ينتشر في الشمال السوري ما يعرف بتجارة «الدولار المُجمّد»، إذ يلفت انتباه مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي وجود عشرات المنشورات التي تتعلق ببيع هذا الدولار مقابل نصف سعره الحقيقي.
يقول ساهر (اسم مستعار) وهو أحد تجار تلك العملة إن الفرق الوحيد بين «الدولار المجمد» والنظامي هو العجز عن إيداع الأول في أحد البنوك نتيجة تجميد أرقام العملة الخاصة به من بعض الدول أو البنك الدولي.
يأتي التجميد عادة بعد فرض عقوبات على أرصدة لأشخاص، سواء كانوا رؤساء دول أو عاملين ضمن مناصب رفيعة في أجهزة الدولة.
يقول ساهر إن غالبية تلك الأرصدة «تصل من مناطق النزاع حيث تشهد نشاطاً كبيراً لتجارة الدولار المجمد ولا سيما سوريا والعراق وليبيا واليمن وإيران، التي تشهد فقداناً أو تراجعاً لرقابة الدولة».
ويلفت التاجر إلى فارق كبير بين الدولار المجمد والمزور، فالأخير «يُصنع بطرق مختلفة ولا يحوي أي رصيد. أما المجمد، فيتطابق مع النظامي ولا يمكن اكتشافه إلا في البنوك الدولية».
متى ظهر؟ وما مصادره؟
يدّعي القائمون على عمليات بيع «المجمد» أنه استخدامه ممكنٌ في الأسواق الحرة في عمليات التداول والبيع والشراء، شريطة ألا يجري إيداعه في البنوك الخارجية والدولية.
ارتبط الظهور الأول لهذا الدولار بحرب الخليج الثانية عندما فرضت القوى الغربية وفي مقدمها الولايات المتحدة حزمة إجراءات على مجموعة من البنوك الكويتية تمثلت في تجميد أصول تلك الأموال عندما سيطرت عليها القوات العراقية التي اجتاحت الكويت.
لذلك، يأتي العراق في المرتبة الثانية ضمن الدول المصدرة لـ«الدولار المجمد» بعد ليبيا، وتزامن تصدير هذا الدولار مع بدء الاجتياح الأميركي للعراق العام 2003 وانتشار الفوضى في البلاد مع سيطرة قوى متنوعة على البنوك.
من الدول التي ينتشر فيها «المجمد» أيضاً فنزويلا وإيران اللتان شهدتا تجميد أصول بنكية لشخصيات نافذة، وهكذا ينتشر سماسرة هذا الدولار على امتداد شبكة كبيرة في ليبيا وسوريا والعراق واليمن وتركيا، ودول أخرى النظام المالي الرقابي فيها ضعيف بعض الشيء أو غائب.
لكن يقول مراقبون إن مدينة إسطنبول التركية باتت بؤرة لانطلاق تلك العملة وانتشارها، لأنها كانت مقراً للأموال العراقية سابقاً بعد الحرب بجانب بيروت وعواصم أخرى، بالإضافة إلى كونها مسرحاً لنشاطات محسوبة على حكومة «الوفاق» الليبية. ومع بدء تدهور الليرة التركية استجرّ تجار وأصحاب رؤوس أموال كميات كبيرة من الدولار من «الوفاق» الموالية لتركيا إلى إسطنبول، لكن جرى تجميدها قبل وصولها هناك، ليجري ضخها في السوق السوداء بدلاً من البنوك.
في الشمال السوري
يقول الخبير المالي أحمد السطيف إن انتشار «المجمد» بكثافة في الشمال السوري بدأ مع إحضاره من ليبيا في جيوب المقاتلين السوريين الذين ذهبوا للمعارك هناك إلى جانب الأتراك، «إضافة إلى تجارة المخدرات (عبر مختلف الجغرافيات السورية) فضلاً عن تجارة النفط مع قوات قسد».
يقول مراقبون إن مدينة إسطنبول التركية باتت بؤرة لانتشار الدولار المجمّد نحو مناطق عديدة، من بينها الشمال السوري
يضيف السطيف: «المعروف أنه في الشمال ثمة تداول مباشر للعملة وغياب للبنوك والرقابة المصرفية وحتى أجهزة الفحص، ومن النادر أن يتعامل أحد هناك مع البنوك».
نتيجة لذلك، تسببت تجارة «الدولار المجمد» في فتح المجال لدخول شبكات «المزوّر»، إذ يجري بيع الأخير على أنه مُجمّد، وهو ما أدى إلى عمليات نصب وقع فيها ضحايا كثر.
من هؤلاء أنس الحمود الذي تواصل مع شخص من مروجي الدولارات المجمدة خلال عمله في تركيا، واتفقا على اللقاء في مكان ما لتبادل الأموال، وعند اللقاء دفع الشاب خمسمئة دولار نظامية، وحصل على ألف قالوا له إنها مجمدة.
يقول الحمود: «كان الهدف من تلك الخطوة مضاعفة رصيدي لكنني فوجئت بعد العودة إلى سوريا بأنها مزورة بالكامل».
لا تتوقف حالات النصب على الأهالي فحسب، بل تشمل محال الصرافة والمجوهرات. يقول مالك شركة «السلام» للمجوهرات، ميلاد دغيم، إن زبائن كثراً يترددون إلى المحل وعند المحاسبة يتبين أن المبلغ بحوزتهم دولار مزور يظهر أنهم اشتروه على أنه مجمد.
يقول الدغيم: «معظم الصرافين أو أصحاب المجوهرات يستطيعون تمييز المزور بعدد من الطرق لكن هذا لا يمنع تعرض بعض المحال الحديثة لحالات نصب».
ويتساءل: «إذا افترضنا أن الدولار المجمد الذي يباع بنصف القيمة لا ينكشف بالعدادات المالية الحديثة، فلماذا لا يتداوله أصحابه بدلاً من بيعه للناس؟».
يلفت الخبير المالي السطيف إلى أن معظم أوراق «الدولار المجمد» من فئتي 100 و50 بخلاف المزور الذي يشمل الفئات النقدية للدولار كافة.
«تحريم شرعي»
في 2/2/2021، أصدر «المجلس الإسلامي السوري» فتوى قال فيها إنه «بعد الرجوع إلى أهل الاختصاص من الاقتصاديين تبيَّن أن ما يسمى الدولارات المجمدة لا تعد أموالاً على الحقيقة، فلا يجوز التعامل بها صرفاً ولا بيعاً ولا شراءً، والتعامل بها إن ثبت وجودها محرم».
وأضاف المجلس: «هناك أموال عطَّلت المؤسسات المالية أرقامها التسلسلية بسبب السرقة أو غسيل الأموال ونحو ذلك، لكن غالب ما يُتداول تحت اسم الأموال المجمدة إما أن تكون أموالاً مزورة غير حقيقية، ويُطلق عليها هذا الاسم تضليلاً وخداعاً، أو الجهات المتعاملة بها تستخدم هذه التسمية للتضليل والاستدراج ثم تسلب الأموال بالخداع أو التهديد».