الصورة: (من كواليس مقابلة تلفزيون سوريا مع رجل الأعمال أيمن الأصفري / Ornina Productions - فايسبوك)
انقسم الشارع السوري بعد اندلاع الحراك الشعبي في آذار/مارس 2011 من حيث الموقف إلى ثلاثة أقسام أساسية: قسم يتبنى الحراك ومطالبه ويرى الثورة ضرورة حتمية، وثانٍ مؤيد للنظام، وثالث اتّسمت مواقفه بـ«الرماديّة» أو «اللا تعيين»، مع الأخذ في الاعتبار أن التعبير عن الموقفين الأول والثاني لم يكن بالضرورة مباشرة وماديّاً، فلم يشارك في المظاهرات كلّ من آمن بضرورتها، ولا انخرط كل من أيّد النظام في مواجهة الحراك بشكل مباشر.
هذا التباين الذي وصل حدّ الانقسام أسّس لحالة من الاستعصاء، الذي ينجم عادة عن عجز أحد أطراف الصراع عن حسمه لصالحه، وكانت نتائج ذلك الاستعصاء كارثية خصوصاً مع انخراط أطراف خارجية، وطغيان العسكرة نحو 14 عاماً.
بعد وقت قصير من سقوط النظام وفرار رئيسه في 8 كانون الأول/ديسمبر الماضي، وانقضاء «أيام الفرح» راحت الصورة تتضح تدريجاً ليبدو المشهد وكأنما انقسم الشارع إلى «فسطاطين»، مع تسجيل غياب للضلع الثالث / الرمادي.
ظهر ذلك عبر المناظير التي يعتمدها هذا القسم أو ذاك لقراءة الأحداث، وبالنتيجة لتحديد المواقف منها، وهي، أي المناظير، كثيراً ما كانت مختلفة في طريقة عرضها للمشهد، مع تعاكس تام بين منظور وآخر في كثير من الأحيان، إلى حدّ أننا نجد أمامنا مشهدين لا يشبه أحدهما الآخر في شيء.
ينطبق الأمر هنا على معايرة الحدث الداخلي القريب والخارجي البعيد المتعلق بسوريا، ففي الأول - الداخلي مثلاً، يمكننا الوقوف عند ردود الفعل بعد عرض مقابلة «تلفزيون سوريا» مع رجل الأعمال أيمن الأصفري، إذ تبنى قسم من الجمهور مواقف هجومية ضد الأصفري وصلت حد تخوينه واتهامه بـ «الارتهان لقوى خارجية» انطلاقاً من تأييد مطلقٍ من أصحاب هذا الرأي للسلطات الحالية، فيما تبنّى قسمٌ ثانٍ من الجمهور مواقف الأصفري، واعتبروها دليلاً على صوابية معارضتهم للسلطات الحالية وتوجهاتها.
نحن أمام خطابين متناقضين في التعاطي مع أي حدث، كل منهما يسعى إلى قراءة الأحداث بطريقة رغبويّة، وإن تعذّر ذلك فالحل في إنكار جانب مع تسليط الضوء على الجانب الآخر الخادم للخطاب
أما في ما يتعلق بالحدث الخارجي، فيمكننا الوقوف عند مثالٍ بارز تناول السوريين لحدث على غاية من الأهمية، ونعني به الجلسة التي عقدها مجلس الأمن لمناقشة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على سوريا، فتركيز مؤيدي السلطات السورية الحالية انصبّ على حالة «شبه الإجماع» الدولية التي أدانت الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة للسيادة السورية، بينما جاء تركيز المعارضة على الموقف الأميركي الذي أبدى «تفهمه للممارسات الإسرائيلية»، متجاهلين في ذلك حالة شبه الإجماع الآنفة الذكر.
نحن إذاً أمام خطابين يبدوان متناقضين في معايرة أي حدث وطريقة التعاطي معه، وكل منهما يسعى إلى تطويع الأحداث، وقراءتها بطريقة «التمني» أو الرغبة، وإن تعذّر ذلك فالحل يكمن في إنكار جانب مع تسليط الضوء على الجانب الآخر الخادم للخطاب، وهذا - علاوة على ابتعاده عن الواقعية – يُشكل مدخلاً لحالة من الانقسام، لا تقل في خطورتها عن الانقسام الذي ساد البلاد في 2011، خصوصاً أن من شأن الفعل أن يراكم على ضفافه وعياً، وذاكرة، وذهنيّة ستكون بالضرورة متناقضة مع نظائرها على الضفة الأخرى.
استند خطاب السلطة، ونخبها وجمهورها، في تعاطيها مع «الآخر» الذي هو شريك الوطن إلى محورين أساسيين، الأول يمكن تلخيصه بما جاء لسان وزير الخارجية أسعد الشيباني، يوم 13 شباط/فبراير ضمن فعاليات «القمة العالمية للحكومات 2025» في دبي، عندما قال: «نحن حررنا الشعب السوري، وإذا ما حررت خطيفة، أو مختطفاً من خاطفه، فلا يمكن أن يسألك بعد ذلك إلى أين ستأخذني»، وهذا تصريح يتماهى مع مقولة «من يحرّر يقرّر». أما المحور الثاني فتكرر آلاف المرات، من النخب والجمهور على حد سواء، ومفاده: «أين كنتم على مدى 14 عاماً؟».
في الردود على المحورين ارتأى كثرٌ في الأول أنه «لا يرقى إلى مستوى خطاب الدولة»، في حين تركز الرد على الثاني بأنه لا يأخذ في الاعتبار حجم القمع الذي كان ممارساً على من ظلّ في مناطق سيطرة النظام السابق، والأثمان الفادحة التي كان مفروضاً دفعها على كل من يكسر «الصوم عن الاحتجاج» الذي ظل مفروضاً على البلاد عقوداً، ثم تزايدت القبضة توحشاً بعد العام 2011، وتزايدت مرة أخرى بعد العام 2020 حين توهّم النظام السابق أنه انتصر.
حدث، في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي الذي انعقد في 1956، أن فاجأ الزعيم الجديد (حينها) نيكيتا خروتشوف الحضور بهجومٍ لاذع على سلفه جوزيف ستالين، ثم راح يسرد حوادث بعضها ذو طابع شخصي، وبعضها الأخر ذو طابع دولتي - مؤسساتي تأكيداً لما ذهب إليه، وعندما وصل الخطاب إلى تلك اللحظة التي رمت بالتأكيد إلى قطيعة مع العهد السابق، كان الصمت سيد الموقف، إلى أن قطعه صوتُ من بين الحاضرين قائلا : «لماذا سكتّ أنت؟ وأين كنت (طوال العهد السابق)؟».
كان السؤال الذي لم يعرف صاحبه ذا وقع مدوٍّ، وربما كان يجول بالفعل في أذهان عشرات الحاضرين، وبعد برهة سأل خروتشوف: «من الذي تكلم؟»، ثم عاد وكرر: «أريد أن أعرف السائل»، لكن أحداً لم ينبس ببنت شفة، وعاد الصمت ليطبق على القاعة من جديد.
هنا قال خروتشوف: «هل عرفتَ لماذا سكتُّ أنا ولم أفعل شيئاً؟ لقد كنت في الوضع الذي أنت فيه الآن».
يقول فرانسيس فوكوياما، صاحب كتاب «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» الذي نُشر في 1989 وذاع صيته في تسعينيات القرن الماضي، إن «نظرةً من ستالين كانت تجعل صاحبها يرتعش جزعاً، إلى أن يرضى عنه الجبار»، والسؤال المشروع هنا: ألا تصح السردية السابقة لأن تكون جواباً شافياً عن ذلك السؤال الافتراقي الذي يقول: أين كنتم طيلة الـ 14 عاماً الماضية؟