الصورة: (europeanfilmawards.eu)
قد يبدو «تحديقة عوليس» رحلةً محمومة للبحث عن أول فيلم سينمائي في منطقة البلقان، ولكنه واقعيّاً تشريح عميق ومُتبصر لتاريخ أوروبا في القرن العشرين، من أجل الكشف عن أسباب العُنف والاقتتال الذي انتهى بوقائع الحرب الأهلية اليوغسلافية في التسعينيات.
يُجسّد الفيلم فلسفة أنجيلوبولوس عن الحروب وتأثيراتها المادية والنفسية على البشر، كما يعكس تجاربه أثناء الحرب الأهليّة اليونانية العام 1945، عندما كان يُشارك، في العاشرة من عمره، في البحث عن جثة والده بين الأنقاض.
الفيلم الملحمي الطويل (3 ساعات تقريباً)، ناطق بالإنكليزية وتتخلله بعض الحوارات باليونانية، ويُعدّ العاشر في مسيرة أنجيلوبولوس الإبداعية، والثاني في ثلاثية عن الحدود والمعابر بين الدول، بعد فيلم «خطوة طائر اللقلق المُعلقة». أنتجه أنجيلوبولوس وشارك في كتابة السيناريو مع تونينو غويرا، الشاعر والكاتب والسيناريست الإيطالي.
حصد «تحديقة عوليس» جوائز عدة، أهمها جائزة لجنة التحكيم وجائزة النقاد العالميين في مهرجان كان السينمائي الدولي، وجائزة «أكاديمية الفيلم الأوروبي» لأفضل فيلم أوروبي العام 1995، وجائزة «غويا» لأفضل فيلم أوروبي العام 1997.
حيثيات الفيلم
يُفاجأ (A)، المُخرج الأميركي من أصل يوناني - رُبما كان الحرف الأول من اسم أنجيلوبولوس، وقد أدى دوره الممثل هارفي كيتل - بالمظاهرات التي تجتاح شوارع بلدته في اليونان بسبب رفض الكنيسة وبعض الجماعات الدينية عرضَ آخر أفلامه في السينما، وإصرار بعض التنويريين على عرضه في إحدى الساحات. يُهرّبه القائمون على تنظيم العرض من المدينة بعد اندلاع مواجهات بين الطرفين.
يعرف A من مسؤول الأرشيف السينمائي اليوناني أن هناك ثلاث بكرات غير مُعالجة، قد تكون أولى لقطات تصوير سينمائي في البلقان كلها، وقد صوّرها الأخوان ياناكيس العام 1905، أي قبل فيلم «النساجون» الذي يُعد أول فيلم سينمائي في المنطقة.
يبدأ A، على غرار رحلة عوليس في ملحمة الأوديسا، رحلته الخاصة الطويلة والمُرهقة والمليئة بالمشاهد القوية الدلالات عن التغيرات التي طرأت على منطقة البلقان، بحثاً عن البكرات المفقودة. وبالتوازي مع ذلك، يخوض في خياله رحلة إلى الحربين العالميتين الأولى والثانية، مُتتبعاً مصير الأخوين ياناكيس.
يتنقل A بين دول البلقان، ثم يتوجه إلى بلغراد رغم مخاطر الحرب، بعدما عرف أن الحكومة اليوغسلافية كانت قد اشترت أعمال الأخوين ياناكيس كلها. وهناك يعلم أنها في حوزة إيفو ليفي، المسؤول عن الأرشيف السينمائي في البوسنة وأحد خبراء مُعالجة الأفلام القديمة وتحميضها، الذي كان يُجري تجارب على مواد كيميائية لمعالجة البكرات في سراييفو، وانقطعت أخباره بسبب الحرب.
جسّدت سراييفو عجز شعوب أوروبا عن التعايش المُشترك، وتحولت إلى بؤرة للتعصب والقتل على الهوية
يتجه المُخرج إلى سراييفو عبر مجموعة من الأنهار بقارب صغير، رغم المعارك المُحتدمة والحصار المُحكم حولها. حين يصل المدينة يجد كل شيء مدمّراً، ولا يرى إلا أشخاصاً يركضون خوفاً من القناصة، لا يُجيب أي منهم عن سؤاله: «هل هذه هي سراييفو؟»، من دون أن يتضح هل هذا سؤال للتأكُد من هوية المدينة؟ أم استنكارٌ لحالها؟
يجد المخرج ليفي بعد بحث طويل، فيرافقه رغم المخاطر إلى مخبئه في إحدى دور السينما المدمرة، حيث يحتفظ بأرشيف سراييفو السينمائي آملاً بأن ينجو به من عشوائية الحرب.
يخرج ليفي وA من المخبأ في انتظار أن تصبح البكرات، التي نجح ليفي في مُعالجتها، جاهزة للعرض. وينضمان إلى غالبية سكان المدينة، الذين يستغلون الضباب الكثيف وعجز القناصة عن الرؤية للتجول وعزف الموسيقى والرقص.
هكذا أمضى المخرج ساعات في الرقص والمرح مع ليفي وأفراد من عائلته، إلى أن هاجمتهم دورية من القوات الصربية وقتلت ليفي وأفراد العائلة ومن ضمنهم أطفال.
يعود المخرج إلى المخبأ ويعرض الفيلم على شاشة السينما، بدون أن يتّضح إن نجحت عملية المُعالجة أم لا، لأن الكاميرا اتجهت نحو المُخرج الذي أعلن باكياً أنه أصبح شخصاً آخر بعد هذه التجربة الدموية.
السينما والحرب
«أود أن أصدق أن السينما ستنقذ العالم».
جملة قالها أنجيلوبولوس في إحدى المُقابلات، ليؤكد إيمانه بقدرة الفن، وخصوصاً السينما، على إنقاذ الإنسان من شر نفسه، خصوصاً في الحروب. وقد عبّر في «تحديقة عوليس» عن رؤيته تلك، وجسّد هوسه بالسينما وعلاقتها بالإنسان وقت الكوارث في مواضع عدة.
لقد بدأ الفيلم بلقطات من فيلم «النسّاجون»، تلاها التشاحن إزاء عرض الفيلم الذي كاد يؤدي إلى اقتتال أهلي. ظهر بعدها هوس A بالعثور على البكرات في زمن التنقل الحر والحدود المرنة، قبل أن تتحول الأخيرة إلى أسلاك شائكة وكُتل من الدم والنار ومناطق مزقتها الحروب.
خاض A رحلة مُهلكة من أجل شريط سينما. كرّس مسؤول الأرشيف السينمائي في بلغراد ما بقي من عمره للحفاظ على أفلام الخمسينيات، التي صوّرت «يوغسلافيا عندما كانت يوغسلافيا». حرص إيفو ليفي على حماية الأرشيف السينمائي لمدينة سراييفو أكثر من حرصه على حياته. ثم نعرف أن الأخوين ياناكيس دفعا ثمناً باهظاً لرغبتهما في تسجيل الواقع، واتُهم أحدهما بالخيانة العُظمى بسبب ذلك.
بعيداً عن الحبكة الدرامية في الفيلم، مسح أنجيلوبولوس بالكاميرا شوارع سراييفو بمبانيها المُنهارة وسياراتها المُتفحمة وخنادقها وسواترها الترابية، في لقطات طويلة ومُمتدة. لقد حاول توثيقها بكل ذلك الدمار الذي أصابها لكي يحميه من خطر الطمس أو النسيان. ستظل تُعرض على الشاشات، وستراها الأجيال الجديدة وتعرف منها ما حدث، لتمنع تكراره مُستقبلاً. ربما كان هذا قصده بقوله «السينما يمكن أن تنقذ العالم».
الرمز في الفيلم
يمكن تحويل غالبية مشاهد الفيلم وحواراته، بما يحويه من شعرية خالصة وإحالات إلى وقائع تاريخية وفنيّة، إلى رموز، ما يسهم في مضاعفة كثافتها وقوة تأثيرها ويمنحها دلالات جديدة مُتعددة الأبعاد. يرمز عنوان الفيلم إلى رحلة البحث عن الذات والحقيقة والوطن المفقود، وشكلت الرحلة نفسها رمزاً للتمسك بالأمل في استعادة لحظة من الانسجام وتقبُل الآخر في زمن مضى. من جهتها، ترمز بكرات الفيلم الثلاث إلى البراءة الأولى (كما يقرر A في أحد مونولوجاته). إذ أشارت إلى لحظة قديمة اتفق فيها الوعي الجمعي لسكان البلقان على التعايش رغم الخلافات والاختلافات العرقية والمذهبية. حاول البطل استعادة هذه اللحظة المفقودة بين الأنقاض في تسعينيات القرن العشرين عبر بحثه عن البكرات.
بينما رمز رفض عرض الفيلم في قاعة السينما إلى الهوس الديني المُحرّك لكثير من الحروب الأهلية.
رصدت الكاميرا عملية تفكيك تمثال لينين ونقله على متن باخرة، ومشاهدة سُكان القُرى له بمزيج من الحزن والأسى والتوقير. رمز ذلك إلى تفكك الاتحاد السوفيتي وانهيار الأنظمة الشمولية في منطقة البلقان وما تبعها من خلخلة وإعادة تشكيل. قد يرى أنجيلوبولوس أن انهيار مشروع لينين هو الذي فتح الباب للنعرات القومية والدينية التي مزقت قلب أوروبا.
جسّدت سراييفو عجز شعوب أوروبا عن التعايش المُشترك، وتحولت إلى بؤرة للتعصب والقتل على الهوية. في لحظة ما، يدفعنا الفيلم إلى رؤية المدينة كغابة، سكانها قُطعان صغيرة تهرب من الصيادين وهي تبحث عن الماء والكلأ. في نهاية الفيلم، تبدو سراييفو وكأنها تجسيد لبينيلوبي - زوجة عوليس في الملحمة الخالدة (الأوديسا)، التي كانت تغزل غزلها ثم تنقضه كل مساء. يبدو أنها غدت رمزاً للهدم بعد البناء، والتدمير بعد التعمير، في دورات تاريخية مُتعاقبة.

شاعرية الكاميرا
جعل أنجيلوبولوس من الكاميرا أداة تعبير أقوى من الكلمات. لقد وظّف تقنياته المتميزة في «تحديقة عوليس» بالاعتماد على المشاهد الطويلة المُمتدة، التي قد تستغرق دقائق عدة. كما صنع مشاهد مُعقدة ومُركبة بمهارة، خصوصاً في مشهد تمثال لينين، الذي استغرق نحو سبع دقائق متواصلة، استخدم في تصويره من الأعلى تقنيات «زووم إن» و«زووم آوت» و«عين الطائر»، ثم تقنية تحريك الكاميرا (بان) من اليمين إلى اليسار وبالعكس، قبل أن تتحرك بانورامياً في لقطة واسعة وبطيئة. مسحت الكاميرا التمثال مسحاً شاملاً من الزاويا والمسافات المختلفة، من دون أدنى اختلال للإيقاع.
تلتقط الكاميرا في المشهد المركزي الثاني كادراً ثابتاً لدقائق عدة، مُستبدلة عين A وهو ينظر إلى الضباب أثناء مقتل إيفو وأفراد عائلته، في إرجاء مُتعمد للحظة المواجهة، وتعبيراً عن عجز البطل عن الحركة. تتجلى هنا رؤية أنجيلوبولوس بتحويل «الزمن إلى مكان والمكان إلى زمن» عبر الكاميرا.
يُبرز هذا تأثره بالفكرة التي هيمنت على المسرح الإغريقي بتجنّب تمثيل مشاهد القتل على خشبة المسرح، والاكتفاء بوصفها. يسمع المُشاهد الحوار بين الجنود وعائلة ليفي، ثم صوت الرصاص، ويرى الجُثث بعد ذلك، دون رؤية عملية القتل. حدث ذلك في مشهد المواجهة بين المُتعصبين والتنويريين أيضاً، إذ توقّف التصوير عند لحظة الاشتباك.
ترصد الكاميرا كثيراً من التفاصيل الصغيرة، لمواكبة النزعة التسجيلية السائدة في الفيلم، وتُدمَج لقطات بالأبيض والأسود في مشاهده، ويُتلاعب بطبيعة الألوان للتعبير عن اختلاف الزمن.
كانت الحوارات والمونولوج والتعليق الصوتي محدودة جداً، إذ اعتمد أنجيلوبولوس على الكاميرا والروح المشهدية الكثيفة وما يصاحبهما من موسيقا تصويرية لتحقيق التأثير الكُلي للفيلم، ليعكس أنّ الكلام عاجز عن التعبير في حضور الصورة.
عوليس في رحلته إلى سراييفو
يقع البطل أسيراً للرحلة في حد ذاتها، على غرار عوليس في الأوديسا، ولا توقفه المُغريات أو التحديات عن مواصلتها. ويبدو أن إصراره على الرحلة يُذلل له الصعوبات على نحو يبدو أسطورياً أحياناً.
يقطع A رحلة طويلة عبر دول عدة منوّعاً في وسائل النقل، من عربة الأجرة إلى ألبانيا، والقطار إلى بلغاريا، والباخرة النهرية إلى مقدونيا، ثم بالقطار إلى بلغراد، وأخيراً إلى سراييفو على متن قارب صغير بمجذافين. لا يحمل معه حقيبة سفر، ولا يُبدّل ملابسه أبداً، ولا يستأجر غرفة للنوم، ولا يتوقف بسبب الأصدقاء القدامى، ولا بسبب النساء اللاتي يعترضن طريقه ويقعن في غرامه، ولا يمنعه حتى المرض من مواصلة البحث المهووس.
تشكّل الرحلة إلى سراييفو حالة من التنقل عبر الأماكن والأزمنة بطريقة تعبيرية سحرية ومُدهشة. حين يُسلِم A جواز سفره إلى الضابط عند نقطة حدودية، يُقتاد إلى غرفة تحقيق باعتباره أحد الأخوين ياناكيس، ويقرأ عليه المُحقق لائحة اتهام بالتآمر ضد ملك بلغاريا أثناء الحرب العالمية الأولى. وعند خروجه إلى الشارع، يجد فرقة موسيقية عسكرية تتبعها مظاهرة في زمن الحرب العالمية الثانية، فيعود، بهيئته نفسها، طفلاً في العاشرة من عمره يتابع تأثيرات الحرب على عائلته.
تتكشف لنا أسباب الحرب الأهلية اليوغسلافية أثناء الرحلة (ببُعديها الجغرافي والزمني) تدريجاً وبطرق غير مباشرة. نشاهد معالم المدن التي تغيرت، ونتعرف إلى تاريخ العنف ودوراته المجنونة في البلقان، منذ اندلاع الحرب العالمية الأولى عقب اغتيال ولي عهد النمسا على يد طالب صربي في سراييفو، ثم اندلاع الحرب العالمية الثانية، فانهيار الكتلة الشيوعية، وسقوط جدار برلين، وصولاً إلى حصار سراييفو.
تفتح الرحلة عين البطل على الحقيقة، وتجعله يُحدّق في معنى الحياة وطبيعة الوجود في المُدن التي تنقلب على نفسها. لقد فقد شغفه بالبكرات التي خاطر من أجلها بحياته، بعد أن رأى الحرب واختبر جحيمها بنفسه. انهار A في النهاية، وانهمرت دموعه وهو يُعلن - كعوليس - أنّ الذي سيعود شخص آخر غير الذي جاء، و«إن كان يشبهه في الملامح ويرتدي الملابس نفسها».