× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

في الحرب.. على الأمهات الموتُ أوّلاً

حكاياتنا - ملح 27-03-2024

هل سيسامحني أطفالي عندما يكبرون؟ هل سيفهمون يوماً عجزي أحياناً عن مجاراتهم في طفولتهم؟ هل سيعرفون أنهم دائماً كانوا اليد التي تسحبني من فراغ كنت غارقة فيه لا محالة لولا وجودهم؟ وهل سيسامحونني لأنني لست كالأمهات اللواتي يظهرن في التلفاز مهذبات وسعيدات؟

الرسم: (محمد سباعنة - كارتون موفمينت)

أصبحت أمّاً للمرة الأولى بعد سنوات قليلة من اندلاع الحرب في سوريا. منذ اللحظات الأولى لإنجابي أدركت أنّني لن أكون الأمّ التي تخيلتها، وأنّ الصورة التي جهدت طويلاً لرسم أدق تفاصيلها دفنتها الحرب في مخيّلتي!

بدلاً من الانشغال بتحويل غرفة النوم إلى عالم من اللون الزهري، انشغلت بتحويل غرفة الاستقبال إلى مكان يصلح لعيش طفلة في أيامها الأولى بدون أن تتجمد من البرد. وبدلاً من شراء الدمى والألعاب كنت أوفّر كلّ قرش لشراء الحفاضات التي قد تختفي من الأسواق فجأة بلا أي مبررات، وبدلاً من الشعور بالفرح والسعادة لأنني صرت أُمّاً أخيراً لم أشعر إلا بالقليل من الحماس والكثير جداً من الخوف والقلق. 

مرّت الشهور الأولى على ولادتي قاسية، كنت وزوجي كمن يحارب طواحين الهواء. في تلك الفترة اختبرت جيداً معنى أن تعيش إحدانا على هامش الحرب فلا تموت ولا تحيا، وعلى هامش العالم فلا هو يراكِ ولا أنت ترينه، وعلى هامش الحكومة فلا هي تريدك ولا أنتِ تريدينها، معنى أن تصبحي مضطرةً للمقاومة وأنت في عز رغبتك بالاستسلام والتنحي جانباً ليمرّ موكب الحياة التي باتت تفصيلاً ثانوياً بالنسبة لك، وفي انتظار الربيع كانت طفلتي تكبر وتقوى وأنا كنت أتحول من كائن عادي هش وضعيف إلى أمّ.

بمرور الوقت صرت أعرف من أين تأتي الأمهات بهذه الصلابة للاستمرار، وبتلك القوة الظاهرية إذا ما تعلق الأمر بحماية أطفالهن، وبدأت أفهم كيف يتشكل معنى الوجود وغايته على شكل يدين وقدمين ووجه وابتسامة وخطوات أولى. صرتُ متأكدة أن الجميع يخوضون حرباً واحدة، بينما تخوض الأمهات حربين: واحدة في الخارج يصنعها الرجال والقنابل والقذائف والصواريخ، وأخرى داخل قلبها أقسى وأشدّ وطأة، يصنعها الخوف على أطفالها من الموت أو الألم أو الحزن أو الفقد. لكن هذا الخوف ليس من النوع الذي يجعلك جبانةً بل هو خوف يجعلك أقوى لأنه ليس خوفاً على نفسك بل على أعزّ ما تملكين.

الجميع يخوضون حرباً واحدة، وتخوض الأمهات حربين: واحدة في الخارج يصنعها الرجال، وأخرى داخل قلبها أقسى وأشدّ وطأة، يصنعها الخوف على أطفالها

أتذكر جيداً دعاء أمي الذي طالما رددته على مسامعنا أنا وأخي: «الله يجعل يومي قبل يومكم».. الدعاء الذي لم أعتقد يوماً أنني سأردده، إلى أن وجدتُ نفسي بعد كلّ مرّة أستيقظ فيها مذعورة أبحث في العتمة كالمجنونة عن أطفالي، أتلمس أجسادهم جزءاً، جزءاً، وأدعو من كل قلبي أن يجعل الله يومي قبل يومهم. في الحرب إن كان على أحدٍ أن يموت، فعلى الأمهات أن يمتن أولاً. 

كم خفت أن أختبر معهم ما لا طاقة لأم على احتماله، وكم زارتني في كوابيسي صورة تلك الطفلة التي تخبئ وجهها في حضن أمها خوفاً من سيوف «داعش» التي تتجهز لذبحهما. لا أعرف كيف مرّت تلك اللحظات على تلك الأم ولا أدري كم أحست بالعجز والرعب، وحتى هذه اللحظة أحس بالدوار كلما فكرتُ بما حدث لهما بعد لحظة التقاط الصورة، وبالألم لأنني أدرك جيداً أن قصتهما ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، وأن سيوف «داعش» موجودة بألف شكل ونوع وانتماء. 

في رواية «الخروج إلى الهواء الطلق» يقول جورج أورويل على لسان البطل: «الحرب تفعل أشياء استثنائية للناس، وما يكون أكثر استثنائية من الطريقة التي قتلتهم بها هي الطريقة التي لم تقتلهم بها». 

أجل، نستطيع القول اليوم إننا نجونا من الموت العشوائي، كما نجونا من الموت المنظم. ولكن هل نجونا من الحرب؟ وهل نجونا من الذكريات التي ما زالت تلاحقنا؟ ومن المشاهد التي حفرت عميقاً داخلنا؟ وهل نجونا من أشباح من سرقتهم الحرب منّا؟ وهل نجونا من تبعات الحرب الاقتصادية التي حوّلت حياتنا برمّتها إلى حرب لا طائل منها؟ حرب نخوضها كلّ يوم ونحن نعلم أننا الخاسرون لا محالة، والأهم من هذا كلّه هل نجا أطفالنا من الحرب التي يقولون إنها انتهت؟ وهل بقي فينا ما يعيننا لنأخذ بيدهم بعيداً عن رائحة الموت التي تقوح من كل مكان في هذه البلاد التعسة، ونحن نراهم كيف صاروا يحملون همّاً ليس همّهم، ويقفون أمام واجهات المحال يشتهون ويشتهون ثم يصمتون؟ 

أتساءل يومياً: هل سيسامحني أطفالي عندما يكبرون؟ هل سيفهمون يوماً عجزي أحياناً عن مجاراتهم في طفولتهم؟ هل سيعرفون أنهم دائماً كانوا اليد التي تسحبني من فراغ كنت غارقة فيه لا محالة لولا وجودهم؟ وهل سيسامحونني لأنني لست كالأمهات اللواتي يظهرن في التلفاز مهذبات وسعيدات؟ 

الآن.. في هذه اللحظة بالذات، وبينما أسمع أصوات أنفاس أطفالي نائمين آمنين مطمئنين، ومعتقدين أن الحرب تجري في مكان بعيد جداً عنهم، أجد الفرصة لألعن الحرب بصوت عالٍ، ولأبكي، أبكي ما استطعت، لعلّي أفرغ ذاكرتي قليلاً من مشاهد الموت، ومن دموع الأمهات وصرخاتهن والرعب في عيونهن، ومن صور الأطفال في المخيمات، وفي مراكب الموت، وتحت القصف، لعلّي أستطيع أن أنام وأنا معتقدة أن الحرب تجري في مكان بعيد، بعيد جداً.


Share!

لا يتبنى «صوت سوري» أي توجه مسيس للملف السوري ولا تقف وراءه أي جهة سياسية.
نحن نراهن على دعمك لنا في الوصول إلى جميع السوريين والسوريات.

إذا رأيت أن خطابنا يستحق الوصول انشري / انشر هذا المقال من فضلك

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها