الصورة: (ian reid - فليكر)
حصلت فاطمة على حقوقها من الميراث بموجب حكم قضائي أصدرته محاكم «هيئة تحرير الشام» في إدلب، وقضى بتقدير قيمة الإرث الذي مضى على احتجازه 17 عاماً تنكر خلالها الإخوة لحقوق أخواتهن.
تقول السيدة الأربعينية التي تسكن إحدى قرى جبل الزاوية: «هاد حقي، زوجي شهيد وولاد أخوتي مهن أغلى من أولادي، عندي ثلاثة شبان بدون عمل وما عندي قدرة زوج حدا منهم نتيجة ظروفي المادية السيئة».
أما عمر، وهو قاضٍ في محاكم «تحرير الشام» يشتهر بـ«أبو عبد الله»، فاستفاد من نفوذه لتحصيل حقوق أمه وخالاته اللواتي حرمن تركة أهاليهن، إذ تمكن من إقناعهن برفع دعوى قضائية ضد إخوانهن الذكور، انتهت بتقدير المحكمة قيمة الأرزاق والحكم للأخوات بتقاضي نصيبهن من الإرث نقداً.
يقول أبو عبد الله: «لم أستغل سلطتي، وإنما هو حق تنبغي إعادته إلى أصحابه حتى لو مضت عليه مئة سنة، فأمي وخالتي لهن نصف تلك الأرزاق التي استحوذ عليها أخوالي... لماذا ينبغي علي أن أخجل من أخوالي وهم لم يخجلوا من أمي وخالاتي حين أخذوا نصيبهم من الإرث وطلبوا منهن المسامحة؟».
تشهد إدلب تزايداً في حالات مطالبة الإناث بحقوقهن من الإرث المغتصبة من قبل إخوتهن الذكور، وكثيراً ما يحصلن على قرارات لصالحهن من المحاكم الشرعية التابعة لـ«تحرير الشام»، وهو أمرٌ يعدّه بعض المتابعين جزءاً من جهود «الهيئة» لتلميع صورتها، وتقديم نفسها في مظهر «الضامن للحقوق».
تتشابه القوانين المعمول بها في محاكم الحكومة المركزية و«الهيئة» غير أن الأخيرة تبادر إلى إجراءات أكثر حزماً
يشرح أبو عبد الله أن «القانون ينص على أنه إذا كان هناك حق مثبت للورثة من الإناث، فإنه يتم انتزاعه حتى إن كان مطوّباً باسم الأخ الذكر. في حال الإجبار على التنازل، أو ثبوت وجود تزوير، يُلغى ذلك التنازل».
ويضيف: «في حالة بيع الأخت نصيبها لأخيها أو تنازلها بعد منحها مبلغاً مالياً، حتى ولو كان لا يساوي حقها من الإرث فلا حق للأخت عند أخيها، لأنها هي من تنازلت عن حقوقها في هذه الحالة»
بين محاكم «الهيئة» والدولة
تتشابه القوانين المتعلقة بالميراث النافذة لدى محاكم «تحرير الشام»، مع ما تنص عليه القوانين السورية التي تطبّق في مناطق سيطرة دمشق، وكانت حتى وقت غير بعيد تُطبق في إدلب أيضاً، قبل أن تدخل عليها بعض التغييرات في التفاصيل والحيثيات. ففيما كانت المحاكم السابقة تفضل الحل بالتراضي أو المسامحة عوضاً عن الدخول في مرافعات طويلة وممتدة، تعمل محاكم «تحرير الشام» على المضي قدماً في انتزاع الحقوق التي يجبر الفقر والحاجة السيدات على المطالبة بها.
وعن نقاط الالتقاء، يقول أنس، وهو قاضٍ سابق في محاكم الدولة السورية: «معالجة قضايا الميراث في القانون السوري مقتبسة من الشرع الإسلامي، فمثلاً للذكر من الميراث مثل حظ الأنثيين، وحق الأنثى تتيح المحكمة المطالبة به، وعند تعذر تقسيم التركة تُباع في مزاد علني وتأخذ الأخت تركتها نقداً».
يبين القاضي السابق أيضاً أن تركة الإناث في محاكم الحكومة المركزية يختلف البت فيها باختلاف نوع التركة، فيحق لها أن تأخذ نصف نصيب الذكر من أملاك «الطابو» المسجلة باسم الأب وهو ما يسمى «العقارات الملك»، وهي القابلة للملكية المطلقة، وتكون داخل المناطق المبنية المحددة إدارياً، في حين يتساوى الأولاد ذكوراً وإناثاً في «العقارات الأميرية»، وهي المستأجرة من الدولة (أملاك دولة).
«نقمة» مجتمعية
أحدثت قضايا الميراث التي أعيد تفعيلها في السنوات الماضية في إدلب موجة خلافات في الشارع، ومشكلات ضمن الأسرة الواحدة، فأم عمار مثلاً أصبحت منبوذة من إخوتها الذين قاطعوها بعد أن رفعت دعوى قضائية ضدهم للمطالبة بحقوقها، بعد أن وقعت سابقاً ضحية خداع.
تستذكر الحاجة المسنة: «أنا لا أجيد القراءة والكتابة، بعد وفاة والدي جاؤوني بمجموعة من الأوراق بصمت عليها، وتبين أنها تقضي بتنازلي عن نصيبي من تركة والدي».
تضيف: «توفي اثنان من أولادي ولم يزرني أحد إخوتي لتعزيتي لأنني رفعت دعوى ضدهم. قبل رفع الدعوى طالبتهم مراراً بنصيبي من الإرث... لم أكن أعلم أن المطالبة بالحق جرم يستوجب المقاطعة».