× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

من حماة.. «هنا لندن»

حكاياتنا - ملح 12-02-2024

كمعظم سكان سوريا عشت سنوات طويلة على الإيقاع الرزين لساعة «بيغ بين» الشهيرة في لندن، عبر صوت إذاعة كان يتصاعد في مساءات قريتي بريف حماة سنوات الثمانينيات، حين اقتضت سيرة حياة أبي أن يكون بعيداً عن مسقط رأسه، وأن نسمع أخبار المدينة القريبة بتفاصيلها الدقيقة (ما سماها السوريون "أحداث الإخوان") من إذاعة تبعد عنا آلاف الكيلومترات

الصورة: AFP

كموعد صلاة لا يتغير بتغير الفصول والأيام، وكل يوم، ما إن تغيب الشمس، حتى يجرّ أبي «طراحته» البنية اللون، والمخدة ذات الزهور الزرقاء اللانهائية إلى تحت شجرة المشمش، قرينة الدار، ويستلقي هناك في تلك العتمة المحببة، وينتظر دقات الساعة. قبل أن تنتهي الدقة الأخيرة يقفز صوت مذيع جهوري ليخترق عتمتنا: «السادسة مساءً بتوقيت غرينتش، هذا موعد نشرة الأخبار المسائية، هنا لندن، محطة هيئة الإذاعة البريطانية، أهلاً بكم».

كان ذلك صوت المذيع الفلسطيني ماجد سرحان يصدح من «بي بي سي» كما صرنا نحن الصغار نلفظها، فكانت من أوائل الحروف الإنكليزية التي حفظها جيلي في غياب دروس هذه اللغة. في ما بعد، سأكتشف أنّ «بي بي سي» كانت تقدّم دروساً لتلك اللغة ولكن احتفاظ أبي بالراديو في غرفته كما لو كان كنزاً مقدساً يُمنع الاقتراب منه حرمني تلك الدروس. 

كانت تلك الموسيقا والأخبار الأصوات الوحيدة التي تشي بوجود موجات راديو في السماء حولنا، وأغنيات أم كلثوم، وسميرة توفيق تُثبت لنا نحن الصغار أنّ هناك أصواتاً شجية أجمل من صوت «درويش بوعلوش» الذي يحتل سهرات الضيعة في الأفراح والأتراح، وأنّ هناك بشراً في الجهة الثانية للعالم (للقرية نفسها المعزولة عن الحياة تقريباً) مشكلاتهم لا تشبه مشكلاتنا، ولديهم ربما أحلام مختلفة عن أحلامنا المتمحورة في تلك الفترة حول الوصول بسلام وسلامة إلى المدرسة.

أظنني أتشارك مع كثير من الناس على الأرض ـ لا مبالغة في ذلك ـ مثل هذه الذكريات اللطيفة، رغم أنّ الأخبار السياسية لم تكن يوماً لطيفة. كانت الإذاعة التي انطلقت في مطلع القرن الماضي تبث بأربعين لغة عالمية، حتى وصلت منتصف الثمانينيات إلى سبع وعشرين لغة من بينها العربية واليابانية والزولو.

هذه المشاركة في لذة الراديو لن يعرفها الجيل الجديد، ليس لأنه ابن مرحلته، وهذا طبيعي، بل لأنني أعتقد أن أجمل ما كان في ذلك الوقت الندرة في كل شيء يتعلق بالتواصل، أما اليوم فهناك طوفان تواصلي يجعل من احتمال أن تنفردي بذكر حادث جرى لك مع سيارتك أمراً نافلاً.

كانت الإذاعات الوطنية آخر الإذاعات التي يلجأ إليها الناس لمعرفة الأخبار

الندرة في الراديو خلقت تواصلاً من نوع إنساني. أذكر أنّه عقب كل برنامج إخباري من «بي بي سي» كان هناك جدل حاد بين الجمهور في قريتي باعتبار أبي كان ثاني اثنين يمتلكان راديو في تلك القرية. هذا الجدل امتد إلينا ونحن نحفظ أسماء الرؤساء ووزراء الخارجية والمطربين والمطربات، والمذيعين والمذيعات، وحتى مواعيد البرامج التي يجب أن نحضرها.

بالطبع، كانت الإذاعات الوطنية آخر الإذاعات التي يلجأ إليها الناس لمعرفة الأخبار. يتعلق الأمر ببساطة بأننا كنا ندرك منذ ذلك الوقت أنّ هذه الإذاعات هي كما وصفها لاحقاً محمد الماغوط «إذاعات الثرثرة» (صححوا لي لأن ذاكرتي بيضاء هذه الأيام)، وأن من الصعب أن تتنفس هذه الإذاعات دون ضوء أخضر من جهة ما. للحق كانت إذاعة دمشق، خارج الأخبار والتحليلات السياسية الإجبارية، غنية بموادها السمعية، ولا أظنني أنسى كم حفظت من الشعر من برامجها.

كان جدل رجال قريتنا (النساء مستمعات غالباً) حول تلك الأخبار يومياً وحادّاً، فقد انتشر بين كثير منهم أنّ «بي بي سي» هي إذاعة المخابرات البريطانية، أو على الأقل توجهها الحكومة البريطانية. ويضربون لذلك مثلاً من أيام ما كانت «إذاعة يونس بحري» تبث من ألمانيا زمنَ الحرب العالمية الثانية (ربيع 1939) وتبدأ بثها بعبارة: «هنا برلين، حي العرب»، في تقليد غير ناجح للإذاعة البريطانية، فقد استطاعت الأخيرة أن تقنع كثراً بأسلوبها المبتكر آنذاك أنها تبقى على مسافة من الجميع. أقلّه هذا ما كان الناس يعتقدونه حتى سنوات قليلة مضت.

في وقت لاحق، حاولت فرنسا عبر «مونت كارلو» أن تسحب جمهور «بي بي سي» الرصين إلى جو الفرانكوفونية، ولكنني أعتقد أنّ نهج «مونت كارلو» لم يدرك طبيعة شرقنا المغرق في المحلية والبعيد عن لحظات «أميغو» (حكمت وهبة) الصباحية الجميلة. أما «بي بي سي»، فبقيت أقرب إلى الجو المحافظ لنا جميعاً، فهل من ينسى برنامج «بين السائل والمجيب» الذي عاش بنسخته العربية أكثر من نصف قرن؟

العامَ الماضي أعلنت هيئة الإذاعة البريطانية توقف بثها الراديوي بالعربية، وبلغات أخرى أيضاً، مبررةً ذلك بقلة الموارد المالية، مع استمرار بثها التلفزيوني (الحديث نسبياً). بقدر ما أثار القرار امتعاض جيلي وأجيال قريبة منه، لكن الخبر مرّ مرور الكرام كما يقال لدى الأجيال «الفايسبوكية» الجديدة، وهذا طبيعي، ففي زمن البث المباشر والبودكاست والتيك توك، لم يبقَ محل للمعلمين، فقد بات الجميع معلمين، ومعلمات في كل شيء!

اليوم_الدولي_للإذاعة هيئة_الإذاعة_البريطانية هنا_لندن راديو_مونتي_كارلو حماة

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0