× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

قطاع الصّحّة في الحسكة بلا صحّة

حكاياتنا - خبز 10-07-2024

يعاني سكان محافظة الحسكة واقعاً مترديّاً لقاطع الصحة، بين خدمات القطاع الخاص الباهظة الثمن، وتضارب معايير التسعير والإتاحة في القطاع الحكومي، وسوء الخدمة في مشافي الإدارة الذاتية. إنه جزء من ضريبة العيش في ظل تشعُّب مصادر القرارات

الصورة: (arta.fm - فايسبوك)

تعيش محافظة الحسكة، شمال شرقي سوريا حالة من العشوائيّة تسود مختلف القطاعات، في ظل انقسام السيطرة على المحافظة بين دمشق، وقوات سوريا الديمقراطية.

تشمل الخلافات الملفات السياسية كافة وشكل إدارة المنطقة، وترخي بظلالها على تفاصيل عديدة ترتبط بيوميات الناس، وعلى رأسها القطاع الصحي، إلى حد تكاد تنعدم معه الرعاية الصحية. ووسط ذلك، يسود فشل عام في ضبط أسعار الأدوية، ومزاجية للمشافي في فرض الرسوم والأسعار خاصة في ظل غياب الفاتورة الرسمية لعموم قطاع الصحة.

تتوزع المراكز الصحية في الحسكة بين فئات ثلاث: الأولى خاصة؛ والثانية تتبع الحكومة المركزية في دمشق؛ والثالثة تحت سلطة الإدارة الاتية. غير أن الصيدلانية إيمان السيد (48عاماً) توضح أن مدينتها القامشلي مثلاً «تعيش أخطر مراحلها صحياً».

تقول: «أعرف كثيراً من الأشخاص المصابين بمختلف الأمراض، بخاصة الربو والضغط والسكري والأمراض العصبية والنفسية وأمراض الدم والأورام والكلى، بلا أدوية ولا عمليات علاجية، ولا رقابة، ولا مجانية، أو سهولة وإتاحة».

يأتي ذلك بينما تعاني محافظة الحسكة من «تزايد نسب الإصابة بالسرطانات»، إلى حدود «مخيفة ومرعب»، فيما يتعذر إيراد إحصائية دقيقة نظراً لـ «تلقي مرضى كثر العلاجات في دمشق وإقليم كردستان العراق».

أخطاء ترتكبها... الفاتورة!

تتفاوت أسعار وخدمات القطاع الخاص الذي يبلغ عدد مشافيه من ديرك إلى الحسكة ثلاثين. تقول الممرضة ميديا (اسم مستعار): «ثماني سنوات وأنا أعمل في هذا المشفى، وقد رأيتُ العجب، ففي كل يوم هناك تسعيرة مختلفة». تضيف: «يُلزمون مرافِق المريض شراء الأدوية من صيدلية المشفى حصراً وبأسعار خيالية، وغالباً ما تتفق إدارات المشافي مع مستودعات الأدوية على حصر بعض الأدوية المستخدمة في العمليات الجراحية والإسعافية بصيدليات المشافي فقط».

وتتابع: «أما أسعار عمليات الولادة القيصرية فتخضع للمزاج ومدى معرفة الطبيب بالمريضة، وتتعرض باقي العلميات والإجراءات لزيادة مستمرة بين يومية وأسبوعية، كل ذلك لقاء خدمات ضعيفة ومستويات نظافة في أدنى درجاتها».

من جهة المرضى، يروي المريض حسن ماهر (52 عاماً) أنّه دخل المشفى «بحالة إسعافية لاستئصال المرارة، وفي يوم الحساب العسير طُلِب مني دفع 400$»، مضيفاً «طالب ابني بالفاتورة النظامية فسلموه ورقة بيضاء صغيرة عليها بعض العبارات مع المبلغ النهائي، وقد صُعق بتدوينهم ثمن أدوية لم نستعملها».

ومعروف أنّ المشافي ترفض في الغالب تقديم فاتورة نظامية بكامل الأدوية والمعالجات الممنوحة للمريض، غير أنّ حسن وابنه لاحقا المسألة إلى أن «ادعى المحاسب ورود خطأ في الفاتورة معتذراً ومعدلاً الفاتورة إلى مبلغ 250$».

ويتعذّر ضبط أسعار العمليات الجراحية أو التدخلات الإسعافية بدقة، إذ تختلف من مشفى إلى آخر، وكثيراً ما يُتلاعب بها. لا تخلو القامشلي من مشافٍ (بعضها افتُتح حديثاً) تمتاز بالنظافة وبالأجهزة الطبية الحديثة، لكن مع شكاوى الأهالي من ارتفاع ضخم في الأسعار.

«تخضع أسعار الولادات القيصرية للمزاج ومدى معرفة الطبيب بالمريضة، وتتعرض باقي العلميات والإجراءات لزيادة مستمرة، كل ذلك لقاء خدمات ضعيفة ومستويات نظافة في أدنى درجاتها»

يقول فريد الأومري: «دخل ابني العناية المشددة لاشتباه بكورونا، وبعد يومين ونصف أخرجناه إلى غرفة خاصة، وفي الصباح الباكر لليوم الرابع سُمح بإخراجه من المشفى لأفاجأ بطلب المحاسبة 450$، وبعد الاعتراض ادعى الطبيب خطأ في عدد أيام العناية المشددة».

أما بالنسبة إلى العيادات الخاصة، فتقدَّر تسعيرة المعاينة بشكل «كيفي»، منها ما يبلغ 50 ألف ليرة سورية للمعاينة الواحدة، وغالباً ما تتأخر المراجعة وتُفرض معاينة جديدة. غير أن إدارياً في مشفى خاص يقول: «أغلب الأطباء وخاصة أطباء الأطفال يفضِّل تشخيص المريض في المشافي، فالمعاينة ما بين 75-100 ألف ل.س، ويحظى برضا مالك المشفى، وله نسبة من تلك الأرباح، ويكسب لنفسه الراحة الجسدية عوضاً عن التنقل بين المشفى والعيادة التي غالباً ما يكتفي بالدوام فيها لساعات بعد الظهر».

المرضى بين الحكومة و«الإدارة»

تتبع الفئة الثانية من المشافي إلى الحكومة السورية في دمشق، وتقع في المربع الأمني قرب مطار القامشلي. رغم وجود أجهزة طبية حديثة فإنها غير مستعملة، إذ تعاني خاصة من غياب الكوادر، مع وجود تشديد أمني عليها، فيما يشير كثيرون إلى أن «من يذهبون إليها محصورون بأبناء القرى الخاضعة لسيطرة دمشق». وتوصف خدماتها بالسيئة، وكذلك مستوى النظافة.

يوضح المدرس المتقاعد رياض الأحمد (52 عاماً) أن «المعاينات والعمليات الجراحية مجانية في المشفى الحكومي الذي زرته، لكن خدماته سيئة وغالباً ما تكون الأجهزة معطلة، أو لا تتوافر أجهزة التفتيت وغسيل الكلى بما يفي الحاجة».

أما في ما له علاقة بالفئة الثالثة للمشافي، التابعة إلى الإدارة الذاتية، فيقول مصدر طبي إن «الذاتية» افتتحت «10 مشافٍ بأسعار تشجيعية تُنافس القطاع العام، منها مشفى القلب والعين، ومشفى معالجة الأورام السرطانية»، كما جرى التحضير لافتتاح قسمي الحروق والتلاسيميا. غير أننا لم نلقَ أي أجوبة من مسؤولي تلك المشافي عندما حاولنا التواصل معهم.

ويُجمِع عدد من الناشطين والصحافيين الذين تحدثنا إليهم على أن «غالبية أعمال هذه المشافي تقتصر على الخدمات البسيطة، وغالباً ما تكون أجهزة الجراحة في مشفى القلب والعين معطلة، فضلًا عن فقدان الأدوية واللقاحات السرطانية وضعف عمل المركز الخاص بغسيل الكلى».
 
«كردستان أو دمشق»

يشكو الدكتور فريد سعدون (55 عاماً) من معاناة هذه المحافظة حيث يعيش نحو مليون شخص، من «تراجع كبير للرعاية الصحية»، مضيفاً أن «المشافي العامة خارج الخدمة تقريباً، ومنها المشفى الوطني بالقامشلي الذي استلم مبلغ 6 ملايين دولار (منحة) من الحكومة اليابانية لإعادة ترميمه».

يضيف: «لا أحد يعلم كيف صرفت أو أين ذهبت تلك الأموال، مع العلم أنه مبلغ كافٍ لبناء مشفى جديد لا الترميم فقط، فيما الطريق إلى المشفى شبه مغلق إذ إنه يقع في اتجاه المطار، إضافة إلى فصل الأطباء المتخصصين، وبشكل خاص من القومية الكردية».

أما حول الواقع لدى الإدارة الذاتية فيقول سعدون: «لا توجد خدمات مجانية، ليست لديهم مشافٍ عامة تقدم بالمجان، حتى مشفيي القلب والعين، والهلال الأحمر المدعومين من المنظمات الدولية لا يقدمان خدمات بالمجان بل بنسبة معينة».

يؤكد سعدون أن «المنطقة مهملة صحياً، ولا توجد مخابر جيدة في المشافي ولا مراكز أشعة متطورة»، موضحاً أن «التحاليل الدقيقة تتطلب إرسال الخزعات والنماذج إلى دمشق، ومرضى العمليات الخطيرة يسافرون إلى هناك، ولا توجد معالجات للسرطانات، مع محدودية عدد الأطباء والطبيبات في هذه التخصصات». ويختم بأن «المشافي غير مجهزة للمعالجات عبر الأشعة والجرعات الكيماوية، والأمراض الخطيرة ومنها الحروق لا تعالج في الحسكة بل في كردستان أو دمشق».