× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

الغد.. ذلك الكمين!

حكاياتنا - ملح 27-03-2024

حين أستذكر فترة شبابنا والحياة التي عشناها أشعر بالخجل مِن جيلٍ بأكمله، الجيل الذي لم يذق شيئاً مِن نعيم البلاد، ولا يعرف عن طلاوة الأوقات التي قضيناها، ولم تربطه بالغد علاقةٌ أساسها الأمل والأحلام الكبيرة كتلك العلاقة التي جمعتنا عندما كنّا شبّاناً وشابّاتٍ بمفهوم الغد، أو المستقبل

الرسم: (وسام أسعد - كارتون موفمينت)

بين مدّة والتالية أعتذر لولديّ اللذين أصبحا شابّين عن اضطرارهما إلى مواجهة ظروف الحياة القاسية والمرهِقة التي نعيشها جميعاً حالياً، فعندما أنجبتهما كانت الظروف ملائمةً تماماً مِن جميع النواحي، وما مِن داعٍ للقلق بخصوص الغد، الغد الذي أصبح اليوم أشبه بِفخٍّ أو كمين، لا نعرف شيئاً عن المفاجآت التي يحملها.

أقول لابنيَّ عندما يتابعان فيلماً أو مسلسلاً سوريّاً من زمن ما قبل الحرب، ويُجريان المقارنات بين ظروف الحياة حينها وظروفها اليوم: «آسفة صدقاً، كانت حياتنا بهذا اللطف، وكنتُ أظنّها ستستمرّ كذلك، لو أنني أعرف أن الأمور ستنقلب رأساً على عقب ما ورّطتكما في هذه المعاناة، إذ ليس مِن الحكمة أن يفكّر أحدٌ بالإنجاب تحت النار وأمام احتمالات الفقر والقهر والخطر».

أعاود الاعتذار منهما عندما تصبح إنارة البيت خافتةً للغاية، وتقترب البطاريات مِن استنفاد شحنها بينما يغيب التيار الكهربائي مدةً لا تقلّ عن خمس ساعات، إذ عليهما أن يكملا دراستهما رغم هذا الضوء الشحيح، ليس هذا فقط، بل عليهما أن يكونا خارقَين تقريباً في مجال العلم، لأنّ المناهج الدراسية تصبح أكثر تعقيداً عاماً بعد عام، كأنّ واضعيها يتعمّدون الإمعان في تعجيز الطلاب، غير مشفقين على الأوضاع الصعبة التي يواجهها الأهل والطلاب في منظومة تعليمٍ شبه منهارة، على الأهل أن يتحملوا بسببها نفقات التدريس أضعافاً مضاعفةً، لأن المرحلة الثانوية في المدارس أصبحت مجرد «إكسسوار»، مِن المألوف ألّا يذهب الطلبةُ إليها ولا المعلمون الذين تحوّل معظمهم لإعطاء الدروس الخصوصية بأسعار مرتفعة.

أعتذر أيضاً عندما أؤجّل بعض طلباتهما بسبب التفاوت الكبير بين الأسعار والرواتب التي نتقاضاها، لا سيّما أنّهما مضطرّان لمشاهدة أبناء بعض تجار الأزمة الذين يمتلكون ثرواتٍ هائلة ويتباهون بمظاهر الترف ويستعرضون أموالهم أمام الناس، إذ أصبحوا «ذوي شأنٍ» بين ليلةٍ وضحاها مِن بعد طول فشلٍ وحاجة، لا يعنيهم أنّ الآخرين يعرفون مصدر أملاكهم، المهم أنّ الظروف الدامية جعلتهم «ملوكاً».

أنجبنا أولادنا وربّيناهم كي تصبح أكبر أحلامنا أن يسافروا بعيداً عنّا لأنها الصيغة الوحيدة الكفيلة بتعبيد طرق أحكمت أطراف عديدة إغلاقها أمامهم

حين أفكر في الأندية والمرافق الرياضية التي كانت ترفّه عنّا في شبابنا، وفقدانها شبه التام هذه الأيام، أعتذر لأنّ الحال اليوم يبدو مشلولاً ومقتصراً على دوري كرة القدم، الذي يتمسّك به الناس رغم رداءة الظروف لأنه «الناجي الوحيد» مِن بين النشاطات التي كانت تضجّ بها البلد سابقاً.

لا رحلات مدرسية، ولا جامعية، لا شواطىء مناسبة للسباحة كتلك التي أتيحت لنا، وفكرة السفر للتعرف على موقع أثريٍّ أو مدينة قريبة، غير واردة بالمطلق لأنها تحتاج ميزانية مِن الأفضل تركُها للأمور التي نعتبرها أولوية.

كيف إذاً يتعرّف شابٌّ مِن أبناء هذا الجيل على بلده ويجرّب الترويح عن نفسه في الأماكن التي يُروّج لها بشدّة يومياً؟ الجواب: عليه أن يتغرّب!
هذا الجواب، رغم المرارة العميقة التي يحملها، ورغم السوداوية التي أدّت إليه، يبدو الجواب السحري والحلّ الوحيد لمشكلات أولادنا، فالغربة مِن شأنها أن تزيح الغد الذي ينصب فخاً ويجهّز كميناً ليأتي عوضاً عنه غدٌ بحقيبةٍ أبهى، محمّلٌ بالهدايا والجوائز.

تخيل/ي أننا أنجبنا أولادنا وربّيناهم وسهرنا وتعبنا كي تصبح أكبر أحلامنا أن يسافروا بعيداً عنّا! لا لأننا نفضّل هذا، بل لأنها الصيغة الوحيدة الكفيلة بتعبيد الطرق أمامهم، الطرق التي أحكمت أطراف عديدة إغلاقها في وجوههم، كأنّ التخلّي عنهم لصالح بلاد أجنبية غاية ومنطلق كلّ ما جرى.

هذا التمزيق السافر للصورة التقليدية للعائلة الجميلة التي ألِفناها وتوارثناها أباً عن جد، أصبحنا نقترفه بأيدينا كي ننقذ أبناءنا مِن لعنة الحرب وتجارها والتهديدات التي يلوّح بها هذا التحالف الدولي أو ذاك، راغبين في إبعادهم عن الفساد وأربابه، عن المطبات والمعوقات والطوابير والأزمات الممهورة ببطاقة ذكية، عن شبح المعارك والحواجز الطيارة المتربصة بأحلامهم، حتى لو كان ذلك على حساب تكحيل أعيننا بمرآهم ينجحون ويكبرون ويسعون في سبيل تحقيق طموحاتهم، حتى لو فرض هذا أن يتزوجوا وينجبوا ويعيشوا مع أحفادنا بعيداً عنّا..

أعتذر من أبنائي لأنني سأدفعهم بنفسي إلى السفر رغم تشبّثي غير المشروط بتراب هذه البلاد، على الأقل أنا عشتُ أياماً جميلة قبل أن يتحول كل شيء حولنا إلى شقاء وبؤس، ولأنني أحبهم أريدهم أن يعيشوا الحياة التي لا يخافون فيها الغد.

لكن من يعتذر مني لأنّ هذا السيناريو القاتم مفروضٌ عليّ؟ 

أو، من ذا الذي يجنّبني فخاخ الغد؟
..


Share!

لا يتبنى «صوت سوري» أي توجه مسيس للملف السوري ولا تقف وراءه أي جهة سياسية.
نحن نراهن على دعمك لنا في الوصول إلى جميع السوريين والسوريات.

إذا رأيت أن خطابنا يستحق الوصول انشري / انشر هذا المقال من فضلك

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها