× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

الكراهية تنمو من الخارج.. لا أصالة في وجودها

عقل بارد - على الطاولة 27-09-2022

ليس علينا أن نذهب بعيداً كي نكتشف الشرارات الأولى لعمليات التصنيف التي تنمو داخلنا منذ كوننا أطفالاً. لا بد من القول إن كل طفل فريدٌ من نوعه، ومع ذلك، في كل عائلة هناك آباء يفضلون أحد أطفالهم على الآخرين. فتمييز الأسرة والمدرسة والشارع مهما كانت أسبابه كفيل بخلق شخص ناقم على أقل تقدير

الصورة: (طفل سوري يرفع لوحة رسمها / Save the Children - فليكر)

للاستماع إلى المقال

الكراهية لغةً: الحقد، المقت، الغضب. كَرُه الشيء: قبُح وأثار الاشمئزاز والبغض.

ولغوياً أيضاً، الطفلُ: هو المولود ما دام ناعماً رقيقاً. واقعياً لا يمكن جمع صفتين متناقضتين كالرقة والكراهية، فالطفولة نقاء خالص، حب متأصل غير مشروط وقبول دون تصنيف أو تمييز. الكراهية متعِبة وثقيلة لا تحتملها روح الأطفال. لكنهم ذاتهم يكبرون ويغضبون ويتعادون، ويصبحون محكومين بالحقد والغضب، فكيف يتحول كائن رقيق إلى شخص غاضب رافض للآخرين، ومن أين تبدأ تلك الكراهية بالنمو؟

قصة بنسخ متعددة

هذه قصة طفلة لطالما تكررت بنُسخ مختلفة: «لم أكن جميلة في طفولتي، أمتلك بشرة غير صافية وأسناناً غير منظمة الاصطفاف، أتلعثم بالكلام وأعاني من الخجل، أذكر عندما كنت في الصف الخامس أي في عمر عشر سنوات، أن معلمتي اللطيفة التي كنت أحبها وأراها أنيقة وكاملة، وصفتني مرة بالغبيَّة بسبب عدم معرفتي معنى كلمة فصيحة، أيقنت أن ذلك بسبب شكلي، فهي تبتسم لأطفال آخرين حتى إن أخطؤوا، بكيت عند عودتي إلى المنزل ولم أنسَ ذلك أبداً».

فريال، أو فوفو كما تحب أن يناديها الجميع، فتاة في الثالثة والعشرين، تدرس الإرشاد النفسي. لم تنجُ في طفولتها من التمييز الذي لم يستند إلى منطلقات عرقية أو طائفية أو جنسية، بل كان أسوأ من ذلك كله: تمييز يرتكز على تصنيفات جمالية وشكلية.

ليست فريال هي الوحيدة، فكثيرون عانوا في طفولتهم تمييزاً من هذا النوع. هي سمة منتشرة في المدارس السورية، إذ يقل الاهتمام بمن لا يمتلكون حضوراً أو سِماتٍ مميزة، ونظن جميعاً أن الأطفال لا يدركون ما يدور حولهم، لكنهم في الحقيقة الأكثر قابلية لاستشعار جميع الأحاسيس والأفكار، وهو ما يسبب مشكلةً حقيقيةً تسهم في نبذ الذين لا ذنب لهم سوى أنهم ولدوا بشكل معين أو بهوية محددة.

غالباً ما نبحث عن خطاب الكراهية في الجمل التي يتلقاها هؤلاء الأطفال من كتبهم، في صفوف الديانة وغيرها، لكن الأسلوب هو أكثر ما يهشم دواخلهم... النظرة، الكلمة، الابتسامة، والتعامل، القبول أو الرفض، وكذلك التقرب منهم وإعطاؤهم مساحتهم، أو نبذهم وتركهم منزوين وحدهم، والتربيةُ والتعليمُ وأساليبُ المخاطبةِ والعقابُ، وغيرها مما يتعرض له الأطفال في حياتهم اليومية ولو في لعبة. فماذا لو كان سبب النبذ والإقصاء شيئاً خارج شخصهم: تصنيفات اجتماعية كقوميتهم أو دينهم أو جنسهم؟ من الصعب عندئذ الفصل بين شخوصهم وهذه الانتماءات طالما هم يعاملون على أساسها، وكل نبذ أو معاداة لهم على هذا الأساس ستجعلهم غاضبين أكثر.

يتعرض كثير من الأطفال للتنمر بسبب صفات جسمانية وشكلية من قبل أطفال آخرين وأعضاء في الكادر التدريسي أحياناً

أين يبدأ خطاب الكراهية؟

ليس علينا أن نذهب بعيداً كي نكتشف الشرارات الأولى لعمليات التصنيف التي تنمو داخلنا منذ كوننا أطفالاً. لا بد من القول إن كل طفل فريدٌ من نوعه، ومع ذلك، في كل عائلة هناك آباء يفضلون أحد أطفالهم على الآخرين. فتمييز الأسرة والمدرسة والشارع مهما كانت أسبابه كفيل بخلق شخص ناقم على أقل تقدير.

قد تبدأ جذور الكراهية النموَّ عند أول تقليل من شأن طفل لحساب آخر، ومن الغضب على أحدهم وملاطفة غيره، ومن تلك اللحظات التي تكرَّس لتلبية حاجات طفل ولا تكرَّس لغيره، للاهتمام به، وملاحظته في الصف، إشراكه أو إقصائه عن اللعبة، وقد تنضم إليها في ما بعد عوامل أخرى مثل: «من يكون؟ ومن أي طائفة؟ ومن أي طبقة اجتماعية؟ وما القومية التي تمثله؟ وما جنسه؟ وما لونه؟ وما لهجته؟»، لتأخذ هويته الخاصة في مراكمة كل ذلك، إذ تُصنف نفسه على هذا الأساس، ولو نظرنا قليلاً إلى أسرنا ومدارسنا ومعلمينا وأساليبهم، لتوقفنا عن التفاجؤ من الكراهية المختبئة خلف الوجوه في شوارعنا.

المدارس كراهية متسترة

في إحدى مناطق ريف دمشق، درست سوزان في مدرسة مختلطة الجماعات. تقول: «أول ما كنت أواجهه هو الاستغراب للهجتي، فهي مختلفة عن لهجة سكان هذه المنطقة والطلاب في المدارس، فأنا نازحة من مخيم اليرموك، وقد لازمتني هذه الصفة كاسمي، لم يرضَ أحد من طلاب الصفوف التي دخلتها أن يكون صديقاً لي وحتى الأساتذة كانوا يتعاملون معي بشكل مختلف. انتقلت من مدرسة إلى أخرى، وفي النهاية قررت أن أدرس وحدي بعد إنهاء الصف العاشر. بدأت بأخذ دروس خصوصية لتقديم امتحان الثانوية العامة».

الأطفال سريعو الملاحظة وشديدو التركيز فأي اختلاف يلاحظونه على زملائهم سيدفعهم إلى التساؤل: لم هذا الاختلاف؟ وهنا تبدأ مهمة المعلمين طالما أن أولى اكتشافات الاختلاف بين الأقران تبدأ في المدرسة. لكن لا تمتلك كثير من الكوادر التعليمية في سوريا وخاصة في المراحل الأولى من التعليم ثقافة التعامل مع هذه الحالات والإجابة عن أسئلة الأطفال، وغالباً ما تعكس الإجابات ثقافتهم وحالتهم الاجتماعية والرفض داخلهم للآخر.

كي لا نعمم، فغالبية هؤلاء لم يحصلوا على التعليم الكافي لتنشئة جيل صغير بأسلوب صحيح على الأقل اجتماعياً ونفسياً. بعض هؤلاء أنهوا المرحلة الثانوية فقط وبدؤوا بالتدريس، وتفاقمت هذه الظاهرة في سنوات الحرب بسبب قلة الكوادر التدريسية وعدم القدرة على التنقل، فلا يمكن لمدرس لم يدرس أساليب التربية النفسية للأطفال، وأساليب تجنب التمييز، والدمج الاجتماعي، ألا يقع في مطب بث خطاب الكراهية أو التفضيل بين فئة وأخرى، وأن ينأى بأيديولوجيته الخاصة ويتعامل بحيادية مع الأطفال. 

التربية المنزلية وآثارها

يعيش الطفل سنواته الأولى بين أبويه وهذه السنوات كافية لتشكيل الكثير من المفاهيم والسلوكات التي تنتقل معه لمدرسته أو المجتمع الأكبر بعد. وفق تجربة روعة المختصة بالمسرح، وكانت قد أقامت ورشة تدريبية مسرحية للأطفال منذ سنتين في محاولة لمعالجة آثار الحرب والبحث عن مساحة للعب، جمعت فيها أطفالاً مختلفي الانتماءات، تقول:  «كان هناك نوع من القرار بعدم الاختلاط من البعض بآخرين لأنهم من منطقة معينة، وكانت سلوكات معظم الأطفال تنم عن ازدراء للآخرين خاصة من هم من طبقة ميسورة الحال... تفاجأت بمدى قدرة هؤلاء الأطفال على تقييم الآخرين وتصنيفهم، وبدا ذلك شيئاً لا يمكن تجاوزه بسهولة، ما شكل صعوبة في التواصل بينهم، مع العلم أن عمر أكبرهم كان ثلاث عشرة سنة».

تبدأ جذور الكراهية النمو عند أول تقليل من شأن طفل لحساب آخر، ومن الغضب على أحدهم وملاطفة غيره

تنسحب مشاعر الأبوين على الأطفال بطريقة لا شعورية، فما ينفرون منه اكتسبوه من آبائهم، خاصة إذا كانوا ينبهونهم إلى ذلك بين حين وآخر. لا تكاد تخلو عائلة من حالة تعصب لانتماءاتها الدينية والاجتماعية، في سلسلة متصلة من الرفض والتصنيف دون أسباب منطقية، فالدافع وراءها غالباً ما يكون الجهل بمن يكون هذا الآخر، وينتقل هذا الرفض من جيل إلى آخر ويتطور ليصبح عنفاً وكراهية مستمدة من عنصرية تدمر الإنسان الكاره والإنسان المكروه في آن.

الكراهية في علم النفس

لا تولد الكراهية مع الفرد ولا وجود لها في مرحلة الطفولة الأولى، بل تنمو بفعل التربية والتعليم والسلوكات المحيطة بالطفل. ومع نموها تولد الكثير من المشاعر مثل الغضب والعداوة اللذين يتحولان إلى عنف جسدي أو لفظي. قد لا تُعد كراهية الأفراد مخيفة فهي غالباً ما تكون حالة مؤقتة لا يمكن لها أن تستمر طويلاً وقد يجد صاحبها الكثير من التبريرات للعدول عنها، غير أن الكراهية تترسخ عندما يكون عندما توجه ضد جماعة ما، فمن الصعب حينها التعامل مع هذه الكراهية أو الحد من عواقبها، وغالباً ما تؤدي إلى صراعات وعنف.

يتربى كثير من الأطفال في سوريا اليوم على إقصاء الآخر ورفضه وخلق مشاعر من العداء تجاهه، وتختلف الأسباب التي تقف وراء ذلك، ولعل أهمها الحرب والاقتتال الأهلي وما رافق ذلك من انقسامات وخوف. لا وجود لإحصاءات تبين مدى تفشي هذه الظاهرة وانتشارها إن في المدارس أو المجتمع عامة. يحتاج ذلك إلى بحث معمق في السلوكات الظاهرة ووسائل التعليم والمناهج وغيرها، فيما تعزز وسائل التواصل الاجتماعي ذلك الخطاب، ما ينتج حالة غير صحية تخلف مجتمعاً متصارعاً.

اللغة والسلوك مترادفان، والكلمات تتحول إلى سلوك راسخ وهذا ما نحتاج مراقبته وتصحيحه. إن الكراهية قيمة سلبية تؤجج مجموعة من المشاعر التي تسبب خللاً في المجتمع والعلاقات، وتلغي جميع محاولات الحوار وتقبل الآخر.

لا تبدأ الحلول في الصفوف المدرسية ولا عند الأهل فقط أو القوانين أو غيرها، بل تبدأ من كل فرد منا بالتخلي عن امتيازاته التي ينسبها إلى انتمائه وجنسه ودينه، ويتعامل مع الآخرين بالارتكاز على صفة أولى ووحيدة هي إنسانيتهم.

بالناقص_كلمة كلمتين_نضاف خطاب_الكراهية أطفال_سوريا التعليم_في_سوريا

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0