الصورة: (CharlesFred - فليكر)
يغيب مكوّن القرباط، أو كما يُعرف بـ«النَوَر»، عن الأرجاء السورية، باستثناء القليل منهم الذين بقوا واندمجوا في المجتمعات المحلية متخلّين عن عادات الترحال التي اشتهروا بها. فطالما عُرفت مجموعات «النَّوَر» بحلّها، وترحالها بين المحافظات السورية قبل العام 2011، حاملة معها الحِرَف إلى أماكن الإقامة المؤقتة حيث مواطن الماء، والكلأ.
امتاز شبان الغجر عن غيرهم بإتقان بعض الحرف كصناعة الغرابيل، وتبييض الأواني المنزلية، وصناعة السكاكين الحادة، وجمع الخردوات، والبلاستيك، وقرع الطبول في المناسبات، وحتى تلبيس الأسنان. فيما اختص كثير من النساء الغجريات بالتبصير، وقراءة الكف، والفنجان، والغناء، والرقص، وبيع الأمتعة عبر الطواف على المنازل.
ينحدر الغجر من شبه القارة الهندية، ويتوزعون على مجموعات في مختلف بقاع العالم. إحدى هذه المجموعات، وأهمّها، هي القرباط التي أُعطيت هذا الاسم لقدومها من جبل «كاربات» في أوروبا، إضافةً إلى عشائر أُخرى تُطلَق عليها تسمية «النَوَر» مثل الطبالة، والرياس، والطنجرلية، والسعّادين، ومروّضي القردة، والدببة، والسعادين، والبهلوانيين، والحدادين، والصباغ، وتجار الخيول والحمير الهزيلة، ونوَرَ تلبيس الأسنان بالذهب، والمبيّضين.
قصتان سوريتان
مضى أكثر من سبع سنوات منذ رأت نوفة أهلها الذين انقطعت أخبارهم بعدما هاجروا إلى العراق بفعل المعارك الدائرة في سوريا. نوفة الغجرية كما تُعرف بين جيرانها كانت من ضمن مجموعات القرباط القليلة التي بقيت في سوريا، وتزوّجت برجل من ريف حمص الشرقيّ خلال رحلات تنقّلها بين المحافظات السورية.
تعمل نوفة في بيع الألبسة عبر حمل صرّة من الثياب، والطواف بها على خيم الأهالي، كما أنها احتفظت ببعض العادات التي ورثتها من مجتمعها، كالتبصير، وقراءة الفنجان.
أما كامل جسار، وهو رجل أربعيني يقطن إحدى الخيام في بلدة دير حسان، فما زال محافظاً على مهنته في تركيب الأسنان؛ يحمل حقيبة جلدية فيها معدات بسيطة، وأسنان «أشكالٌ وألوان»، ليطوف بها على المخيمات المنتشرة في محيطه.
يقول: «رغم تراجع المهنة واتجاه الناس أكثر نحو العيادات المختصة، فإنني متعلّق بها لما تحمله من تقاليد تتعلق بمجتمعي».
تنظيم قانوني
يتوزع القرباط في بلدان العالم، ولهم وجود في معظم المناطق السورية، ومنها إدلب، وقد نصّت قوانين الأحوال المدنية منذ الدولة العثمانية على تنظيم أمورهم ضمن سجلّات الأحوال المدنية كونهم من سكان سوريا، على أن تنص صراحة على أنهم قرباط.
وفق معاون وزير الداخلية للشؤون المدنية في حكومة الإنقاذ، طلال زغيب، يوجد بلاغ وزاري سابق ناظم لآلية تسجيلهم يحمل الرقم (713) للعام 1988، وبمجرد ذكر أنّ هذه العائلة مشمولة بالمرسوم يُعرف أنّها من عشائر القرباط، أو «النَوَر»، أو الغجر.

كثير من القرباطيات السوريات كنّ يعملن في التبصير - الرسم: صوت سوري
يقول زغيب: «للقرباط سجلات مدنية مدوّن عليها أنّهم من عشائر النَوَر، أو القرباط، أو الغجر، ولا يدوَّنون ضمن مكتومي القيد، كما أنّهم يعامَلون معاملة باقي حملة الهوية السورية». ويستدرك: «لا إحصائية دقيقة لعدد القرباط في الشمال السوري، لكن من المعلوم لدى الجميع أنّ نسبتهم في سوريا باتت قليلة جداً، ولا تكاد تُذكر في ظل الأحداث التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية».
برغم ذلك، ثمة الكثير من القرباط غي مسجلين في السجلات المدنية السورية، بل ولا حتى في سواها، بسبب الاستمرار في نمط حياة يعتمد التنقل والترحال، وقد يعيش واحدهم ويموت من دون أن يدخل مدينة، أو يحتاج إجراء معاملة أو مراجعة دائرة.
أسباب الهجرة
يقول من التقيناهم من الغجر إنّ أحد الأسباب التي تكمن وراء هجرة أقرانهم إلى خارج سوريا هو تشاؤمهم من الصراع الدائر، بالإضافة إلى عدم امتلاكهم شيئاً يخسرونه، فغالبية عائلات القرباط ليس لأحد منها عقار، أو أرض، أو حتى منزل، ورأس مالهم مهنهم التي ورثوها أباً عن جد.
يُضاف إلى تلك الأسباب تعرّضهم مع بداية الأحداث لمضايقات من العناصر الأمنية على الحواجز بمختلف تبعياتها، خاصة من لا يمتلكون قيوداً مدنية منهم، وهو ما جعلهم معرّضين للاعتقال على تلك الحواجز.
رغم بقائه في سوريا، يقول رامي العلان، الذي ينتمي إلى إحدى مجموعات القرباط التي كانت تخيّم في ريف حمص الشرقيّ، إنّ «المضايقات وصلت حدّاً لا يُطاق مع بداية الأحداث، ولا سيما بعد وصول الحراك إلى مدينة حمص»، حيث كان يعمل في بيع الأحذية على بسطة متنقّلة، وهو ما عرّضه للاعتقال عدّة مرات على الحواجز المنتشرة حول المدينة، كونه لا يملك بطاقة شخصية.
يقول العلان: «طبيعة عيشنا تختلف عن الجميع نتيجة انتشارنا في مناطق متفرّقة من القطر السوري، والدول المجاورة. وقد جرت العادة على قطعنا تلك المسافات دون تدقيق علينا نتيجة عدم امتلاكنا ثبوتيات مدنية، لكنّ الأمر لم يعد كالسابق مع بدء الأحداث التي فرضت على الكثير منا الهجرة إلى الخارج».
نزح العلان برفقة عائلته إلى الشمال السوري مع عدد من نازحي مدينة حمص ليمارس مهنته ذاتها بين المخيمات السورية.
وقبل الحرب، كانت أكثر المحافظات السورية استقطاباً للنّوَر هي حلب، وحمص، وحماة، ودمشق، إذ كانوا يفضلون العيش على أطراف المدن الكبيرة لتأدية أعمالهم التي تحتاج كثافة سكانية، ولذلك كان طبيعياً أن تتراجع أعمالهم خلال العقد الأخير، مع موجات النزوح والتهجير، واشتداد المعارك، وشيئاً فشيئاً تزايدت أعداد القرباط الذين غادروا البلاد، لا سيما نحو لبنان، والعراق، وتركيا.