الصورة: (ضريح الشيخ صالح العلي في الشيخ بدر - طرطوس /Khaled Shhadat - فليكر)
لا أعتقد أن مقالة رأي يمكن أن تربح في مسابقة قد يشارك فيها المئات، وتُقدّم إليها مقالات من شتى الأنواع الصحفية التي تتحدث عن خطاب الكراهية وسياقاته المختلفة في الشارع السوري، لكن لعلّ الصوت يصل بفوز أو عدمِ فوز، إلى لجنة التحكيم والقرّاء معاَ. هل اختار أحدٌ من القرّاء أو أعضاء اللجنة طائفته؟ مكان ولادته؟ وأهله؟ جواب هذا السؤال واضح لا يحتاج حتى إلى احتمالين: نعم، أو لا!
أسأل نفسي يومياً: كم مرة كنتُ هدفاً لخطاب كراهية بين مزاحٍ وجد؟ ولماذا لا أجيد الدفاع عن نفسي إلا بالحقائق والأدلة، التي كثيراً ما يعتبرها الطرف الآخر ضعفاً! ولماذا أصلاً يجب أن أُتهم باللهجة، والصوت، والدين، وحتى الموسيقى؟
مزة 86..
«يييي معقول هدول من المزة 86 وهيك أنيقات ولبسهن حلو؟»؛ لم يمرّ هذا سؤال على مسمعي مرور الكرام في إحدى حدائق العاصمة السورية دمشق، تحديداً «الحديقة الفرنسية»، اقشعرّ بدني من هذه الجملة، وشعرت بأن الكلام موجه إلي، فأنا أعيش ضمن تلك العشوائيات. قطعتُ حديث السيدتين وسألتهما: «هل تعرفان كم طبيبة، وكم أستاذة جامعية، كم مهندساً، وصيدلانياً، وصحافية، وطالباً يعيشون في هذه العشوائيات»؟ لتأتي الإجابة: «أكيد إنتِ علوية ومن الساحل كونك ساكنة هنيك؟ الله يساعدكن»!
كم منّا يعرف أن في منطقة المزة 86، حارة تسمّى «حارة الدروز» لأن أغلب سكانها من جبل العرب، ومن جبل الشيخ؟ وكم منّا يعرف أن «حارة الشوام» امتداد لـ«ساحة عروس الجبل» في المنطقة ذاتها؟ وكأن الوصمَ قدرُ المنطقة منذ 40 عاماً!
لم يكن صباح اليوم التالي أقل كراهية، ففجأة علا صوت أحد الزملاء مخاطباً الجميع في غرفة التحرير: «كيف بدي عيش بين العلوية يا زلمة»؟
وكأنهم من الكوكب الآخر!
انعكسَ وقع الخطاب صمتاً مُطبقاً إلى حد يتيح سماع رنين الإبرة إن وقعت على الأرض، فواصل الزميل: «أصواتهم عالية جداً، والكل يقاقي (أي يتحدث بحرف القاف الواضح)، والكل يراقب الكل».
«الشبيحة» مصطلح ألصقه البعض بأبناء كثير من مناطق الساحل والداخل السوري، دون الاكتراث بتأثيره النفسي على الأشخاص الذين لا يمتون بصلة لهذا المصطلح
لكأن حرف القاف عيب وليس حرف القرآن والإنجيل والتوراة! وكأن طبقات الصوت واحدة لكل أبناء وبنات الطائفة العلوية. إنه التنميط والتعميم، أحد أشكال خطاب الكراهية التي ورثناها من أحاديث بعض الأسر، وتصرفات بعض الأشخاص من مختلف الطوائف والملل والتوجهات.
هل فات الزميل العامل في مجال الإعلام أن قرى محافظة طرطوس على سبيل المثال تُصدر علامات في الخطابة والفصاحة، ويُصدر ريفا حمص الشرقي والغربي - كما دمشق وحلب وغيرهما - أصواتاً عذبةً، وبشراً مُتبايني السلوك والتصرفات؟!
جارتي أوصاف.. وأنا
تبدأ أوصاف، جارتي الأربعينية صباحها في العشوائيات بعيداً عن فيروز. تصدح بصوتٍ عذب عتابا وأغنيات لفنان شعبي من مدينة مصياف اسمه عادل خضور.
جارتي العاملة في أحد أفران العاصمة تفسر كل يوم لجارتها ابنة مدينة دير الزور معاني كل جملة وكأنها درست الموسيقى عن ظهر قلب، تمنيت لو أنها سمحت لي بتصويرها، لأكون قادرةً على الرد حين يتعرض سكان المزة 86 وكل المناطق المشابهة لخطاب كراهية فيه من الصور النمطية والأشياء المتوارثة الكثير.
لا تزال أوصاف محتفظةً بلهجة قريتها الأصلية، التي تستخدم حرف «أ» كأداة نفي، وتفتخر. تقول لي: «لا يمكن أن أفكر بتغيير لهجتي رغم أنني أقطن في دمشق منذ 23 عاماً»، وتشير إلى أنها تتعرض للانتقاد كثيراً، لكنها ترد بقسوة على كل منتقد/ة للهجتها وتعتبر أن هذه اللهجة جزءٌ من هويتها المناطقية والطائفية، ولا شيء يعيبها. تلوم جارتي أوصاف كلّ من يُغير لهجته ليتجنب الانتقاد، وتعتقد أن جزءاً كبيراً من المسؤولية عن تفشي خطاب الكراهية ضد أي لهجة ومنطقة إنما يُسهم فيه أبناء المنطقة أنفسهم، «عندما يغيرون لهجتهم ولا يواجهون المجتمع».
أُفكر مليّاً في كلام الجارة الأربعينية، وأُفكر في قائمة ردود يجب أن أضعها في جيبي، مليئة بالحقائق والمعلومات، التي تُعتبر السلاح الأول لمواجهة خطاب الكراهية حسب ما يتحدث المنظرون حوله، وأولها أن العتابا نوع من أنواع الفنون الشعبية التي يتميز بها أهل الساحل والداخل، ومنهم أبناء الطائفة العلوية، كانت تهدهدها الأمهات للأبناء حتى يناموا، ويقولُها العاشق لمحبوبته، وأن المطرب الكبير فؤاد فقرو كمثال بسيط هو من أبناء هذه الطائفة، وأن أدونيس الشاعر والمفكر الغني عن التعريف هو ابن ريف مدينة جبلة، وأن حسن م يوسف من الريف الجميل ذاته، وأن قريتي (مريمين) التابعة لمحافظة حمص، وُجدت فيها لوحة فسيفسائية نادرة وعريقة لنساء يعزفن مقطوعة موسيقية (لوحة النساء العازفات تعود للقرن الرابع الميلادي، وهي من أقدم، ويُقال أقدم لوحة في العالم تُمثل العزف)، فكيف لا تكون أصواتنا مختلفة إذاً؟ منها الجميل ومنها غير الجميل، ومنها حادّ وآخر رفيع؟

«لولا إنكن شبيحة»
لا يخفى أن «الشبيحة» مصطلح يجيده ويعرف معناه السوريون والسوريات عن ظهر قلب، ألصقه البعض بأبناء كثير من مناطق الساحل والداخل السوري، دون الاكتراث بتأثيره النفسي على الأشخاص الذين لا يمتون بصلة لهذا المصطلح الذي كثيراً ما يُلصق بالرأي السياسي للأشخاص الذين يعودون بأصولهم إلى الساحل السوري، أو بعض المناطق في الداخل، من دون أن يتذكر الشخص الذي يلقي التهم أن تلك المناطق كانت، وما زالت، وستبقى جزءاً من البلاد، وأن أبناء هذه الطائفة منذ الخمسينيات ينتمون إلى أحزاب مختلفة ومتعددة، منهم الشيوعيون والسوريون القوميون، وغيرهم، والأحرار الذين لا ينتمون إلى أي حزب، ولا يناصرون أي قضية إلا الإنسانية.
«لولا إنكن شبيحة»، هذه هي العبارة/التهمة/الوصمة التي جعلت سامر، وهو طالب في كلية الطب البشري يقرر نقل دراسته إلى جامعة تشرين في مدينة اللاذقية، ويتقوقع ضمن مجتمعه على حد تعبيره، وخصوصاً أنه من عائلة لها تاريخ سياسي معين. يؤكد لي أن بعض الاتهامات والخطابات التي تتضمن تنميطاً وكراهية جعله يفقد الأمل من قدرته على العيش في دمشق، وأثر عليه نفسياً، حتى إنه لجأ إلى معالج نفسي لعله يتجاوز آثار خطاب الكراهية والتعميم.
«مبين ضيعة»
«كتير مبين/ة ضيعة»، هو مصطلح يستخدمه البعض في سوريا، للدلالة أو الاستهزاء من قيمة شخص ما، وكأن الانتماء إلى الريف تهمة! وكثيراً ما تكون الجملة أطول وأكثر تحديداً: «مبين/ة ضيعة من الساحل كتير»، في إشارة إلى الانتماء إلى طائفة بعينها، وكمثال آخر: «ميّشت شعراتها (أو شقّرت شعراتها) قبل العرس متل العلويات»!
في علم المنطق يقال إن «بعض هي جزء من كل»، في إشارة فلسفية إلى أن التعميم قاعدة خاطئة على كل شيء، هذا لا يعني أن الكل يوجه خطاب كراهية إلى أبناء الطائفة العلوية، وفي الوقت ذاته لا يعني أن كل أبناء الطائفة العلوية لا يوجهون خطاب كراهية إلى جماعات أو مجموعاتٍ أخرى، لكن السؤال الأساسي بعد 13 سنة من الحرب: ماذا فعل الإعلام السوري؟ لماذا لم نشاهد برامج تراعي اللهجات السورية المختلفة؟ ماذا صدّرت الدراما عن أبناء الطائفة سوى أن معظمهم ضباط في الجيش، وعناصر أمن؟ وماذا صدرت المناهج الدراسية والجامعية؟
ماذا لو تحدثت مذيعة في البرنامج الصباحي بلهجة أهل الساحل؟ وأخرى بلهجة أهل حلب؟ وثالثة بلهجة السويداء، وأخرى بلهجة أهل درعا؟ هذه الأسئلة هي مونولوجٌ داخلي، وحلم على عتبة البلاد لعله يتحقق في زمن الأحفاد، فتكون لكلٍّ طائفته التي لا يخجل بها، ولا يخجل بلهجتها، ولا بموسيقاها وعاداتها وتقاليدها، وطبعاً شريطة أن يكون انتماؤه إلى سوريا أوّلاً وقبل كل شيء، وتكون سوريا بألفها الممدودة خالية من خطاب الكراهية.
- فاز هذا المقال بالمركز الثاني في الدورة الثالثة من مسابقة «100 صوت سوري ضد خطاب الكراهية».