المنسوجات القطنية بشكل يدوي، ومع ظهور اﻵﻻت الميكانيكية كانت حلب السباقة للحصول عليها.

هل يمكن اعتبار ما شهدته سوريا من عمليات تأميم شكلاً من الفساد؟ لا يرتبط الأمر بالضرورة بالتأميم في حد ذاته، لكن آليات تنفيذه في سوريا حوّلته واقعاً إلى بوابة من بوابات الفساد 

في العام 1913 كان في «ولاية حلب» ما يقارب 19 ألف نول، يعمل عليها 65 ألف عامل، وفي العام 1922 كان فيها ما يقارب 280 مصبغ أقمشة.
أما في عام دخول الكهرباء، فكان في مدينة حلب حوالى ستة آلاف نول نسيج يدوي، تنسج القطن والحرير الطبيعي والصناعي، ويعمل عليها ما يزيد عن ثمانية وعشرين ألف عامل، بينما كان عدد سكان المدينة يقدّر بحوالى مائتي ألف نسمة! أي أن أكثر من نصف السكان كانوا يعتاشون على دخل صناعة النسيج. 
مع وصول الكهرباء والآلات الحديثة بدأت عشرات المعامل في حلب بالظهور، ومع وجود المادة اﻷولية ـ القطن بشكل أساسي بعد تضاؤل إنتاج الحرير الطبيعي ـ تضاعفت عجلة اﻹنتاج الحلبي، محوّلةً المدينة إلى عاصمة اقتصادية للبلاد، بل وللمشرق.

«قصص نجاح»للتأميم!
من الروايات التي تحمل دلالات بالغة، أن المدير الجديد لمعمل الحاج سامي صايم الدهر (أكبر معامل حلب المؤممة) الذي عينته الحكومة بعد التأميم كان معلم مدرسة ابتدائية. ومن الحوادث المضحكة المبكية التي وقعت في عهد إدارته، أنه شاهد يوماً أحد الأنوال متوقفاً عن العمل، فسأل العامل عن سبب ذلك، أجابه العامل: «مشط النول مكسور ونحتاج إلى قطع تبديل». (مشط النول هو قطعة أساسية فيه تدخل من خلاله الخيوط لكي يتم نسجها). ما كان من مدير المعمل إلا أن أخرج مشطاً للشعر كان يحمله في جيبه، وقال بمنتهى الجديّة: «خذ مشطي وركّبه على الآلة ولا توقف العمل لهذا السبب التافه». انفجر العمال ضاحكين، وحين عرف المدير السبب، انسحب إلى غرفته خجلاً.
تقول رواية متناقلة عن الحاج صايم الدهر، إنه زار معمله في حلب بعد سنوات طويلة من التأميم، والتقى مديره فسأله هذا عن رأيه بحال المعمل بعد مرور أكثر من ربع قرن على تأميمه، أشار الرجل وهو أحد شيوخ النسّاجين السوريين إلى كرسي المدير، وقال له: «على أيامنا كانت أعيننا على المعمل وظهرنا إلى الكرسي، أما على أيامكم فأعينكم على الكرسي وظهركم إلى المعمل»!
من قصص النجاح الباهرة التي شهدتها المدينة قصة «الشركة السورية للغزل والنسيح» التي أسسها الشقيقان أحمد ومحمد، ولدا خليل المدرّس. كان الأخير إقطاعياً كبيراً، ورث آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية، واستثمرها في زراعة القطن، وبسببها انطلقت فكرة إنشاء معمل متكامل لتصنيع القطن، من الحلج إلى الغزل والنسيج، ثم الصباغة، فالبيع والتصدير.
في العام 1932 تقرر أن يكون رأسمال الشركة مائة ألف ليرة عثمانية ذهبية، مقسّماً إلى خمسين ألف سهم. طُرح السهم الواحد للاكتتاب العام بليرتين ذهبيتين عثمانيتين، وكانت الليرة العثمانية تعادل وقتها خمس ليرات سورية ونصف الليرة.

«على أيامنا كانت أعيننا على المعمل وظهرنا إلى الكرسي، أما على أيامكم فأعينكم على الكرسي وظهركم إلى المعمل»!

بلغ عدد المغازل في الشركة مع انطلاقتها سبعة آلاف وخمسمائة مغزل. في اﻷربعينيات، ثم الخمسينيات، نجح المعمل نجاحاً باهراً، وقدّم للمساهمين فيه أرباحاً كبيرة، وصلت في أحد الأعوام إلى عشرين ليرة ذهبية عثمانية سنوياً، للسهم الواحد. وفي العام 1954 قرر مجلس الإدارة توزيع سهم مجاني واحد لكل سهم، فارتفع رأس مال الشركة إلى عشرين مليون ليرة سورية، وحقق حملة الأسهم أرباحاً مضاعفة.
في العام 1958، تزامنت أعمال توسعة المعمل باستيراد و تركيب المجموعة الرابعة من المغازل، مع إعلان الوحدة مع مصر. وفي العام التالي صدر القرار الشهير بتأميم الشركات الخاصة، ومنها شركة الغزل والنسيج، وتسليمها للدولة ولإدارات لا علاقة لها بعالم النسيج والقطن، فتحولت آلاتها في غضون بضع سنوات إلى خردة، وخرج آلاف العمال من العمل، كما تم القضاء على مدخرات الآلاف من المواطنين الحلبيين، وانتهت شركة الغزل والنسيج. 

مراجع

● مجلد المجموعة الاقتصادية السنوية لغرفة تجارة حلب من عام 1920م حتى عام 1928 / دار الوثائق الرقمية التاريخية

● مجلد المجموعة الاقتصادية لغرفة تجارة حلب من عام 1930 حتى 1935 / دار الوثائق الرقمية التاريخية 

مدونة المحامي علاء السيد 


Share!

لا يتبنى «صوت سوري» أي توجه مسيس للملف السوري ولا تقف وراءه أي جهة سياسية. نحن نراهن على القارئ ليكون شريكنا في الوصول إلى جميع السوريين

إذا كنت ترى أن خطابنا يستحق الوصول انشر هذا المقال من فضلك

عن «النّخب» والرأي العام.. والمستقبل السوري

جورجي بحري 21-10-2020

حرائق سوريا: كوارث بلا «ناجٍ وحيد»!

فرات زيزفون 17-10-2020

اﻹصلاح اﻷمني في سوريا بين الممكن والواقع، والحلم؟

بديع الزمان مسعود 09-10-2020

جميع الحقوق محفوظة