الصورة: (أثناء إطفاء حريق في منطقة مصياف أواخر حزيران/يونيو 2025 - الإخبارية السورية على X)
توقفت نبضات قلب عبد الرحمن، الرجل الأربعيني من إحدى قرى مصياف في ريف حماة الغربي، بشكل مفاجئ. لم يكن مصاباً بمرض مزمن، بل مات لأن الجوع أنهكه، ولأن الخبز، القوت البسيط، أصبح بعيد المنال. فقدَ عبد الرحمن مصدر رزقه، وخشي التنقل بحثاً عن فرصة عمل خوفاً من المخاطر الأمنية، فصار الخوف والجوع شريكين في إنهاء حياته.
تقول زوجته عفراء لـ«صوت سوري» إن «الجوع وقلة الحيلة كانا السبب. قبل يوم واحد من وفاته، اقتلع شجرة زيتون من حاكورة بيتنا ليستطيع شراء بعض الحاجيات، لم يحتمل قلبه مزيداً من الضغوط».
وتتابع، وهي اليوم المعيلة الوحيدة لأولادها الخمسة: «إذا كان الرجال لا يستطيعون تأمين لقمة العيش، فماذا بوسع امرأة مثلي أن تفعل؟».
الموت جوعاً بأشكال مختلفة
حادثة عبد الرحمن ليست فريدة. باتت القرى الممتدة في مصياف مسرحاً لقصص من هذا النوع؛ ضغوط المعيشة، وغلاء المواد الأساسية، والانفلات الأمني والاستهداف بسبب الطائفة انعكسا خوفاً من التنقل أو العمل في الحقول، فضلاً عن فصل مئات الموظفين، كل هذا يخلق مزيجاً قاتلاً من القهر والقنوط.
شهادات كثيرة تدور في هذا الإطار، من بينها شهادة فهد الحسن، الثلاثيني الذي خسر وظيفته ولم يعد قادراً على الوصول إلى أرضه الزراعية. يقول: «حاولت العودة للعمل في الأرض، لكنني تعرضت لحادث كاد يودي بحياتي، فأهملتها مجبراً».
ويضيف: «لم أعد أملك أي مورد رزق أطعم عبره أطفالي الثلاثة. لذا، يبدو السفر إلى لبنان أسوة بغيري من الشباب هو الخيار الوحيد جراء تردي الواقع المعيشي».
«تحقيق العدالة الانتقالية يفرض محاسبة كبار المجرمين... أما ملاحقة كل المنتسبين للجيش السوري السابق؛ فخطأ فادح يظلم آلاف الشبان المحاصرين في قراهم»
عمار، شاب آخر من أبناء مصياف، كان قد اضطر لترك دراسته في كلية الهندسة ليلتحق بالجيش السوري السابق لتأمين مصروف عائلته، يقول: "لم يكن ذلك خياراً، بل ضرورة. كثير من شباب الطائفة العلوية اتجهوا إلى السلك العسكري لأن لا خيارات مدنية متاحة».
يضيف: «تحقيق العدالة الانتقالية يقتضي محاسبة كبار المجرمين، لا الشباب الذين وجدوا أنفسهم مضطرين إلى حمل السلاح، ولا سيما من جُنّد إلزاميّاً، أو سيقَ إلى الخدمة الاحتياطيّة. لا ينبغي أن تتحول العدالة الانتقالية إلى انتقام جماعي».
سياسات التهميش الممنهج وآثار السقوط
منذ ما قبل سقوط نظام الأسد، عانت مصياف من التهميش. لم تُستثمر مواردها الزراعية والسياحية، بل رُوّج لسياسات دفعت بالشباب إلى التطوع العسكري بوصفه حلّاً وحيداً للبقاء. وبعد سقوط النظام السابق، ظهرت النتائج الكارثية: لا مشاريع زراعية، لا فرص عمل، لا مستقبل.
محمد يوسف، شاب في العشرينات، يبيع منتجات ألبان تصنعها أمه على بسطة في قريتهم. يقول: «ليست وظيفة أحلامي، لكننا نحاول النجاة. المنطقة غنية بمواردها، لكنها فقيرة بسبب سياسات خاطئة».
يشاطره الرأي مصطفى، الذي يعمل في محل لبيع المنظفات رغم مؤهلاته الجامعية: «أريد فقط أن أطعم أهلي. لا أخجل من عملي، بل أخجل من أن بلدي لا يعطيني خياراً أفضل».
الخبير التنموي أكرم عفيف يرى أن الفقر تضاعف بعد فصل مئات الموظفين والموظفات، وانهيار الزراعة بسبب الجفاف وتخوف الأهالي من العمل في أراضيهم. ويضيف: «حتى غابات الغار التي كانت مصدر رزق لمئات العائلات، باتت فقيرة بفعل الإهمال والخوف».
المبادرات: بصيص في العتمة
رغم كل شيء، تنهض مبادرات محلية تطمح إلى تحويل الأزمة إلى فرصة. من بينها مبادرة «خبزة من الربطة» التي استفاد منها أكثر من 300 مجمع سكني، و«حبة من كل طبخة» التي تدعو العائلات لتخصيص جزء من طعامها للفقراء، وصندوق الطوارئ الذي يجمع تبرعات بسيطة أسبوعياً لدعم الأسر المحتاجة.
«التعويل الأكبر حالياً يقع على عاتق المجتمع المحلي نفسه في مساعدة ذاته»
يقول أكرم عفيف: «أطلقنا صندوقاً دوّاراً بمبلغ 5 ملايين ليرة لمشاريع صغيرة، كمشروع قطف الغار الذي وفر الخبز لـ186 أسرة. نحتاج فقط لتوسيع هذه التجربة».
ويضيف: «قبل سقوط النظام، كنا نتعاون مع بنك الإبداع الذي قدم قروضاً صغيرة، لكنها تعثرت بسبب الأوضاع. الآن نبحث عن مصادر تمويل بديلة».
يلفت عفيف إلى أن «المجتمع المحلي هو الأمل»، وأن دعم المغتربين لعب دوراً محورياً في مساعدة مرضى ومصابين، وتمويل مشاريع صغيرة.
دعم الزراعة بدل المعونات
قبل سنوات، أطلق ضاحي خليل، مشروعاً خيرياً برز مؤخراً عبر مساعدات تقدم للعائلات المتضررة بأشكال مختلفة. يقول لـ «صوت سوري» إن الهدف الأساسي منه «مد يد العون في هذه الظروف الصعبة»"
يعمل فريق المشروع في اتجاهات عديدة، مع التركيز على توسيع المشاريع الزراعية لاستثمار خصوصية مصياف الزراعية وعدم الركون إلى منطق المعونات.
يضيف خليل: «أطلقنا قروضاً بلا فوائد لمن يريد تأسيس مشروع زراعي حتى لو كان ضمن مساحات صغيرة، وتقديم ما يلزم من الأسمدة والمياه لتقليل استهلاك الأسر من المحال التجارية. وعند وجود فائض، يمكن شراء المحصول المتبقي بعد إطلاق سوق هال صغير في قرية "برمانة المشايخ" يغطي القرى المجاورة. وفي حال الرغبة بفتح محل لبيع الخضار، يمكن الشراء منه وتحقيق ربح بسيط للمساعدة بتأسيس مشاريع صغيرة مع إمكانية التوسيع».
ويتابع: «أطلقنا مبادرة أخرى لتأمين فرص عمل لمن فقد وظيفته، مع مساعدة أرباب العمل على توفير العمالة المناسبة في الوقت ذاته».
يؤكد صاحب المشروع الخيري «أهمية مساعدات أهل الخير» عند عرضه معاناة العائلات الفقيرة على صفحته الشخصية على «فيسبوك»، لكن يبقى الأهم برأيه تمكين الأفراد من تأسيس مشاريع صغيرة والاعتماد على أنفسهم، لأن هذا وحده ما يكسر دائرة الفقر.