الصورة: (من متحف الحرير في سوريا / جمعية أصدقاء المتاحف والمواقع الأثرية - فايسبوك)
في قرية ستمرخو بمحافظة اللاذقية، يعاين سهيل ميهوب الملقب أبو إبراهيم عدداً من خلايا النحل على أطراف «الوادي الأحمر». تربية النحل ليست مهنته الأساسية لكنه اضطر إلى ممارستها بعد أن أصبح غير قادر على مزاولة مهنته السابقة مع زوجته وابنته في تربية شرانق دود القز لإنتاج الحرير.
يقول: «كانت الأعوام الماضية عصيبة، غيّر الطقس الحار الغطاء النباتي للمنطقة ودفع بكثير من الشباب إلى ترك أراضيهم والبحث عن عمل في المدينة، وكنت أنا منهم»، ثم يستدرك: «لكن مدينة اللاذقية صغيرة والعمل فيها غير متوافر بسهولة».
مع ذلك، يشعر ميهوب بالرضا فقد «تحسنت الأمور بعد أن اتخذت قراراً جريئاً بالتخلي تماماً عن إنتاج شرانق دود القز؛ إنها صناعة بؤس وشقاء». هكذا وصف أبو ابراهيم ما آلت إليه صناعة الحرير، لتسانده في رأيه زوجته أم إبراهيم، بقولها: «كان العمل مضنياً، وبدون تلقي أية مساعدة من الحكومة»، مضيفة: «لا يوجد طلب على المُنتَج ولا دعم حكومي، كما أن ارتفاع درجات الحرارة جعل أعداد شجر التوت تتناقص، ثم جاء حظر الكورونا في العام 2021، والزلزال الكارثي في سوريا وتركيا العام 2023 ليجعلا التعامل مع تناقص أعداد هذه الشجرة صعبا للغاية».
عائلة أبو إبراهيم ليست الوحيدة التي تخلت عن هذه المهنة بسبب كسادهاـ في حين كانت تُعتبر صناعة الحرير علامة فارقة في الصناعات التقليدية السورية، ومكوّناً أساسياً لهويتها. فماذا حصل؟ كيف وصلت الأمور الى هذا الحد؟
سنحاول أن نتتبع قصة الحرير في غرب سوريا، وكيف لعب التغير المناخي دوراً في تراجعها، وكيف يمكن للتكيف القائم على الأنظمة البيئية (EbA)، وتشجيع الوظائف الخضراء أن يلعب دوراً محفزاً في استمرار هذه الصناعة التقليدية.
الجدّة جميلة نظام / الكاتب
صناعة الحرير تاريخياً في سوريا
صناعة الحرير الطبيعي في منطقة الليفانت (غرب سوريا التاريخية) صناعة غارقة في القدم، إذ كان ميناءا بيروت وأنطاكية في القرنين الثامن والتاسع عشر منفَذين رئيسين لإيرادات إيطاليا وغرب أوروبا من الحرير المشرقي. وكان لاقتصاد الحرير والخيول الأصيلة في تلك الفترة تأثيرات على البنى السياسية في المنطقة. لكن خلال العقود الماضية، ونتيجة لتغير المناخ وأسباب عديدة أخرى، خاصة ما يتعلق بسياسات الدولة في هذا المجال، تدهورت هذه الصناعة، وأُغلِقت معظم المصانع الآلية ونصف الالية في سوريا. وعمليّاً لم يبق سوى معمل وحيد يشتغل في منطقة الدريكيش التابعة لمحافظة طرطوس، وكان قد أعلن رسميّاً مشاركته بمعروضات من الحرير في الدورة 61 من معرض دمشق الدولي العام 2019.
بلغت مؤشرات تغير المناخ مستويات غير مسبوقة عام 2023 ما يدفع الأرض إلى «حافة الهاوية»
تبلغ مساحة الساحل السوري نحو 4200 كيلومتر مربع، ورغم أنه يشكل نحو 4% فقط من مساحة سوريا، فإنه يحتوي على 37% من غاباتها بحسب تقرير لصحيفة «الوحدة» المحلية، مع تنوع بيولوجي شديد الغنى. خلال العقدين الماضيين تأثرت معظم الجغرافيا السورية بالتغيرات المناخية.
في هذا الصدد، يقول الباحث البيئي مضر سليمة إن «أبرز تداعيات التغير المناخي في منطقة الساحل السوري هو تقلص حجم الغطاء الثلجي على مرتفعات السلسلة الساحلية، نتيجة سنوات من الارتفاع المتدرّج والحاد أحياناً في درجات الحرارة، ما أسهم في انخفاض كميات المياه الجارية نحو الأودية، وأدى إلى تزايد الضغوط الإيكولوجية على المساحات الغابية حولها، وانخفاض في وفرة المياه وزيادة تلوثها».
يشير تقرير «حالة غابات المتوسط» الصادر عن منظمة الفاو (FAO) العام 2018 إلى أن معدل انحسار مساحة الغابات في سوريا أصبح أعلى بنسبة 18.5% تقريباً مما كان عليه في العام 2015، أدى ذلك الى تراجع كمّي ملحوظ للعديد من الأنواع النباتية ومنها شجر التوت؛ الحامل الحيوي لدود القز، وانحسرت مساحات انتشاره في عموم الساحل السوري بنحو 30%، كما يقول عمر عبد الله، وهو منسق «مهرجان الحرير» في دمشق.
هذه الظروف أثّرت مباشرة على منتجي الحرير، فمثلاً اشتكت أم إبراهيم ميهوب من صعوبة الحصول على ورق التوت، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عشر سنوات، وقالت إنها كانت تضطر أحياناً «للمشي مدة ساعتين ذهاباً وإياباً» من بيتها للحصول عليه.
وفق إحصائيات وزارة الزراعة السورية، انخفض عدد أشجار التوت في محافظة اللاذقية من 45700 شجرة العام 1998 الى 34300 العام 2008، ثم انخفض هذا العدد إلى أقل من النصف خلال السنوات الثلاث الماضية (2020-2023). ثم انخفض هذا العدد إلى أقل من النصف خلال السنوات الثلاث الماضية (2020-2023).
كان الثوب الملكي لعرس الملكة إليزابيث في1947 مصنوعاً من الحرير العاجي الصيني، والديباج الدمشقي من سوريا. وعند تنصيبها ملكة لبريطانيا في 1952، ارتدت فستاناً من الديباج السوري نُسج على نول يدوي يعود للعام 1890. الفستان محفوظ في متحف لندن / مصدر الصورة
التغيّر المناخي والسياسات الحمائية للدولة أهم أسباب التدهور
بحسب دراسة معمقة للدكتور جان سيلبي (J. Selby) وزملائه من معهد العلاقات الدولية في جامعة سايكس (Sussex) البريطانية، تم تحديد الظروف البيئية السيئة بوصفها عاملاً أساسياً في النزاع المسلح في سوريا.
حالياً، وبعد 12 عاماً من الحرب، لم تزل التأثيرات البيئية تتفاقم نتيجة العامل البشري والتغير المناخي، وتسهم هذه العوامل فضلاً عن أسباب أخرى في تدهور صناعة الحرير، كما معظم الصناعات التقليدية الأخرى.
خلال الربع الثالث من القرن الماضي وهي فترة الذروة في إنتاج الحرير السوري، كانت هناك مئات المشاغل العائلية، وستة مصانع آلية ونصف آلية. لكن في العام 1970، أنشأت الحكومة السورية مصنعاً لإنتاج خيوط الحرير، ودعمته في سوق المنافسة ضد المنتجين الصغار بإجراءات حمائية وفق القانون وتحت طائلة المسؤولية، وفرضت منع استيراد خيوط الحرير من خارج البلاد، وحصر الاستيراد بها. أدى ذلك إلى تضرر الإنتاج نتيجة نقص المعروض من الخيوط. ومع تفاقم التغيرات المناخية وتأثيرها السلبي على مساحات انتشار شجر التوت، توقف العديد من مزارعي الشرانق ممن هم في قاعدة سلسلة التوريد عن العمل.

من جانب آخر، أدّت السياسات الحكوميةـ وعدم تعاملها بجدية مع مسألة تغير المناخ، وتأثيره على عدد ومساحة انتشار أشجار التوت، إلى انتشار بعض الأنواع الغازية لتحل محلها، مثل شجرة الأوكاليبتوس (الصندوق 1) التي ساهم تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة بانتشارها كشجرة غازية ضمن موائل شجرة التوت، وكذلك «الأكاسيا» التي استوردتها مديرية الزراعة نظراً لغزارة إزهارها، وزرعتها في اللاذقية بهدف رفع إنتاجية النحل.
حاليّاً تغزو هذه الشجرة كلّ حيّز ممكن لانتشار شجر التوت، وحتى مزارع وكروم الفلاحين، يقول الجد أبو عمار «لقد جلبوا لنا هذه الشجرة (الأكاسيا)... ورغم محاولاتي تنظيف مزرعتي منها بشتى الطرق عبر المبيدات والقَطع وتسميم الجذور وحتى الحرق، لم أستطع... إنها آفة».
بعد استماعنا إلى شهادته، أجرينا جولة استطلاعية مع أحد أبناء المنطقة؛ المهندس الزراعي هُمام غانم في مناطق واسعة من الريف المحيط بمدينة اللاذقية، وتأكدنا كيف استوطنت شجرتا الأكاسيا والأوكاليبتوس بشكلٍ ملموس في الموائل الطبيعية لشجرة التوت، ضمن روافد الحوض الأدنى للنهر الكبير الشمالي في «البسليس»، و«روضو» و«الشير» وغيرها من المناطق.
الأوكاليبتوس (Eucalyptus) شجرة غازية استوردت من أستراليا سبعينيات القرن الماضي. بسبب شراهتها للماء استُخدمت في تجفيف مستنقعات سهل الغاب. لاحقاً انتشرت هذه الشجرة العملاقة التي قد يصل طولها إلى 25 متراً في معظم مناطق وسط وغرب سوريا
كل هذا أسهم في تدمير سلسلة توريد الحرير، ولم يعد أي طرف من منظومة هذه الصناعة قادراً على البقاء في السوق. والنتيجة، بحسب الدكتورة مايا الكاتب، أن إنتاج شرانق القز هبط من 250 طن العام 1980 إلى 50 طنّاً فقط العام 1990، ووصل في العام 2010ـ، أي مباشرة قبل اندلاع الحرب السورية، إلى طنّين اثنين فقط!
نحو إعادة إحياء صناعة الحرير
في تصريح ليوسف أحمد، مدير «الشركة العامة للحرير الطبيعي» أدلى به لـ صحيفة البعث السوريّة الرسميّة قال إن هناك مشروعاً حكومياً من ثلاث مراحل، ستتم خلاله زراعة 900 ألف شجرة توت على مساحة 298 هكتاراً في منطقة الساحل السوري. من جهتها أكّدت لنا هزار كردي «مديرة التنوع الحيوي» في جامعة تشرين الحكومية أنه «بدأ فعلاً توزيع غراس التوت مجاناً منذ بداية هذا العام كي يزرعها الأهالي في الملكيات المُتاحة لهم قرب منازلهم»، مؤكدة على ما لذلك من تأثير إيجابي على صناعات محلية مثل صناعة الحرير.
وبحسب مايا الكاتب في كتابها «الحرير السوري: صورة لإرثٍ ثقافيٍ حيّ» فقد «تأثرت صناعة الحرير التقليدية بجملة معقدة من الأسباب السياسية والاقتصادية والمناخية، عانى من خلالها العاملون ظروفاً قاسية، ما اضطرّ معظمهم إلى ترك هذه المهنة».
لكن من الملاحظ أن هناك عودة خلال السنوات الثلاث الماضية للاهتمام بهذه الصناعة، إذ انطلقت مبادرات عدة، فردية وجماعية نسوية في عموم منطقة الساحل السوري حول هذه الصناعة.
سلسة التوريد في صناعة الحرير
تعتبر تجربة «الجمعية الوطنية لإنماء السياحة» - وهي جمعية أسستها سحر حميشه العام 2012 وتهدف إلى إحياء السياحة المادية واللامادية وتسويقها - مهمة في هذا المجال، بسبب محاولاتها إعادة مأسسة هذا العمل في سوق التوظيف الأخضر المحافظ على البيئة، وهو سوق ناشئ في البلاد. وتعكس تجربتها نموذجاً لكيف يمكن للصناعات التقليدية المتضمنة وعياً من الثقافة التقليدية، أن تكون بمثابة مشاريع ملموسة متكيفة مع التغيرات المناخية. في هذا الصدد، تقول حميشه، رئيسة الجمعية إن «الصناعات التقليدية، وخاصة صناعة الحرير، هي مجال حيوي للغاية لبناء سوق عمل يعتمد على الاستدامة البيئية»، وهذا يتوافق مع التوجهات العالمية لسوق الوظائف.
وبالفعل، سعت هذه الجمعية الى إعادة نشر إنتاج دود القز في قرى تعاني من قلة فرص العمل بالنسبة للشباب وتتبع إدارياً محافظة اللاذقية، عبر التواصل المباشر مع الراغبين في ذلك، وتقديم تعهدات بتسويق المنتج. وتعاني سوريا من موجة خطيرة من الهجرة المناخية/الاقتصادية، وهي تتصدر حالياً أرقام الهجرة غير النظامية في العالم العربي بأكثر من 6 ملايين مهاجر، بحسب دراسة حديثة لـ «مركز جسور للأبحاث.»
يمكن من خلال الصناعات التقليدية، بصفتها وظائف خضراء الإسهام في تخفيف حدة هذه الهجرة. وبحسب بيانات البنك الدولي فاق التوظيف للأدوار الخضراء معدل التوظيف الإجمالي على مستوى العالم لأربع سنوات متتالية، بين العامين 2019-2022، ما يؤشر إلى تحولات عميقة مستقبلاً داخل البنية التحتية للاقتصادات العالمية، عبر التعامل مع مفهوم التوظيف المتلائم مع البيئة. ويأتي دور المبادرات المجتمعية المنبثقة عن المجتمعات المحلية في سوريا حاسماً في هذا الاتجاه.
وكانت مبادرات مهمة أطلقتها منار عبود من مبادرة «ضيعتنا» في اللاذقية والأداء المميز لـ «اـلنادي البيئي الأخضر» التابع لها، قد أسهمت في تسويق وتعليم صناعة منتجات صديقة للبيئة، مثل أكياس الحفظ، وزجاجات الماء، ومنتجات التنظيف والتجميل، وأسمدة عضوية، وغيرها، في حين تختص «الجمعية الوطنية لإنماء السياحة» بإعادة إحياء صناعة الحرير وتسويقه عبر مجموعة من المهن المترابطة.
وتنطوي منظومة صناعة الحرير على شبكة معقدة من الوظائف الخضراء ضمن سلسلة عالية التنسيق من الموردين (supply chain).
تتضمن هذه الشبكة أشخاصاً و/أو مجموعات حرفية صغيرة العدد، تشارك في إنتاج وتسليم المنتج النهائي المعد للبيع. هذه العمليات منفصلة، ولكل منها مجموعتها من الحرفيين العاملين/لات، وتعمل بشكلٍ منسجم في ما بينها. لكنها الآن متضررة بشدة، بسبب أنها (حرفياً) مقطعة الأوصال، إذ يعاني مربّو الشرانق من ندرة مزارع شجر التوت المروي، وقلة انتشار أحراش التوت البعلية نتيجة التغير المناخي، وانتشار الأشجار الغازية بفعل سوء السياسات الزراعية الحكومية. كما تعاني حرفة معالجة (حلّ) الحرير إلى خيوط من ندرة اليد العاملة بسبب الهجرة المناخية/الاقتصادية.
تقول أم أحمد، وهي مربية لدود القز من قرية «الزوبار» إن «ريف اللاذقية كان يحوي أكثر من عشرين حلّالاً، أما الآن فلم يعد هناك سوى واحد فقط»، والحلّال هو من يحول شرانق القز بأداة تقليدية تسمى «دولاب الحلّ» إلى خيط الحرير.
أهمية نهج التكيف (EBA)
تأتي أهمية نهج التكيف (EBA) في أنها استراتيجية تمنع التلاعب بالأنظمة البيئية لغايات اقتصادية بحتة، عبر وضع سياسات حكومية ومجتمعية رشيدة مرتبطة بحاجات الفلاحة التقليدية ومربي النحل ومنتجي الشرانق، وتشجيعهم على البقاء وعدم ترك الأراضي بدون زراعة نتيجة التعرض المتزايد لضغوطات التغير المناخي وارتفاع درجة الحرارة، كما تُسهم في ضبط الاندفاع غير المدروس للمزارعين نحو تغيير أنماط الزراعة في الساحل السوري، وسعيهم إلى زراعة أشجار مستوردة لا يُعرف حتى الآن تأثيرها المستقبلي على التربة واستهلاك المياه.
وفق «الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة»: التكيف القائم على النظام البيئي (EbA) هو حل قائم على الطبيعة يسخر التنوع البيولوجي وخدمات النظام البيئي لتقليل الضعف وبناء القدرة على التكيف مع تغير المناخ، من خلال الحفاظ على النظم البيئية وإدارتها المستدامة واستعادتها
بالتالي، فإن عدم الاستجابة المناسبة للحكومة والمجتمع المحلي لاتباع نهج التكيف (EBA) سيؤدي الى تقلص حصة الصناعات التقليدية التي تتميز بأنها صناعات تنطوي على فرص عمل خضراء، وأنها غير منتجة لانبعاثات الكربون.
إن مبادرات صغيرة ومتكيفة مع البيئة في أي مكان من العالم هي خطوات مهمة نحو الأمام، ومع أننا لا نعرف أين مكانها بالضبط في الأحجية الشاملة للحماية من تغير المناخ، إلا أنها ذات تأثير قوي على مجريات الأمور. أما عدم أخذ تأثير هذه المبادرات الصغيرة (مثل صناعة الحرير) بوصفها مورداً متجدداً للوظائف الخضراء، فقد تكون له تبعات كبيرة على تأثير التغير المناخي على كوكبنا لاحقاً.
