ذهب قيس للاصطياف في البحر مرة واحدة فقط طوال سبع سنوات، برغم أنه ابن الساحل السوري، لكن أسعار الشاليهات الباهظة أخرجت الترفيه من سلم أولوياته.
«نسيت شكل البحر، في 2017 ذهبت مع عائلتي إلى أحد منتجعات اللاذقية، ولم تسمح الظروف بتكرارها»، يقول.
يحصي الشاب النفقات الهائلة التي يتطلبها الأمر، فأجرة الإقامة لليلة واحدة تبدأ بـ 500 ألف ليرة، وقد تصل إلى مليون ونصف المليون في بعض المنتجعات، أما كلفة الطعام والشراب فلا تقل عن 500 ألف ليرة في اليوم الواحد، و«هذه المبالغ كفيلة بإطعام أسرتي لمدة أسبوع أو لتغطية ثمن أدوية شقيقي لشهر كامل».
تباين صارخ في الأسعار
تتباين أسعار الفنادق والمنتجعات تبعاً للموقع الجغرافي، والخدمات المقدمة، ولتصنيف المنتجع. على سبيل المثال، في «فندق ومسبح أفاميا العائلي» ذي النجمتين بمدينة اللاذقية تراوح أجرة الشاليه بين 800 ألف، ومليون ليرة في اليوم الواحد، بينما بلغت كلفة استئجار «دّباب البحر» (جيت سكي) لمدة ساعة مليون ليرة سورية (نحو 68 دولاراً)، و250 ألف ليرة (17 دولاراً) مقابل ربع الساعة.
ترتفع الأسعار كلما ازداد عدد النجوم، ففي «هوليداي بيتش» وهو منتجع من فئة 5 نجوم في طرطوس، وصلت أجرة غرفة لشخصين 3 ملايين ليرة في اليوم الواحد، مقارنة بنحو مليون ليرة في العام الماضي.
أما في منتجع «روتانا أفاميا» في مدينة اللاذقية فوصلت كلفة غرفة لشخصين إلى مليون و700 ألف ليرة، وفي حال وجود شخص ثالث يتوجب دفع مبلغ إضافي قدره 350 ألف ليرة.
تُعد الشاليهات الشعبية ذات النجمة الواحدة هي المفضلة لدى الشريحة الأوسع، وعادة ما تكون وسائل الراحة فيها محدودة، فتتضمن الضروريات الأساسية فقط، وأجورها 250 ـ 350 ألف ليرة يومياً.
حلول «من قريبو»
أمام هذا الواقع، ومع تزايد الحر والانقطاعات الطويلة للتيار الكهربائي، يبحث كثير من العائلات عن حلول بديلة، مثل استئجار مزرعة على أطراف مدينة دمشق، وهذه عادة ما تتسع لعدد كبير من الأشخاص، ما يضمن بالتالي تقسيم الكلفة على الجميع، لكنها مع ذلك «تظل عالية» قياساً بالدخل المتدني. هذا ما يشرحه محمد الذي استأجر مزرعة في جديدة عرطوز بريف دمشق لمدة 24 ساعة مقابل مليون ليرة لأنه اختار أحد يومَي العطلة (الجمعة والسبت)، بينما تنخفض الكلفة إلى 600 ألف في بقية أيام الأسبوع.
«هناك كثير من الأماكن في سوريا لا أعرفها ولم أزرها سابقاً، بينما الآلاف من السياح العرب يعرفونها جيداً»
يقول محمد: «قررت محاربة موجات الحّر الكاوية بالمياه، غير أن الأسعار الفلكية كوتني أكثر، تقاسمت المبلغ بيني وبين أخي الذي اصطحب عائلته أيضاً، حرصنا على قضاء 24 ساعة بالتمام والكمال كي لا نشعر بالغبن».
أما فرح فبحثت عن طريقة لطيفة لإسعاد طفلها ذي الستة أعوام، بعد أن ألح في طلب الذهاب إلى المسبح، لكن الكلفة العالية حالت دون ذلك. تقول السيدة: «يعشق طفلي اللعب في الماء والسباحة، تتباين أسعار الدخول من مسبح إلى آخر بين 20 ـ 60 ألف ليرة للمرة الواحدة، لا أستطيع تكبد المبلغ، فضلاً عن أجرة المواصلات. اشتريت له مسبحاً مطاطيّاً ووضعته في شرفة منزلنا الواسعة». هكذا بات في وسع الطفل اللهو بالماء بضع ساعات يومياً، بل ويدعو صديقه الذي يسكن في المبنى ذاته أيضاً. «أحاول قدر المستطاع توفير أجواء السعادة لهما، وأُعدّ الكاتو والعصير، كل هذا يظل أوفر من ارتياد المسابح»، تقول الأم.
استعاض بسام عن المنتجعات والشاليهات بخيمة ينصبها على شاطئ البحر. يقول: «اعتدت الذهاب إلى البحر مرات عديدة في الصيف. سابقاً كنت أنطلق بسيارتي من دمشق إلى اللاذقية من أجل متعة صيد السمك والسباحة، لكن لم يعد ذلك سهلاً الآن».
ولذلك، صار الشاب منذ بضع سنوات ينصب الخيمة «على شاطئ وادي قنديل مع دفع مبلغ رمزي لحجز المكان، أحضر معي أدوات الشواء من أجل السمك، وكثيراً ما أقيم أسبوعاً كاملاً بكلفة منخفضة، هناك كثرٌ يفعلون مثلي».
«بحر ع الفايسبوك»
«ما بشوف البحر إلا بالصور على فايسبوك وإنستغرام، أما شخصي فصرلي سنين ما شفتو»، هكذا يصف أحمد علاقته بالبحر منذ أكثر من خمس سنوات.
يقول: «آخر مرة رحت كانت كلفة الشاليه 100 ألف ليرة في اليوم». ويضيف: «بات الأمر حلماً. هناك كثير من الأماكن في سوريا لا أعرفها ولم أزرها سابقاً، بينما الآلاف من السياح العرب يعرفونها جيداً».
يصمت لحظات، ثم يقول متحسراً: «خير البلد لبرّة، والأماكن الحلوة مو إلنا، ما فيني يلي بجنيه بشهر أصرفه بيوم، هاد كفر».