الصورة: (مخيم كوركوسك - فايسبوك)
وسط أرض جافة عي أطراف أربيل، وتحديداً في مخيم «كوركوسك» حيث يعيش آلاف اللاجئين السوريين، وتتلاصق خيمهم وتتشابه وجوههم، نهضت سيدة من رماد الحرب والنزوح وحولت خيمتها إلى مركز حياة.
قررت زليخة يوسف حمو ألا تكون مجرد ضحية حرب، بل صانعة لمعنى جديد للنجاة بعد أن هُجّرت من مدينة المالكية شمال شرقي سوريا إلى خيمة بلا نوافذ، تحاصرها الحرارة القاسية نهاراً، والبرد القارس ليلاً.
لم تكن في حوزتها شهادات جامعية، ولا مشروع جاهز، معها فقط إرادة امرأة. تقول زليخة: «في البدايات عانيت بالمخيم كثيراً، وكأن كُل شيء كان ضدي؛ الطقس، الغربة، الذاكرة..».
استقبلت المرأة الستينية «صوت سوري» ببهجة عارمة حين عرفت أننا منصة تختص بقضايا السوريين والسوريات، وهي التي دأبت أن تُستضاف عبر المنصات الإعلامية الكوردية فقط، وقالت: «شكراً لكم، أشعر بالفرحة حين أجد من يهتم بيّ من البلاد التي هربتُ منها رغماً عني».
بدأت الحكاية
تروي زليخة «من قلب الخيمة، بدأت الحكاية. رتابة الحياة، وملل العيش في مجتمعات النزوح، وقصص وسرديات وحكايات العيش على الأطلال وإبداعات الماضي، وتخيل قصص الأبطال والعيش في كنف المنزل مع الأهل، كل ذلك سبب صداعاً وقلقاً، وبل ربما الكثير من الأمراض النفسية والفصام، لهذا قررت الانتقال إلى حياة أفضل؛ لا تأتي أبداً من الأحاديث، بل من العمل وتحويل التحدي إلى مُمكن».
امتلكت المرأة الستينية بعض المهارات القديمة في الخياطة، وشغفاً متواضعاً بصناعة الشموع، فقررت أن تعيد تعريف دورها في المخيم. حولت خيمتها إلى مساحة تدريب، وأطلقت مشروعاً منزلياً لتعليم النساء الحرف اليدوية؛ ليس فقط بهدف العمل، بل أيضاً لإعادة بناء ما دمّرته الحرب في أرواح النساء.
تقول زليخة: «لم أكتفِ بتدريب النساء من حولي، بل التحقتُ بكثير من المبادرات والمنظمات الإنسانية؛ شاركتُ في ورش العمل، وحملات التوعية، وبرامج الدعم النفسي. وفي بيئة لا تهتم غالباً بمن لا يملك شهادة أو وظيفة، كان تطوّعي ضمن المنظمات هو بوابة الاعتراف بيّ بصفتي فاعلة اجتماعية». تتنهد قليلاً، وتعرض علينا شُرب الشاي وتناول بعض الحلويات ثم تكمل حديثها: «لم أكن أبحث عن وظيفة، كنت أنقب عن حياة لي ولمن حولي. الخياطة لم تكن مهنة فقط، بل لغة تواصل، ووسيلة نجاة».
خيمتي.. التي تحولت إلى «مدرسة»
أسهمت العديد من المنظمات الدولية في تحسين ظروف المعيشة للقاطنين في المخيمات بكوردستان العراق، وكانت مؤسسة البارزاني الخيرية واحدة من أهم تلك الجهات الداعمة للنازحين في الإقليم، عبر تعاونها مع منظمات دولية وإنسانية وتخصيصها ميزانية لدعم اللاجئين السوريين.
من بين أبرز الخدمات التي قُدمت؛ تحويل الخيم إلى منازل، أطلق عليها اسم «قاعدة»، فخُصصت مساحات جغرافية محددة تبعاً لعدد أفراد الأسرة الواحدة، ثم قُدمت مساعدة في البناء، مع اشتراط وضع التوتياء عوضاً عن السقوف الثابتة، وهو ما منح اللاجئين في الإقليم مساحة أكبر من الراحة والأمان.
تتحدث زليخة عن خيمتها التي تحولت كغيرها إلى منزل خاص بها، وتعيش فيه بمفردها: «كانت الخيم رمزاً للضعف، أما اليوم باتت مركزاً صغيراً للتدريب على الخياطة وصناعة الشموع. تجلس النساء حولي، ويتبادلن الأحاديث، ويتعلمن، ويضحكن، وربما ينسين للحظات أنهن لاجئات، ليس لدي أيّ تمويل مستقر، ولا دعم منتظم، لكن ما أملكه هو عزيمتي، وتكفي لتدوير عجلة صغيرة تصنع فارقاً حقيقياً في حياة النساء».
تضحك زليخة وتضيف قائلة «أبرز الإنجازات التي حققتها أنني كسرت قاعدة اقتصار النجاح على أصحاب الشهادات. قصتي تلغي المعادلة التقليدية التي تربط النجاح بالتعليم بالضرورة، ورغم توقفي عند المرحلة الثانوية؛ استطعت إثبات أن الخبرة، والتطوع، والنية الصادقة في خدمة الآخرين، قادرة على خلق أثر لا يُنسى، ولعل ما يُميزني أكثر هو إيماني بالعمل المجتمعي وأنه ليس ترفاً، بل ضرورة، خاصة في بيئات اللجوء التي يهددها اليأس والعزلة والانكسار».