الرسم: (Viacheslav Shilov - كارتون موفمينت)
تتفاقم حالة سمية النفسية يوماً إثرَ يوم، بعد أشهر عديدة من ظهور علامات القلق والخوف المتزامنة مع ارتفاع في ضغط الدم، وزيادة في دقات القلب.
لم تستطع الشابة العشرينية التي تقيم في مدينة دمشق التغلب على مرضها الغريب، برغم زيارتها لأحد الأطباء النفسيين، ولـ«شيخ متخصص بالرقية الشرعية».
وجه «الراقي» أسئلة عديدة إلى سمية تتعلق بحالتها الجسدية، ووضعها الإيماني، ومدى التزامها بالصلاة، وقدرتها على تلاوة القرآن، وهل تصحو من النوم على ألم شديد في منطقة معينة من الرأس، ثم شخّص الحالة في نهاية الجلسة السريعة التي لم تتجاوز مدتها 5 دقائق.
وقعت سمية بحسب تشخيص «الراقي» ضحية «سحر مكتوب، عقدته إحدى المشعوذات». اقتنعت الشابة بضرورة المواظبة على جلسات الرقية التي تعتمد على تلاوة آيات قرآنية محددة، ومكررة وفق عدد معين، كما تم تكليفها بوظائف يومية في منزلها، من قبيل غسل البيت بالماء والملح الصخري أو البحري حصراً، والاستحمام بالماء الذي قُرئت عليه سورة البقرة كاملة مرتين في اليوم، إضافة إلى رش الملح في زوايا المنزل، وعلى أرضية المرحاض، والحمام، وأمام مدخل البناء.
في العيادة النفسية شخّص الطبيب حالة سمية بـ«وسواس الخوف من المرض والموت»، ناصحاً إياها بتناول أدوية مهدئة بإمكانها تخفيف حالة القلق التي تعيشها. لكنه «تجنب الحديث خلال جلسة الاستماع عن احتمال إصابتها بأحد أنواع السحر، فالطبيب لا يؤمن بالسحر كما تبين بوضوح»، تقول والدة سمية لـ«صوت سوري».
توضح الوالدة أنها لذلك قررت «عدم العودة مجدداً إلى العيادة، والمواظبة على جلسات الرقية الشرعية».
حالة سمية واحدة من عشرات الحالات المشابهة التي تجد نفسها ضحية لأحد أكثر الأفكار إشكالية في المجتمعات الشرقية، و«التداوي» بوسائل غير طبية، تتنوع ما بين «الرقى الشرعية»، و«فك السحر»، وممارسات أخرى مرتبطة بالشعوذة، مع تزايد انتشار ممارسي هذه الأعمال في مختلف الجغرافيات السورية، وبعضهم يمتلك خبرات واسعة ومخيفة في هذا المجال، بحسب ما رصده «صوت سوري».
«قارئة الفنجان»
بعد انتهاء عميلتها من شرب القهوة، تقلب سميحة (اسم مستعار) الفنجان الفارغ فوق الصحن بضع دقائق، ثم ترفعه وتشرع في عملية التنجيم وتزويد صاحبة الفنجان بـ«معلومات» حول الموضوع الذي شغل بالها، سواء كان في الماضي، أو الحاضر، أو حتى المستقبل.
وجه «الراقي» أسئلة إلى سمية تتعلق بحالتها الجسدية، ووضعها الإيماني، ومدى التزامها بالصلاة، وقدرتها على تلاوة القرآن، وهل تصحو من النوم على ألم شديد في منطقة معينة من الرأس، ثم شخّص الحالة في نهاية الجلسة التي لم تتجاوز مدتها 5 دقائق
من جلسة واحدة وبعد دفع مبلغ مالي لقارئة الفنجان، عرفت إحدى السيدات أن زوجها «يجلس الآن في المنزل يتناول السمك المقلي»، وأنها «ممنوعة من الحبل بسبب سحر مأكول تناولته مع وجبة الشوربة عند إحدى قريباتها». كما بشرتها القارئة بأنها «تمكنت من فقء جميع العيون التي أصابتها بالحسد»، وأنها «ستتخلص من السحر في السابع والعشرين من الشهر، وسوف تحمل بعدها على الفور».
يتكرر هذا المشهد الدرامي كثيراً، وغالباً ما تكون الضحايا من النساء اللواتي يدفعن المال لقاء «الحصول على معلومات حول المستقبل»، أو «التخلص من السحر»، أو «الوقاية من الحسد»، ونحو ذلك من «الخدمات المدفوعة» التي يوفرها العاملون والعاملات في قطاعات الشعوذة المختلفة.
رقاة.. ومشعوذون بالدولار
يمكن التمييز بين الوسائل التي يتبعها الراقي، وبين نظيراتها الخاصة بالمشعوذ، إذ يغلب على الرقاة استعمال القرآن إلى جانب بعض المواد مثل الماء المقروء عليه، والبخور، والملح الخشن غير المكرر، والمسك، وزيت الزيتون، إضافة إلى بعض الأعشاب والمستحضرات، كزيت الخروع، والسنا مكي.
على المقلب الآخر، يزعم مشعوذون أنهم يستعينون بالجن، لمعرفة تفاصيل عن عملائهم، كما يكتبون التعاويذ والطلاسم، ويعقدونها ويرمونها في أماكن يصعب الوصول إليها بغية عقد «السحر المكتوب»، كما يضعون مواد نجسة على الطعام لإجراء ترتيبات «السحر المأكول»، أو يرشون مساحيق خاصة أمام المنازل المستهدفة بـ«السحر المرشوش». ولكل «سحر» ثمن معين، يتراوح وسطيّاً بين 10 و50 دولاراً.
«استعمالات متعددة»
تقول مفيدة وهي سيدة من دمشق لـ«صوت سوري» إنها تتجنب الجلوس مع النسوة اللواتي تشك في أنهن «يتعاملن بالسحر، أو يقلبن الفنجان لقراءته ولو على سبيل التسلية».
وتضيف: «أعرف نسوة كثيرات يذهبن إلى المشعوذين لأهداف متعددة، مثل عمل سحر المحبة حتى يرغب بهن أزواجهن، ولا ينظرون إلى نساء أخريات. بعض النسوة يطلبن أيضاً من المشعوذ أو المشعوذة مكافحة سحر الرحم على اعتبار أنه يتسبب بمنعهن من الحمل».
كما تشير مفيدة إلى نوع آخر من السحر يدعى «سحر التفريق» ويستخدم بهدف الإيقاع بين الزوجين.
أثناء حفل زفاف ابنتها، أخرجت أم عبير حجاباً من جيبها، ووضعته تحت الفراش على سرير العروسين. لا تبدي أم عبير وهي سيدة من ريف إدلب أي شك في صحة ما تفعله، وتشرح لـ«صوت سوري» أنها اعتادت منذ كانت صبية صغيرة على زيارة سيدة تدعوها الشيخة، بصحبة والدتها لكتابة الحجابات المتعددة الأغراض، منها ما «يحفظ»، ومنها ما «يجلب الحظ للأسرة» مثل «حجاب الرزق» الذي كانت والدتها تضعها في جيب سري داخل قميص والدها، و«حجاب المحبة» الذي بقي مثبتاً تحت فراش والدتها لسنوات طويلة.
ترى أم عبير أن «مثل هذه الأنواع من الحجابات نافعة، ولا تسبب أي ضرر على عكس الأنواع الأخرى مثل سحر التفريق». وتضيف «الحب بين الزوجين مطلوب، وهو ما يضمن لهما حياة سعيدة».
ومع أنه لا ينبغي التعميم في مسألة تعامل المجتمع السوري مع «السحر»، فإن انتشار الظاهرة يبدو واقعاً ملموساً.
وتعتقد نسوة عديدات تحدث إليهن «صوت سوري» بوجود السحر، كما لاحظنا وجود هذا الاعتقاد لدى بعض الرجال المتدينين.
في المقابل يبدو الأمر مدعاة للسخرية في نظر بعض النسوة، والرجال. فيما يرى بعض آخر أن المسألة تتعلق بـ«مدى تقبل الشخص لفكرة وجود تحكم خارجي في حياته، وتصرفاته، وحالته النفسية، وعلاقاته مع الأسرة والمجتمع». ويقول هؤلاء إن «الشخص القلق، أو الذي يعاني من أي اضطراب نفسي يمكن أن يؤمن بأي فكرة تتعلق بعوالم أخرى».
أما المتدينون فيحتجون بآيات من القرآن وأحاديث نبوية تتحدث عن العين والسحر، ما يجعل المسألة إحدى أكثر القضايا إشكالية في المجتمع السوري، وغيره من المجتمعات الشرقية عموماً.