× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

«مطبًّات مجتمعيّة» تُواجه المرأة السَّائقة في شمال شرق سوريا

حكاياتنا - خبز 06-10-2024

«تجاوزات خاطئة»، و«قيادة رديئة»، و«زيادة حوادث المرور»، والسبب واحد: «قيادة المرأة للسيارة». هذه العبارات والتعليقات أصبحت أشبه بأحاديث روتينية يُسمع صداها كثيراً في الشارع بعد قيادة المرأة للسيارة باعتباره حقاً لا يمكن المساومة عليه، شأنها شأن أي فرد في المجتمع.

الرّسم: Naser Jafari - كارتون موفمينت

لم تكن تعلم هيوا وليكا (37 عاماً)، وهي محامية من مدينة القامشلي في شمال شرق سوريا، أن الشبان الذين كانوا يستقلون ثلاث دراجات نارية خلف سيارتها بعد منتصف الليل، كانوا متحرشين، وذلك فقط لأنها خرجت في توقيت «يجب أن تلتزم فيه بيتها»، لا سيّما أنها تقود سيارة، ليصبح الشعور المسبق بالتعرض لمواقف مستفزة، والتحرش، وخطاب الكراهية ملازماً للمرأة هنا قبل ركوبها لسيارتها، حتى وإن كان في وضح النهار.

تقول هيوا: «أقود السيارة منذ 10 سنوات، ورغم تعرضي لكثير من التعليقات المستفزة مثل "إي شو ما ضل بالدنيا رجال!"، فإن ذلك الموقف الذي حصل منذ ثلاث سنوات لا يزال حاضراً في ذاكرتي، خاصة أنني كنت في حالة سيئة ومتوترة، وأن سبب خروجي في تلك الليلة كان إسعاف ابنة عمي، لأفاجأ بثلاث دراجات نارية تلاحقني».

عند وصولها إلى أحد المشافي، توقعت هيوا أن تلك الدراجات ستكف عن ملاحقتها بعد أن تتأكد من وجود حالة إسعافية معها، لكن على عكس توقعاتها، ولأن الطبيب لم يكن موجوداً، «اضطررتُ للذهاب إلى مشفى آخر، لأفاجأ مرة أخرى بأن الدراجات النارية الثلاث لا تزال تلاحقني».
في المدينة نفسها، تتشابه المواقف التي تشكّل «مطبات مجتمعية» في طريق هيوا كثيراً مع المواقف التي تحصل مع أمد دلباك (29 عاماً)، لكن الأخيرة تتعرض لنسب أكبر وبمستويات أخطر قد تصل إلى حدود كارثية.

تقول أمد إن «القيادة المتهورة لغالبية الرجال تؤدي إلى حوادث مرورية، خاصة عندما يرون بجانبهم سيارة تقودها امرأة، فيشعرون بالغرور، ويعملون على مضايقتنا، والانعطاف باتجاهنا أو عدم إعطائنا المجال في الطريق، حصل معي كثير من تلك المواقف، لا سيّما مع سائقي الدراجات النارية، إلى حد شعوري أحياناً بأن الدراجة النارية ستدخل شباك السيارة».

«تجاوزات خاطئة»، و«قيادة رديئة»، و«زيادة حوادث المرور»، والسبب واحد: «قيادة المرأة للسيارة». هذه العبارات والتعليقات أصبحت أشبه بأحاديث روتينية يُسمع صداها كثيراً في الشارع بعد قيادة المرأة للسيارة باعتباره حقاً لا يمكن المساومة عليه، شأنها شأن أي فرد في المجتمع.

نسبة حوادث النساء لا تتجاوز 1.53%!

لكن يبدو أن للجهات المعنية والمختصة رأياً آخر حول تلك الصور النمطية التي أصبحت – تقريباً - مثل شاخصات مرورية تصادفها المرأة السائقة أينما ذهبت، فالبيانات المتعلقة بأعداد حوادث السيارات في المنطقة، والدراسات التي أجريت حول قيادة كل من المرأة والرجل للسيارة تدحض الصور النمطية التي تحدثنا عنها في الأعلى، وهنا يجب أن «نضغط الفرامل» ونتريّث قليلاً.

شهدت مناطق «الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا» منذ بداية العام الجاري (2024) حتى نهاية تموز/يوليو من العام نفسه 2653 حادثاً مرورياً، منها 42 حادثاً فقط بقيادة امرأة، مقارن بـ 2611 حادثاً مرورياً بقيادة رجل، أي ما نسبته 98.42% للرجال، مقابل 1.53% فقط للنساء، بحسب البيانات التي شاركتها «المديرية العامة للمرور»، التابعة للإدارة الذاتية مع معد التقرير بشكلٍ خاص.

بالإضافة إلى ذلك، هناك العديد من الدراسات التي أجريت حول قيادة النساء والرجال للسيارات، والفروق بينهم سواء من حيث الالتزام بقوانين السير أو حتى نسبة الحوادث المرورية، ففي دراسة لشركة استرداد المركبات المسروقة واستخبارات الأسطول «NETSTAR» التابعة لشركة «Altron»، أظهرت إحدى الاستنتاجات المستخلصة من بياناتها في 8 آب/أغسطس 2022 أن قيادة النساء للسيارات أفضل من قيادة الرجال.

إلى جانب ذلك، حلل تقرير لـ«مركز موارد القضايا الاجتماعية» (SIRC / وهي منظمة مستقلة غير ربحية مقرها أكسفورد في المملكة المتحدة، تجري أبحاثاً حول مواضيع اجتماعية)، في العام 2002 مجموعة من الدراسات حول الفوارق بين الذكور والإناث في القيادة، وتوصل إلى أن جميع الدراسات والتحليلات - من دون استثناء - تبيّن أن الرجال يتسببون في نسب حوادث أعلى من النساء؛ فالرجال يقودون سياراتهم بشكل أسرع من النساء، ولا يحترمون قوانين المرور، ولا يلتزمون بإشاراته، وفقاً للتقرير.

«بمجرد أنكِ امرأة في السيارة يريد الجميع أن يقول لكِ: كيف تقودين؟! بل حتى يصفون ذلك بالمعيب، ويشيرون بأيديهم تعبيراً عن امتعاضهم!»

تبتسم هيوا وهي تتحدث عن نظرة الرجال إليها عندما تقود سيارتها، مبديةً استغرابها من تلك النظرات، وتقول إن «كثيراً من الرجال ينظرون إلى المرأة التي تقود السيارة بنظرة استعلاء واستخفاف، وعندما يصادفوننا في الشارع يتصرفون كأنهم صادفوا مشكلة في الطريق. يرون في قيادة المرأة منافسة وانتقاصاً لـ "رجولتهم"، فكبرياء الرجل الذي يربط المرأة بالعاطفة ونفسه بالعقلانية، يجعله مقتنعاً بأنه لا يخطئ أبداً، وأن كل الثغرات والأخطاء، سببها الأول والأخير النساء».

يصفونني بــ «المسترجلة»

يتعدى خطاب الكراهية الذي يُمارس ضد أمد نظرات الاستخفاف والفوقية التي تحدثت عنها هيوا، ليصل إلى حد تشبيهها بالرجال، وكأن قيادة السيارات حكرٌ عل جنس معين، خاصة أنها تعمل مدربة لتعليم النساء على القيادة، ويكون التدريب في معظم الأحيان ضمن شوارع المدينة، بهدف تطبيق الدروس النظرية، وتأقلم المتدربات مع القيادة ضمن المدن.

«بمجرد أنكِ امرأة في السيارة يريد الجميع أن يقول لكِ: كيف تقودين؟! بل حتى يصفون ذلك بالمعيب، ويشيرون بأيديهم تعبيراً عن امتعاضهم!»، تقول.

رغم تلقي أمد الدعم العائلي لتنفيذ مشروعها الذي بدأته منذ نحو خمسة أشهر لتعليم النساء على قيادة السيارة، لم تسلم - هي وطالباتها المتدربات أيضاً - من عبء الصور النمطية الشائعة حول قيادتهن؛ منها الادعاءات بنقص الكفاءة والخبرة، وعدم التمتع بالمهارات اللازمة للقيادة.

ازدادت نسبة النساء اللواتي يقدن السيارات في المنطقة بشكلٍ ملحوظ بعد أن اُفتتحت أول مدرسة لتعليم قيادة المركبات في مناطق الإدارة الذاتية العام 2017، لكن رغم ذلك لا تزال نظرات الاستهجان، والاستغراب، والاستخفاف، وحتى التحقير ضد المرأة التي تقود السيارة موجودة وتلاحقها من شارع إلى أخر.

تؤكد أمد أن «هناك كثيراً من النساء اللواتي يرغبن تعلمَ قيادة السيارة، لكن بسبب الخوف من نظرة المجتمع والبيئة المحيطة، وتجنباً للانتقاد من قبل الأخرين، يعرضن عن ذلك نزولاً عند رغبة المجتمع، برغم امتلاكهن الإمكانات اللازمة».

تصرفات الأطفال تعكس نظرة المجتمع

في مدينة الدرباسية، على الحدود السورية الشمالية مع تركيا، تنعكس نظرة المجتمع حول قيادة المرأة للسيارة في تصرفات الأطفال الذين يلاحقون سيارة كلجين محمد (31 عاماً) مرددين تعليقات مثل «امرأة تقود السيارة! امرأة تقود السيارة!»، كلما خرجت بسيارتها.

ورغم أن أفراد عائلة كلجين وزوجها كانوا الداعمين الأقوى والأقرب لفكرة قيادتها السيارة، لم يغير ذلك شيئاً في نظرات الاستغراب والاستخفاف التي تراها في أعين محيطها ضمن المدينة.

«كثيرٌ من الرجال ينظرون إلى المرأة التي تقود السيارة باستعلاء واستخفاف، وعندما يصادفوننا في الشارع يتصرفون كأنهم صادفوا مشكلة في الطريق»

تقول كلجين: «ما يزعجني أكثر في تلك النظرات والمواقف، أو حتى التعليقات المستفزة أنها كثيراً ما تصدر عن نساء يريَن في قيادة المرأة خروجاً على الأعراف والتقاليد، في وقتٍ يُنتظر منهن أن يكن داعمات ومشجعات لفكرة قيادة المرأة للسيارة، لا تعزيز شبح التنميط ضدها، فالنساء يستطعن القيادة تماماً مثل الرجال، وأي شيء غير ذلك يبقى تحيزاً وظلماً، وقيادة السيارات تبقى مهارة مكتسبة وليست حكراً على جنس معين».

صفر شكاوى.. صفر توثيق

قياساً بمواقف وحالات تحرش تتعرض لها بعض النساء في المنطقة، وممارسة خطاب الكراهية ضدهن نتيجة قيادتهن السيارة، لا سيّما أن العديد من النساء رفضن التحدث عن الموضوع، كان من المتوقع وجود إحصائيات لعدد من الشكاوى لدى الجهات المعنيّة، ولكن بحسب قسم الشكاوى في «قوى الأمن الداخلي» التابعة للإدارة الذاتية في مدينة القامشلي، «ليست هناك أي شكوى قُدِمت في ما يخص تعرض المرأة السائقة للتحرش أو مواقف مشابهة حتى الآن».

ومن جانبه، أشار «مركز الأبحاث وحماية حقوق المرأة»، وهو «مركز نسوي، حقوقي، مدني يعمل على دعم المرأة ومساندتها» بحسب التعريف الرسمي، إلى أنه «لم يرصد أو يوثّق أي حالة تتعلق بالتحرش أو ممارسة خطاب الكراهية ضد المرأة السائقة في المنطقة».

ورغم وجود العشرات من تلك الحالات والمواقف، وزيادة نسبة ممارسة خطاب الكراهية ضد المرأة السائقة في المنطقة، فإن شيرين جولي، المديرة التنفيذية للمركز في القامشلي، تصف تلك الحالات بـ«النادرة التي تُمارس فقط من قِبل رجال ذكوريين يخافون على مواقعهم في السلطة على المرأة»، وأن «هناك حركات ومنظمات نسوية تناضل منذ عشرات السنين من أجل تحقيق المساواة بين الجنسين، ومحاربة التمييز ضد المرأة بجميع أشكاله في المنطقة، ولم تعد هناك إلّا حالات قليلة تُعد على الأصابع في ما يتعلق بظلم المرأة وإهانتها» على حد قولها.

---

  • فاز هذا المقال بواحدة من ثلاث جوائز إضافية في الدورة الرّابعة من مسابقة «100 صوت سوري ضد خطاب الكراهية

​من مٌطالعة لجنة التّحكيم
تحقيق جيد. الموضوع وزاوية التناول مثيران للاهتمام ويؤشران على التمييز والتنميط والخطاب الممنهج. يكتسب المقال أهمية مضافة كونه يتناول تفاصيل مجتمعية في مناطق شبه غائبة عن الإعلام السوري التقليدي
خطاب_الكراهية_ضد_النساء خطاب_الكراهية_في_سوريا 100صوت_سوري_ضد_خطاب_الكراهية

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0