× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

كنتُ أمّاً.. واستقلت!

حكاياتنا - ملح 29-03-2024

أحياناً أتساءل ماذا لو أنني ولدت ونضجت في زمن أقدم من الحرب، أو لو أن الحرب لم تحصل؛ كيف سيكون شكل العلاقة مع أمي؟ أو هل كنت سأود لو أنجب وأصير أماً؟؟

الرسم: (Brady Izquierdo Rodríguez - كارتون موفمينت)

أُشبه أمي كثيراً في الشكل، لكننا مختلفتان للغاية في تعاطينا مع الحياة.

أمي امرأة ريفية بسيطة تحب أن تعطي بلا حدود وتحب أن تكون أماً، لذا أنجبت سبعة أطفال وهي لم تتجاوز الأربعين من عمرها. وكأغلب الأمهات السوريات اختبرت أمي معنى الأمومة قبل وبعد الحرب، ويمكنني اليوم أن أدرك مدى التبدل الذي حصل في شخصيتها وكيفية تعاملها مع ما حدث، ومعنا، ومع مسؤولية أن تكون أماً يتوجب عليها حماية أطفالها وضمان سلامتهم والقذائف تهبط حولهم. 

ما حدث خلال الحرب وبعدها جعل الأشياء تبدو حقيقية أكثر، لقد عرفنا أمي بتجرد، عرفناها خائفة ومرعوبة، يمكنها أن تبكي عند أي موقف، وتصاب بنوبات هلع لدى سماع صوت طائرة أو سماع أصوات القصف، ورأيتها امرأة مهجورة وتائهة عندما دفعت الحرب بأخي الكبيرة للهجرة، لقد فقدت أمي صلابتها القديمة.  

لم يكن من السهل أن أتقبل النسخة الجديدة من أمي، النسخة الهشة للغاية، وأعترف أنني ولفترة قريبة جداً كنت عندما أتخيل صورة أمي في رأسي أو عندما أحلم بها فإنني أتخيل صورتها القديمة قبل الحرب، عندما كانت في كامل قوتها. لزمني كثير من الوقت والقراءة والتجربة كي أنضج وأنظر إلى الأم والأمومة بمعزل عما تعلمناه في الكتب المدرسية، وبمعزل عما يحاول المجتمع حولنا أن يكرسه عن الأم المضحية، الأم التي لا تخطئ، لا تضعف، لا تنكسر، الأم التي يمكن اللجوء إليها دوماً، الأم التي تنتظر إلى ما لا نهاية بصمت وقوة وبأس.

غيرت الحرب شكل علاقتي بأمي، تبادلنا الأدوار في لحظة ما، لم أعد أذكر متى حدث ذلك ولا كيف حدث على وجه التحديد، لكنه حدث بالفعل

ليس من السهل أبداً أن تصبحي أماً في مثل هذا المجتمع الذي يطالب الأمهات بأن يكن ملائكة، أو أن يمتلكن قدرات خارقة في التعامل مع ضغوط الحياة والزواج والعائلة وتربية الأطفال حتى ينلن الرضا والقبول، وفوق كل هذا جاءت الحرب. 

غيرت الحرب شكل علاقتي بأمي، لقد تبادلنا الأدوار في لحظة ما، لم أعد أذكر متى حدث ذلك ولا كيف حدث على وجه التحديد، لكنه حدث بالفعل. تخلت أمي عن دورها بكل طواعية، وأنا بكل مسؤولية استلمت عنها هذا العبء، وصرت أمها بشكل ما! 

لقد جعلتني الحرب - كما حدث مع كثير من السوريين والسوريات - أكبُر بسرعة وبدون أن أعيش المراحل العمرية كما ينبغي أن تعاش، لقد وجدت نفسي في ساحة المعركة في سن مبكرة، أؤدي من الواجبات ما يُفترض أن تكون مسؤولية أمي أو والدي المتوفى، ولأن أمي لم تكن موجودة كما ينبغي فلقد تعلمت كيف ألعب هذا الدور مع نفسي أولاً، ومع إخوتي و أمي ثانياً، ثم صرت وبشكل لا إرادي ألعب هذا الدور في علاقاتي العاطفية أو مع أصدقائي أحياناً: أنا الشخص المسؤول والناضج والقادر على التحمل والتضحية والبقاء دوماً والانتظار، فالأمهات السوريات خير من انتظر وينتظر من غابوا أو فقدوا أو رحلوا.

أخيراً استطعت تجاوز الأمر، أو بالأحرى التخلص من هذا الدور، لست متأكدة إن كنت قد لعبته بشكل جيد أم لا، وإن كنت قد أردته حقاً أم أنه فُرض علي، لكن ما أعرفه بشكل قاطع أنني لا أريد أن أنجب أطفالاً ولا أن أصير أماً. أشعر أنني اختبرت ذلك ولم تعجبني التجربة!


Share!

لا يتبنى «صوت سوري» أي توجه مسيس للملف السوري ولا تقف وراءه أي جهة سياسية.
نحن نراهن على دعمك لنا في الوصول إلى جميع السوريين والسوريات.

إذا رأيت أن خطابنا يستحق الوصول انشري / انشر هذا المقال من فضلك

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها