× الرئيسية
ملفاتنا
صورنا
إنفوغرافيك
من نحن
تَواصُل
النشرة البريدية
facebook twitter twitter twitter
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

..«وتعطلت لغة الكلام»

عقل بارد - على الطاولة 11-10-2021

قد يشي عنوان المقال برومانسية تقودنا إلى الدندنة بأغنية الموسيقار محمد عبد الوهاب الشهيرة «يا جارة الوادي»، قبل أن نصحو على واقع نقرأ فيه كل يوم عن حادثة جديدة تتعطل فيها لغة الكلام فعلاً لا مجازاً، ويكون فيها السلاح وسيلة لـ«التفاهم» في مختلف المحافظات السورية

الرسم: (Alex Falcó Chang - كارتون موفمينت)

يشهد الشارع السوري حالة غير مسبوقة من الفلتان الأمني، تستخدم فيها أسلحة لم نكن لنتخيل يوما أن تكون وسيلة للتعبير عن بعض ما فعلته الحرب على امتداد سنوات، وما راكمته من أزمات متلاحقة. 

رواج السلاح وصل إلى درجة لم يعد مستغرباً معها أن نقرأ إعلاناً يخص إجراءات التسجيل في إحدى الجامعات الخاصة، وقد ضمنته تنويهاً بعدم اصطحاب مرافقين مسلحين إلى حرم الجامعة، بعد تكرار حوادث الاعتداء على موظفيها وكادرها.

قبل نهاية آب / أغسطس الماضي، فجعت مدينة اللاذقية بنبأ مقتل طبيب في عيادته، وشغلت طريقة مقتله الرأي العام، إذ قتل وفق بيان وزارة الداخلية بواسطة متفجر مزروع في جهاز قياس حرارة إلكتروني. كشفت التحريات لاحقاً عن المتهم الذي كان على خلاف شخصي مع الطبيب، وبعد القبض عليه عُثر في سيارته على حقيبة سوداء فيها أجهزة خاصة استخدمها في عملية التفخيخ. هذا السلوك من حيث كونه فرديّاً يشكل سابقة في سوريا، تذكرنا بطرق عصابات المافيا، أو أجهزة الاستخبارات في تصفية الخصوم.

بعد الحادثة بشهر، وقرب محكمة في مدينة طرطوس أقدم شخص على فتح قنبلة يدوية (رمانة) بعد احتدام خلافه مع شقيق زوجته المحامي؛ لتنفجر مودية بحياة شخصين وإصابة تسعة آخرين ذنبهم الوحيد وجودهم في مكان الحادث.

ويبدو أن عدوى فتح الرمانات انتقلت بسرعة قياسية إلى ريف دمشق، إذ قتل مواطن زوجته برمي قنبلة أمام منزل عائلتها بعد احتدام خلافه مع أهلها. هذه بعض الحوادث، وهناك حوادث أخرى (سبقت، ولحقت) في مدن ومناطق مختلفة تراوحت بين التهديد، والاعتداء، والقتل.

حالة العنف التي جسدتها هذه الحوادث - على خطورتها - لا تشكل إلا قمة جبل الجليد (أو لعله جبل نار؟)، إذا ما أخذنا في الاعتبار حالة عنف رمزي تسيطر على شرائح واسعة من المجتمع السوري تعيش ظروفاً ضاغطة في مختلف المجالات، بعد سنوات من الحرب فاقمت بدورها درجات الاحتقان النفسي، وعززت سطوة ميليشيات، وفئات حققت مكاسب كبيرة بطرق قصيرة وملتوية ضاربة بالقيم الإنسانية عرض الحائط، وتنامت في الشارع لغة الانتقام، كاشفة عن ندبات قد تحتاج إلى سنوات، وربما عقود ليزول أثرها.

يعرف جان مولر العنف بأنه «انتفاء حيز الكلام»، ورغم قصر التعريف فإنه يحمل بين كلماته القليلة حلاً لمشكلة تعصف بالمجتمع السوري، وتلحق به أضراراً قد تفوق ما سببته الحرب بشكل مباشر، وهي انتشار العنف بصورة تشكل تهديداً لما تبقى متماكساً من نسيجه

إن أخطر ما في العنف الرمزي، خلافاً للعنف الفيزيائي، سهولة تغلغله في المجتمع، على شكل مسلمات أو إيديولوجيات قسرية، ويظهر أحياناً في شكل سلوكيات آنية مثل الشتائم التي تتنوع بين تلك المتعلّقة بالأديان ورموزها، أو الشتائم الجنسية، وتحتل حيّزاً كبيراً في الموروث الثقافي الشفوي، وأكثر ما تحضر في مواقف الغضب بهدف الإهانة.

تؤشر هذه السلوكيات على أزمة عميقة في بنية المجتمع، ولعل تعريف عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو لهذا النوع من العنف يكثف لنا حجم خطورته: «عبارة عن عنف لطيف وعذب، وغير محسوس، وهو غير مرئي بالنسبة لضحاياه أنفسهم».

اعتاد السوريون - حتى قبل الحرب - وعلى اختلاف مناطقهم، ومكوناتهم سماع عبارة «بتعرف حالك مع مين عم تحكي»؟! تتردد في كثير من النزاعات والمشاجرات، ورغم أن العبارة في ظاهرها تطرح سؤالاً واضحاً ومحدداً فإنها تحمل بين طياتها الكثير من العنف، والاستقواء، وسطوة النفوذ، ومحاولة سحق الآخر، لكأن مفهوم القوة مرتبط بإضعاف الآخر. تسلل هذا الشكل من خطاب العنف حتى إلى النخب المثقفة التي بات قسم منها يرى نفسه فوق الجميع، في نظرة استعلاء تعكس قناعات غير سوية. 

في المقابل، ثمة مجتمعات تنتفي فيه ظاهرة تقديس الأسماء على عظمة إنجازات أصحابها، انطلاقاً من مفهوم مجتمعي سائد استطاعت السويد مثلاً أن تبلوره في قانون أطلقت عليه  قانون يانته، وملخصه «أنت لست أفضل من أي شخص آخر».

يعرف جان مولر العنف بأنه «انتفاء حيز الكلام»، ورغم قصر التعريف فإنه يحمل بين كلماته القليلة حلاً لمشكلة تعصف بالمجتمع السوري، وتلحق به أضراراً قد تفوق ما سببته الحرب بشكل مباشر، وهي انتشار ظاهرة العنف بصورة تشكل تهديداً لما تبقى متماكساً من نسيجه. 

يعزو بعض المبررين هذه الظاهرة إلى كونها «جزءاً من الطبيعة البشرية»، لكن مثل هذه التبريرات تلغي دور العقل تماماً، وتتجاهل الحقيقة الراسخة بأن الإنسان اجتماعي بفطرته، وواعٍ تماماً لأفعاله، ولهذا طوّر عبر العصور لغات مختلفة للتواصل، وليس أخطر من تعطل كل تلك اللغات والاحتكام إلى لغة العنف وحدها في مجتمع ما.


Share!

لا يتبنى «صوت سوري» أي توجه مسيس للملف السوري ولا تقف وراءه أي جهة سياسية.
نحن نراهن على دعمك لنا في الوصول إلى جميع السوريين والسوريات.

إذا رأيت أن خطابنا يستحق الوصول انشري / انشر هذا المقال من فضلك

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها