× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

الهويّة والمواطنة في سوريا: نموت جنباً إلى جنب؟ أم وجهاً لوجه؟

عقل بارد - على الطاولة 05-07-2024

ظلّت نقاشات اللجنة الدستوريّة السوريّة بعيدة إلى حد كبير عن التداول العام، وربّما لم تُثر اهتمام النسبة الأكبر في الشارع وسط انهماكه بهموم شديدة الصلة بواقعه الرّاهن، وفي ظل شبه تسليمٍ بأن ما يدور في الجولات المتباعدة إنّما هو مماحكات سياسيّة. على أن ذلك لا ينفي خوض أعضاء اللجنة في قضايا جوهريّة، وذات صلة بنيوية بمستقبل سوريا ومكوّناتها وأفرادها، ومن أهمّها قضيّتا الهويّة والمواطنة، والصلة بينهما

الصورة: (من جلسات اللجنة الدستورية - جنيف 2021 / UN Photo - Violaine Martin)

كان الخلاف حول الهويّة في رأس القضايا المستعصية التي حضرت على طاولات اللجنة الدستورية السورية في جنيف، مع تباين حادّ بين تيارين: واحد يرى الهوية أساس كل حق، وأن الدولة التي لا هوية لها ليس لها وجود سياسي، ولا حقوق بدون دولة. وآخر يرى الهوية مسألة ثانوية، فالأهم هو المساواة في الحقوق لضمان المواطنة للجميع، وبدون مواطنة لا يوجد وطن. ومع أن المبدأين ليسا متناقضين نظرياً فالتشبّث بأحدهما ليكون نقطة بداية أوصل النقاش الدستوري حولهما إلى طريق مسدود.

في الواقع، ومع كل مرة نتحدث فيها عن الهوية في سوريا، تتبادر إلى الأذهان أسئلة مصيرية كبرى: ما هي الهوية الوطنية السورية؟ هل يُمثل كلّ من العروبة أو الإسلام هوية فرعية تخص بعض المكونات؟ أم أن الهوية السورية إطار حضاري جامع لا علاقة له بالمعتقدات الفردية أو الجماعية للمكونات المتنوعة؟  هل يكفي أن نتحدث عن التنوع بالعموم؟ أم يجب أن نذكر كل الهويات الإثنية والدّينية فرادى وقد يزيد عددها عن بضع عشرات في دولة مثل سوريا؟ وكيف سنتعامل حينها مع من يرفض أن ينتمي هوياتياً إلى أي مكون لمجرد الولادة فيه؟ وماذا عن الهويات المكانية التي تعبِّر عن هوية مدينة أو منطقة بشكل عابر لمكوناتها؟

الأهم من كل ما سبق: كيف نوفق بين فكرتي الهوية والمواطنة؟ ألا تعني المواطنة في أحد أهم وجوهها التساوي في الحقوق بغض النظر عن الخلفية الدينية أو الإثنية؟ ألا تتجاوز المواطنة فكرة الأكثريات والأقليات الاجتماعية للتركيز فقط على الأكثريات والأقليات السياسية؟ ألا يحق لكُثُرٍ أن يخشوا قضية الهوية في بلاد شكلت فيها الهوية مصدر عنف واقتتال عبر التاريخ؟ 

لكن أليست هناك أيضاً حقوق للجماعات؟ أم تكفي المواطنة على أساس المساواة التامة بين الأفراد كي نحمي حقوق الأقليات الإثنية والدينية؟ وهل حماية هذه الجماعات تحت عنوان «التساوي في المواطنة» كافية وعادلة تجاه أغلبية حقيقية أو متخيلة؟ ثمّ؛ من يحدد هوية الفرد: الزعامات التقليدية لمكوّن هو فرد منه؟ أم إرادته الفردية؟ أم القانون؟ وهل الدولة بحاجة إطار ثقافي جامع؟ أم أنها محايدة هوياتياً، وتكفي المواطنة المتساوية لإدارة تنوعها الثقافي؟ 

هل تكفي المواطنة على أساس المساواة التامة بين الأفراد كي نحمي حقوق الأقليات الإثنية والدينية؟ وهل حماية هذه الجماعات تحت عنوان «التساوي في المواطنة» عادلة تجاه أكثرية حقيقية أو متخيلة؟

كلّ هذه أسئلة مشروعة تجب الإجابة عنها، سعياً نحو مستقبل يضمن هوية وطنية سورية جامعة توفر الملاط الذي يجمع الهويات الفرعية. 

بالتأكيد لن يكون مقال من بضع مئات من الكلمات كافياً للإجابة عن أسئلة بهذا التعقيد في مجتمع بالغ التنوع كالمجتمع السوري، لكننا نعتقد أن الهوية والمواطنة ليستا متعارضتين، بل ونزعم ألّا مواطنة كاملة بدون هوية.

فلنأخذ مسألتين مرتبطتين بالهوية والمواطنة: المعتقد واللغة. من نافل القول إن الدولة معنية بحماية حرية الاعتقاد لكل المواطنين والمواطنات. كما يتعين على الدولة حماية حق التعليم للجميع بلغاتهم الأم، فهذا من أساسيات المواطنة. لكن هذا القول «النافل» يفتح الباب بدوره أمام تساؤلات جوهريّة، فما هي المعتقدات التي يتوجب على الدولة أن توفر وسائل ممارسة شعائرها؟ في دولة مثل سوريا مثلاً هل ينبغي تسخير الموارد لأعياد الفطر، والأضحى، والفصح الشرقي والغربي والميلاد فقط؟ هل يُخفض عدد ساعات الدوام الرسمي في شهر رمضان لإتاحة الوقت للمسلمين لممارسة شعائر دينهم؟ هل ستحتفي الدولة بيوم النيروز؟ هل ستوفر الموارد لبناء دور العبادة وإعفائها ضريبياً لكل الأديان والطوائف والمعتقدات والمِلل بالتساوي؟ أم بالتناسب العددي؟ ومن يحدد تلك النسب؟ هل يُنظر إلى المعتقد بوصفه عنصرَ أساس لبناء الهوية؟ أم ستنسى الدولة معتقدات الأكثرية والأقليات وتقرر أنها غير معنية بثقافات مكونات شعبها؟ 

في ألمانيا مثلاً عشر مناسبات مسيحية، ونحو 45 ألف كنيسة للأكثرية المسيحية، ونحو ألفي مسجد للأقلية المسلمة، ولكلٍّ وضعه القانوني الخاص وإعفاءاته الضريبية المختلفة، ويضمن القانون عدم تعارض ذلك مع مبدأ حرية المعتقد. ألمانيا دولة مواطنة، ولكنها دولة ذات هوية مسيحية تجبي الضرائب الكنسية لصالح الكنيسة إلا إذا طلب المكلف انسحابه منها. وينطبق الأمر على النرويج، التي تتصدر العالم في قضايا حقوق الانسان، مع أن دستورها ينص على أن دين الدولة هو المسيحية اللوثرية، ثم عُدل في العام 2012 لتصبح الكنيسة اللوثرية كنيستها الوطنية. 

ثم ماذا عن التعلم باللغة الأم؟ ألم يثبُت علميّاً أن التعلّم بها مفتاح للتفوق الدراسي؟ ألا يتوجب على الدولة توفير محاكمات عادلة، بما يتضمّنه ذلك من إتاحة التّقاضي بلغة يفهمها الشخص المعني؟ 

لكن في المقابل: هل يمكن بناء اقتصاد وطني إذا كانت معايير التعليم والمعارف غير مشتركة بين الجميع؟ أي لغة يتعين على الدولة أن تُعزز؟ وهل حماية التعليم باللغات الأم يتعارض مع ضرورة وجود لغة رسمية جامعة تضمن هوية الدولة وتماسكها؟ في سوريا هل ينبغي أن تُلزم الدولة التعليم بالعربية فقط؟ أم تتيح التعليم باللغات الكردية والسريانية والآثورية والآرامية والأرمنية وغيرها؟ وهل توفر الموارد لذلك؛ أم تكتفي بالسماح بتدريسها؟ وهل تمتد تلك الإجراءات لتشمل فئات لم نعترف بمواطنتها أصلاً كالغجر؟ لا قاعدة ثابتة يمكن الاحتذاء بها هنا، ففي ألمانيا تتيح الدولة مدارس تُدرس بعض الحصص باللغة التركية وأخرى بالعربية لأكبر أقليتين لغويتين فيها، لكن في ألمانيا كما فرنسا لغة رسمية واحدة، بينما اعترفت فنلندا بلغات رسمية أخرى، وسمحت إسبانيا بلغات رسمية محلية.

في المواثيق والعهود الدولية، لا تستطيع الدول أن تتجاوز فكرة الهوية، وفكرة الأكثريات، والأقليات الإثنية والدينية. على سبيل المثال، ينص «العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية» في المادة السابعة والعشرين على أنه ««لا يجوز، في الدول التي توجد فيها أقليات إثنية أو دينية أو لغوية، أن يُحرم الأشخاص المنتسبون إلى الأقليات المذكورة من حق التمتع بثقافتهم الخاصة، أو المجاهرة بدينهم وإقامة شعائره أو استخدام لغتهم، بالاشتراك مع الأعضاء الآخرين في جماعتهم».

فيما ينص «الميثاق العربي لحقوق الإنسان» في المادة الخامسة والعشرين على أنه: «لا يجوز حرمان الأشخاص المنتمين إلى الأقليات من التمتع بثقافاتها واستخدام لغتها وممارسة تعاليم دينها، وينظم القانون التمتع بهذه الحقوق».

ليست الهوية مجرد مُحدد من مُحددات المواطنة. بالتأكيد ثمة أبعاد أخرى لحقوق المواطنة، ولكن الهوية هي التي تربط الفرد والجماعة والدولة في إطار وجودي

يتعين على الدولة أن تحمي جميع الثقافات وهذا جوهر المواطنة، ينطبق الأمر على ثقافة الأكثرية، كما ثقافة الأقلية، بالمعنى الاجتماعي لا السياسي. ولكنها توفر الموارد غالباً في أطر سياسية وثقافية واجتماعية واقتصادية تضمن ربط الهويات الفرعية بالهوية الوطنية. ما تتحدث به نخب سورية كثيرة (خاصة العلمانية منها)، عن أن المواطنة لا علاقة لها بالهوية مسألة غير دقيقة مطلقاً. لكن علينا أن نتفق حول ماهية تلك الحماية، ولا يمكن الخوض في مضمون الحماية مالم يكن هناك اتفاق على آلية تجميع الهويات الفرعية ضمن هوية وطنية جامعة. ولا يمكن الحديث عن دستور بدون أن نخوض في هذه الإشكالية. 

ليست الهوية مجرد محدد من محددات المواطنة. بالتأكيد ثمة أبعاد أخرى لحقوق المواطنة تُشكل في مجملها ضمانات المساواة أمام القانون، ولكن الهوية هي التي تربط الفرد والجماعة والدولة في إطار وجودي، وهي التي تحدد بشكل أو بآخر ما إذا كان المواطنون سيقررون الموت معاً دفاعاً عن الوطن، أو الموت وهم يقتتلون فيما بينهم!