× الرئيسية
ملفاتنا
صورنا
إنفوغرافيك
من نحن
تَواصُل
النشرة البريدية
facebook twitter twitter twitter
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

«الديكتاتور العادل» و«قَدَر» الوصفات المنسوخة

عقل بارد - على الطاولة 07-10-2021

كانت الوصفات متناقضة في المظهر، لكن كلّ ما يسرد يشكل وجوهاً مختلفة لبينة فكرية واحدة: ثانوية الديمقراطية أمام التنمية والرفاه، بحجج تتراوح بين «عدم مناسبة الديمقراطية لشعوب المنطقة» من جهة، و«عدم اقتصار مفهوم الديمقراطية على النموذج الغربي» من جهة أخرى، مروراً بادعاء الواقعية التي تستدعي التنازل للحاكم عن بعض الركائز مقابل التنمية

الصورة: (Expo 2020 Dubai - فايسبوك)

أخيراً وصل التيار الكهربائي. أُسرع إلى المكتبة لتصوير بعض المستندات وتقديمها للكلية قبل انتهاء المهلة المحددة. 

إلى جانبي في المكتبة زميلان من كلية الهندسة الكهربائية يريدان طباعة مشروع تخرجهما، فيما صاحب المكتبة يسابق الزمن لإنهاء الطباعة خلال الساعة التي يصل فيها التيار الكهربائي. 

دقائق وينقطع التيار، بضع شتائم من صاحب المكتبة، «تتخرج من كلية الهندسة الكهربائية ولا كهرباء تطبع بواسطتها مشروعك» يعلق أحد الزميلين ساخراً، وينتقل في حديثه إلى التجربة المصرية في الاستثمار بالطاقة الكهربائية، وسعيها نحو التحول إلى مركز إقليمي لتصدير الطاقة بعد نجاحها خلال سبع سنوات في الانتقال من إنتاج بلغ 12 غيغا واط ساعيّاً، إلى إنتاج تجاوز 60 غيغا واط ساعيّاً، وفائضٍ يصل إلى 50% من الإنتاج خارج أوقات الذروة.

ينتقل بعدها إلى استعراض باقي مشروعات مصر، مادحاً مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، ومحطة بنبان للطاقة الشمسية التي تولد ما يقارب 1.5 غيغا واط، وينصحنا بالاستفادة من المنح المقدمة لمتابعة الدراسة والعمل في مصر، فـ«الوضع هناك أفضل بما لا يقاس من الكارثة التي نعيشها».

يرتبك صاحب المكتبة، ويحاول تغيير الحديث بعد تذمر الشاب من الوضع الحالي. يبدو معذوراً، من يدري؟ قد يشي أحدنا به، فيقضي باقي أيام عمره في حفرة رطبة تحت أحد فروع الأمن الكثيرة. يطلب مني العودة لأخذ المطبوعات في اليوم التالي صباحاً، ألملم خيبتي وأنطلق إلى المنزل مسرعاً، عليّ تحضير لوازم السهرة، فهذا الخميس دوري في استضافة اجتماع الأصدقاء.

يصل أول الأصدقاء، ونتعاون معاً في تحضير طاولة العشاء. نتبادل أطراف الحديث، وتأخذنا الأحاديث في رحلةٍ متنوعة من الموضوعات.

أخبره بما جرى في المكتبة، يبدي استغرابه من موقفي السلبي تجاه حديث الشاب، ويحدثني عن طبيعة النظام المصري الجديد، وعن علاقاته الدولية المتوازنة والمتنوعة، والاستفادة منها بقروض وتسهيلات من صندوق النقد الدولي.

ينضم إلى حديثنا بقية الأصدقاء والصديقات مع وصول الجميع تباعاً إلى البيت. تعرج المداخلات سريعاً على المشكلات المجتمعية، فالوضع السياسي، فالحلول الممكنة، والجميع متحمس لإبداء رأيه وتصوره عما يمكن فعله لتغيير الوضع الراهن، بما يعنيه ذلك من تخفيف الكوارث التي لا تنفك تفتك بالناس، إلى وضع آخر أخف حدة وكارثية.

كيف تخلى العديد من الشباب الذين انخرطوا مع بداية الحراك في صفوف مختلف الجهات السياسية عن الديمقراطية؟ كيف انتهى بهم الحال إلى اعتبارها أمراً ثانوياً يسهل الاستغناء عنه بعد أن كانت مطلبهم الأول في الساحات؟

تشير إحدى الصديقات إلى عدم إعجابها بالنموذج المصري، وتردف بشكل أكثر تحديداً: «على الأقل من المبكر الحكم بنجاحه». 

توضح الصديقة إياها أن «ما يمكن الاقتداء بها من تجارب منطقتنا هي تجربة دولة الإمارات»، ثم تحدثنا عن وزارة السعادة، ومحطة براكة النووية، ومسبار الأمل، والسياحة، والتجارة، وحتى أسطول سيارات شرطة دبي الذي يضم سيارات من شركات «آستون مارتن»، و «فيراري»، و«لامبرغيني»، و«مرسيدس»، و«أودي» التي لا يمكن الفكاك منها في أي مطاردة على عكس مركبات شرطتنا من «جيب واز»، و«بيجو» القديمة التي تحتاج للقَطر والإصلاح كل يومين. 

يقاطعها صديق آخر لتفنيد التجربة الإماراتية، متحدثاً عن «الوهم الذي تصنعه الإمارات»، ويسهب في شرح ما يدعوه «تناقضات نموذج الاقتصاد الإماراتي»، ثم ينتقل في حديثه إلى مناقب التجربة الصينية، مادحاً النظام الشيوعي في الصين، وإنجازاته في التنمية، ومحاربة الفقر، ومشروعاته التصنيعية الكبيرة، ومبادرة الحزام والطريق، واليوان بوصفها «عملة بديلة عن الدولار».

تستمر السهرة على هذا المنوال من نقدٍ لتجارب وتغزلٍ بتجارب أخرى، والكل يضع تصوراته المختلفة عن الوصفة التي يجب اتباعها لتغيير الوضع. 
كانت الوصفات تبدو متناقضة في المظهر، لكن كلّ ما يُسرد يشكل وجوهاً مختلفة لبينة فكرية واحدة: ثانوية الديمقراطية أمام التنمية والرفاه، بحجج تتراوح بين «عدم مناسبة الديمقراطية لشعوب المنطقة» من جهة، و«عدم اقتصار مفهوم الديمقراطية على النموذج الغربي» من جهة أخرى، مروراً بادعاء الواقعية التي «تستدعي التنازل للحاكم عن بعض الركائز مقابل التنمية». 

إذاً: لا مشكلة في النظام المصري المبني على انقلاب لأحد ضباط الجيش على الديمقراطية الإخوانية، واحتكار السلطة لنفسه وتصدير المؤسسة العسكرية إلى الواجهة، وتعزيز سلطة الأجهزة الأمنية؟ أو في نظامٍ «ملكي معدّل» كنظام الإمارات لم يعرف الحياة السياسية في تاريخه، أو حتى نظام شمولي كالنظام الشيوعي في الصين؟

تنتهي السهرة بانتهاء الثلج الذي استطعنا توفيره.

يرحل بعض الأصدقاء ويبقى البعض الآخر للنوم حتى الصباح، فيما تمنعني الآراء التي طرحت من النوم. كيف تخلى العديد من الشباب الذين انخرطوا مع بداية الحراك في صفوف مختلف الجهات السياسية عن الديمقراطية؟ كيف انتهى بهم الحال إلى اعتبارها أمراً ثانوياً يسهل الاستغناء عنه بعد أن كانت مطلبهم الأول في الساحات منذ عشر سنوات؟

أليس من المفترض أن تكون الدساتير، والأنظمة، والقوانين، والمؤسسات هي الطريق للخروج من التخلّف عوضاً عن التعلق بنموذج «القائد المنقذ»؟ أليست حرية التعبير عن الرأي، والاستجابة لها هي الوسيلة الوحيدة لتصويب أخطاء الحكومة (أي حكومة كانت) في المستقبل بطريقة لا تستدعي كل العنف والقتل والدمار الذي حصل؟

أليس النظام الشمولي أفضل أداة للديكتاتورية المتمترسة في بلدان منطقتنا؟ كيف تمكن إعادة تجربة القرن الماضي بالتنازل للأنظمة والحكام عن الديمقراطية، مقابل التنمية، أو «السعادة»، أو أيّاً يكن؟


Share!

لا يتبنى «صوت سوري» أي توجه مسيس للملف السوري ولا تقف وراءه أي جهة سياسية.
نحن نراهن على دعمك لنا في الوصول إلى جميع السوريين والسوريات.

إذا رأيت أن خطابنا يستحق الوصول انشري / انشر هذا المقال من فضلك

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها