× الرئيسية
ملفاتنا
صورنا
إنفوغرافيك
من نحن
تَواصُل
النشرة البريدية
facebook twitter twitter twitter
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

«حين أموت لن يكون أحدٌ قربي»: أهالٍ في عهدة الوحدة والخوف

حكاياتنا - خبز 13-09-2021

في دمشق، وخلال أقل من أسبوع، عثر على جثتين متفسختين لرجلين مسنين، الأول عثر على جثته في البناء الذي يسكنه بعد أن اشتكى بعض الجيران من رائحة كريهة، والثاني عثر على جثته بعد أن تفسخت في منطقة منزوية من حي القصاع

الصورة: (Larissa Korobova - فليكر)

ينتظر أبو أحمد مساء كلِّ يوم مكالمة فيديو من أبنائه. يجلس في زاوية غرفته الصغيرة حيث تكون تغطية شبكة الاتصالات أفضل، يجهز لفافات التبغ، وإبريقاً من الشاي، يحمل هاتفه ويقلب بين تطبيقات التواصل.

يعيش أبو أحمد بمفرده بعد أن توفيت زوجته، وسافر أبناؤه الأربعة، ثلاثة منهم يعيشون اليوم في تركيا، والرابع في ألمانيا.

يقطن الرجل الستيني غرفة صغيرة يدفع أبناؤه إيجارها الشهري بعد أن دمرت الحرب منزله، وأبعدته حركات النزوح عن أقاربه الذين تفرقوا بدورهم، كل منهم يعيش في مكان.

لم يستطع الرجل الذي دمرت الحرب حياته، وسرقت زوجته، وأبعدت أبناءه عنه أن يتأقلم مع حياته الجديدة التي فرضت عليه. يقول: «كنت في ما مضى أنتظر أن يكبروا، لأزوجهم ويعيشوا قربي، ألاعب أبناءهم، وأسمع شكواهم، وأسير بينهم مثل الملك، وعندما أموت يكونون حولي فتكون وجوههم آخر ما أراه، ولمسات أيديهم آخر ما أشعر به».

ويضيف: «أواسي نفسي في أوقات كثيرة بأن أبنائي خرجوا من هذه الحرب من دون أن يصابوا بأذى، لكنهم ليسوا بقربي، لا أستطيع الوصول إليهم، ولا يستطيعون العودة. وضعي المادي، والصحي، وسنّي، كلها عوامل لا تسمح لي بالسفر إلى تركيا عن طريق المهربين، أو حتى بطريقة نظامية، هذا الهاتف هو الطريقة الوحيدة للتواصل بيننا». 

«حين يصل الإنسان منا إلى هذا العمر يشغل التفكير في الموت جزءاً كبيراً من خياله. أنا لا أخاف الموت، فكلنا سنموت، ولكنني لا أريد أن أكون في تلك اللحظة وحيدة»

لا يُعتبر أبو أحمد حالة خاصة وسط هذه الحرب التي تسببت بتمزيق المجتمع السوري، ودفعت كثيراً من الشبان إلى المشاركة في الأعمال القتالية التي تسببت بدورها في سقوط كثير من الضحايا، وفقدان واعتقال الكثير، كما دفعت آلاف الشبان والشابات أيضاً إلى الهرب خارج البلاد.

في مدينة دمشق، وخلال أقل من أسبوع، عثر على جثتين متفسختين لرجلين مسنين، الأول سبعيني عثر على جثته في البناء الذي يسكنه في منطقة أبو رمانة، بعد أن اشتكى بعض الجيران من وجود رائحة كريهة، وقدرت الطبابة الشرعية أن الوفاة حصلت قبل نحو ثلاثة أيام من وقت اكتشاف الجثة، والثاني سبعيني أيضاً عثر على جثته بعد أن تفسخت في منطقة منزوية من حي القصاع.

وعلى خلاف أبو أحمد الذي هجّرته الحرب ودمّرت منزله، تعيش أم خليل في شقة ضمن بناء تملكه عائلتها، معظم شققه فارغة، بعد أن قرر أبناؤها الثلاثة (ابنان وابنة) السفر إلى خارج سوريا. تعيش ابنتها حالياً مع زوجها وأطفالها في الإمارات، في حين استقر ابناها في كندا.

تقول السيدة التي تبلغ من العمر 79 عاماً: «في البداية سافرت ابنتي مع زوجها، وبعد نحو عامين سافر ابني الكبير، وتبعه أخوه، هكذا أصبح هذا البناء شبه فارغ»، وتضيف: «توقفت أعمالهما، كما أصبحت ظروف التعليم والحياة سيئة بالنسبة لأبنائهما نتيجة الحرب، فقررا السفر».

تشرح السيدة أنها رفضت السفر مع أبنائها برغم الضغوط الكبيرة التي مارسوها عليها، وتقول: «لم أستطع ترك منزلي، لم أستطع أن أترك الحي الذي عشت حياتي فيه»، وتتابع: «قبل نحو عامين سافرت إلى الإمارات حيث اجتمعت العائلة هناك، قضيت مع أبنائي أسبوعين جربت خلالهما الحياة خارج منزلي ولم أستطع، فعدت إلى هنا لأقضي بقية أيامي في هذه الحياة».

«كنت أنتظر أن يكبروا، لأزوجهم ويعيشوا قربي، ألاعب أبناءهم، وأسمع شكواهم، وأسير بينهم مثل الملك، وعندما أموت يكونون حولي فتكون وجوههم آخر ما أراه، ولمسات أيديهم آخر ما أشعر به»

تعيش مع أم خليل عاملة منزلية تنام في منزلها ستة أيام في الأسبوع، وتغادر يوماً واحداً فقط لزيارة أهلها في إحدى القرى القريبة. 

تقول أم خليل: «في اليوم الذي تسافر فيه أشعر بخوف شديد، أتصل بأبنائي، وأحاول أن أشغل نفسي بأي شيء هرباً من التفكير بالوحدة»، وتختم: «عندما يصل الإنسان منا إلى هذا العمر يشغل التفكير في الموت جزءاً كبيراً من خياله. أنا لا أخاف الموت، فكلنا سنموت، ولكنني لا أريد أن أكون في تلك اللحظة وحيدة».

لا توجد إحصاءات يمكن الرجوع إليها لمعرفة مدى انتشار ظاهرة موت أفراد يعيشون بمفردهم، ولكن نظرة على بعض المؤشرات يمكن أن تعطي صورة مبدئية موجعة، إذ تنتشر في دمشق ظاهرة استئجار أشخاص مسنين غرفاً دائمة للعيش في الفنادق الرخيصة، قسم منهم أشخاص نزحوا من مدن أخرى، سواء قرب دمشق أو من المنطقة الشرقية التي شهدت، ولا تزال، ظروفاً غير مستقرة، وصراعاً مستمرّاً بين القوى المتناحرة.

كذلك، تمكن ملاحظة ما يشبه هذه الظاهرة في بعض المناطق الريفية، سواء في المحافظات الساحلية أو حتى في الشمال السوري، إذ يتمسك الأهل بالعيش في أراضيهم، بينما يهجر قسم من الأبناء تلك الحياة بحثاً عن حياة أفضل، أو هرباً من موت يلاحقهم.

بعد أن فقد الأمل من اتصال أبنائه هذا اليوم، يرسل أبو أحمد رسالة صوتية لكل منهم، ويرمي هاتفه جانباً. يشعل سيجارة، ويقول: «كانوا يتصلون كل يوم، مع مرور الوقت تزوجوا جميعاً، وأصبحت لديهم عائلاتهم وهمومهم». 

ويضيف: «لم أرزق بابنة، يقولون إن الابنة أكثر حناناً وتعلقاً بأهلها، لا أعتب عليهم، أشتاق إليهم، وآنس بحديثهم».

يختم الرجل حديثه قائلاً: «في كل مرة يتصل ابني الذي يعيش في ألمانيا يخبرني بأنه ينتظر أن يحصل على الجنسية ليرسل دعوة إلي. لا أعرف إن كنت سأعيش حتى ذلك الوقت، أم سأموت وحيداً هنا في هذه الغرفة».


Share!

لا يتبنى «صوت سوري» أي توجه مسيس للملف السوري ولا تقف وراءه أي جهة سياسية.
نحن نراهن على دعمك لنا في الوصول إلى جميع السوريين والسوريات.

إذا رأيت أن خطابنا يستحق الوصول انشري / انشر هذا المقال من فضلك

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها