× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

أم كلثوم وعبد الوهاب في مقاهي اللاذقيّة: كانت مدينة تطلّ على البحر

عقل بارد - أوراقنا 23-05-2024

ربما علينا أن نسأل المصور هوان فان تيان في أي مدينة كان يلتقط صوره بكاميرته التي تغطيها قطعة قماش سوداء تقوم مقام الغرفة المظلمة في تحميض الصور؟ أو لماذا أصرّ على مبلغ 15 قرشاً فبقينا من دون صور لحفلات أم كلثوم في اللاذقية؟ لكن ذلك كله كان حين كان لهذه المدينة بحرٌ تُطل عليه!

ساحة الشيخ ضاهر وتبرز في الصورة مدرسة التجهيز سابقاً - جول جمّال حالياً - يُرجح أن الصورة ملتقطة من حي القلعة، وبعدسة هوان

إذا صادف أن حدّقنا في صورة لمقهى من مقاهي مدينة اللاذقية الملتقطة بالأبيض والأسود على يد المصوّر هوان فان تيان، سنلاحظ وجوهاً ذكورية بلباس يمزج بين الشرقي والغربي، مع بضع قبّعات إفرنجية فوق رؤوس المتحلّقين حول شأن من شؤون تلك الأيام. لا تبدو الوجوه مختلفة كثيراً عن وجوهنا اليوم، باستثناء أنها تبدو سعيدة. فهل هي خديعة الصورة التي تدفعنا دائماً إلى الاختباء وراء وجوهنا ورسم ابتسامة يطالبنا بها المصورون؟

هوان مصوّر فيتنامي جاء إلى اللاذقية مع الجيش الفرنسي في العام 1918، ورغم انتهاء خدمته بعد أربعة أعوام بقي في المدينة حتى 1948، حين غادر برفقة زوجته السورية إلى لبنان. هناك صورٌ لعدد كبير من المواقع التقطها الرجل بكاميرته البدائية قياساً بتقنيات التصوير اليوم، فيما ترك لنا صورة واحدة له فحسب، يجلس فيها مرتدياً زيّاً غربيّاً في مقهى على الأرجح.

قبل أن يصل هوان بأكثر من نصف قرن، سجّلت اللاذقية انتشاراً للمقاهي الشعبية التي تقدِّم القهوة والشاي والنراجيل، فيما وسائل التسلية هي استمرار لألعاب العهود السابقة، ومنها ألعاب الطاولة والمنقلة والورق.

لا يوجد توثيق دقيق لتاريخ تأسيس أول مقهى في اللاذقية، وإن كان المؤرّخ والباحث المعروف، هاشم عثمان، يتحدّث في كتابه «تاريخ اللاذقية» عن عدد من المقاهي في حي الصليبة منذ منتصف القرن التاسع عشر وما بعد، وغالبيتها دالت مع الأيام. ولكنّ دور تلك المقاهي لم يكن يقتصر على تدوير الساعات والهرب من روتين البيوت فحسب، إذ كانت صانعةً لما سيكون لاحقاً مسرح اللاذقية وعالمها الفني والفكري.

يتقاطع ذلك زمنياً مع ما يُعرف عن نشوء مسرح أبي خليل القبّاني في دمشق، وبفارق ليس كبيراً. فالقبّاني بدأ تجاربه المسرحية على خشبات المقاهي في سبعينيات القرن التاسع عشر، وتلتها محاولات خجولة في اللاذقية بعد أقل من عقد مع تأسيس مقهى شناتا في العام 1891 (يذهب بعض مؤرخي المدينة إلى أنه تأسس في العام 1908).

الصورة مجهولة التاريخ لكورنيش اللاذقيةّ بعدسة راميا شناتا (صفحة «اللاذقية والتاريخ» على فايسبوك)

من بقي ومن رحل؟

لا تُتاح وثيقة تجزم من بدأ بتشييد تلك المقاهي في هذه المدينة البحرية، مع العلم أنّها أقيمت صيفاً من أجل خدمة المصطافين والزوار والسباحين من أهل المدينة. يغلب الخشب في بنائها باعتباره السائد في تلك المرحلة، وهذا ما جعله يندرس مع الزمن، فيما يهدر ما بقي منه منذ توسّع المرفأ في خمسينيات القرن الماضي حتى اليوم.

أنشأ أسعد شناتا أول مقهى ذي إطلالة بحرية في اللاذقية العام 1891، وما زال في مكانه الحالي عند الكورنيش الغربي. ثم لحقته مقاه أخرى في الحارات التاريخية للمدينة، مثل حي الصليبة العريق حيث احتلّ مقهى أبو سالم غضبان قصب السبق، ومقهى سباهية في الشيخ ضاهر، وحنونة في سوق بيت الداية، وكان مقهى البستان هو ما بقي منها حياً حتى مطلع القرن الحالي، في مكانه القديم نفسه عند تقاطع شارع 8 آذار مع شارع مصرف التسليف الشعبي.

يذكر الكاتب عدنان فتاحي، وآخرون، أنّ مقهى الشلّا في حي القلعة احتضن شخصاً يقدّم قصص عنترة وأبي زيد الهلالي وغيرهما، اسمه «الخبّاص». ولم يعرف لهذا الشخص اسم غير ذلك، وظلّ يحتل المقاهي لسنوات طويلة خاصة في شهر رمضان. ثم لحقه حسن الحكواتي ومحمود غريب اللذين بقيا إلى أن جاء الفلسطيني «أبو روحي» في أعقاب النكبة. فبدأ سيرة مغايرةً، إذ كان يؤدي شخصيات القصص بطريقة أقرب إلى الأداء المسرحي.

في بعض صور هوان للّاذقية، ثمة لقطات لمقاهٍ أنشئت على طول المسار البحري الذي يغلّف المدينة، بدءاً من مصب النهر الكبير الشمالي جنوباً، وصولاً إلى ما هو الآن «المدينة الرياضية» التي ابتلعت والمرفأ نسبةً كبيرة من واجهة المدينة البحرية، حتى غدت مدينة اللاذقية بلا مقهى يطل على البحر مباشرةً!

في الاتجاه المعاكس لمقهى شناتا شمالاً، ما زال مقهى العصافيري حياً بقدرة قادر. وهذا المقهى لم يشغل كثيراً ذاكرة المدينة إلا لناحية الاسم الغريب الذي يعود لصوفيّ مغربي كان يقطن بجوار البحر قبل الردم الذي أبقى له قبراً مهملاً في جوار المقهى.

قرب «العصافيري» طُمرت عشرات المقاهي البحرية، بدءاً من مقاهي البحري ورشو والكازينو، مروراً بـ فينيسيا واللاكيان ونادي الضباط، وصولاً إلى مسبحي جورج (نادي المعلمين) وفارس، ونادي صف الضباط، الذي ما زال موجوداً بعيداً عن البحر.

مقهى البطرني أو الصخرة - صورة مجهولة التاريخ والمصوّر - صفحة «اللاذقية والتاريخ» على فايسبوك

أم كلثوم في شناتا

في صورة التقطها هوان فان تيان العام 1945 لمنطقة الكورنيش الغربي، قرب نادي الكازينو اليوم، نرى مساحات خضراً تكاد تغطي واجهة المدينة كاملةً، قبل إنشاء المرفأ في بداية الخمسينيات. كانت الصورة بالأبيض والأسود وأعيد تلوينها مرات عدة لاحقاً، وفيها أشجار زيتون كانت تغطي مساحات لا بأس بها من تلك الأمكنة، وبقربها عشرات البساتين الممتدة إلى الشاطئ مباشرةً. وفي بعض تلك البساتين كان ثمة ينابيع مياه عذبة، ولكنها رُدمت مع ما رُدم.

اليوم؛ تخنق الواجهةَ البحريةَ للمدينة مبانٍ عاليةٌ بأسعار لا متناهية. يقابلها المرفأ بساحاته الإسمنتية وحاوياته الملونة الفارغة، وبعده قد يحالفك الحظ برؤية اللون الأزرق.

في حديث سابق لنا، يقول الباحث هاشم عثمان: «كان مقهى شناتا مؤلفاً من مقهى ومطعم ومسرح ودار سينما تقام فيه أحسن العروض لأشهر الفرق الفنية العربية، وكان صاحبه المرحوم أسعد شناتا، ثم الوريث ابنه محمد، يعملان باستمرار على تحسينه والتعاقد مع متعهدي الحفلات الفنية لكبار فناني العالم العربي، وكانت حفلات هؤلاء من الأيام المشهودة في تاريخ اللاذقية».

تفيد المصادر التاريخية، من هاشم عثمان وعدنان فتّاحي وخالد الجندي إلى غيرهم، بأن المرحلة الذهبية في تاريخ مقهى شناتا كانت بين عشرينيات القرن الماضي وأربعينياته. ففي العام 1928، استقبل مسرحه «فرقة فاطمة رشدي» المصرية، كما قدَّمت «فرقة أمين عطا الله» استعراضها على المسرح نفسه، وفيه برزت شخصية «كشكش بيك». ثم في العام التالي حضر الفنان نجيب الريحاني مع فرقته المسرحية، وكان معروفاً بشخصية «كشكش بيك»، فصار الناس يقولون إنّه سرقها من أمين عطا الله.

يذكر عثمان أن حفلات أم كلثوم الثلاث (17 و18 أيلول 1931، و22 حزيران 1933) بقيادة محمد القصبجي امتدت حتى الفجر، ومما غنّته فيها: يا آسي الحي، وكم بعثنا مع النسيم سلاماً، وأقصر فؤادي.

وكان يومها، وفق ما يُحكى، أن باع بعض عشاقها أثاث بيوتهم من أجل شراء التذاكر الغالية جداً، بقيمة ليرة ذهبية عصملية، أي ما يعادل حالياً عشر غرامات من الذهب، مع العلم أن سعر الغرام الواحد كان بحدود ليرتين سوريتين. ويذكر أحد المعمّرين أنّ أم كلثوم غنت في المقهى يوم الجمعة، ووصل صوتها إلى المدينة كلها حتى سمعها أهل سوق الداية، أي على مسافة تناهز الكيلومترين.

مقهى «شناتا» بعدسة هوان - صفحة «اللاذقية والتاريخ» على فايسبوك

لقاءات خالدة

يغيب التوثيق البصري لهذه الحفلات مع الأسف. ولولا «بخل» أم كلثوم لكنا قد نلنا صوراً لها في حفلات اللاذقية. فمما يروى أنّها أرسلت إلى هوان من أجل التقاط الصور، ولكنه أراد 15 قرشاً في مقابل كل صورة، وهو ما رفضته أسطورة الغناء العربي.

في الأعوام التالية، استضاف المقهى الفنانين محمد عبد الوهاب وسعاد محمد وليلى حلمي، كما استقطب من جديد عدداً من الفرق المسرحية اللامعة على غرار فرق يوسف وهبي وزكي عكاشة وفاطمة رشدي وأمين عطا الله ونجيب الريحاني. وقد برزت من بين أعمال مسرحية قدّموها فذاع صيتها، مسرحيات: كشكش والكابورال، سيمون وأولاد الذوات، وأوبرا كليوباترا، وسواها من الأعمال التي بقيت خالدة في فكر ووجدان أهالي المدينة.