× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

شركات الاتصالات الخلوية في سوريا: من يتقاسم الكعكة؟

عقل بارد - على الطاولة 15-07-2025

يتناول هذا المقال مستقبل قطاع الاتصالات الخلوية في سوريا بعد سقوط النظام. يستعرض تاريخ شركتي سيريتل وMTN، ويفحص وضعهما القانوني الغامض حالياً، ويحلل الخيارات المتاحة أمامهما في ظل التوجهات الاقتصادية الجديدة، وما يكتنف ذلك من تحديات وفرص لإعادة هيكلة هذا القطاع الحيوي.

لم يكن سقوط نظام الأسد في سوريا في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 مجرد عملية انتقال سياسي حلت فيها سلطة جديدة محل السلطة القديمة، مع حفاظها على الهياكل المؤسسية للدولة؛ بل إن السلطة الجديدة نظرت منذ اللحظة الأولى إلى هذه المؤسسات وإداراتها بوصفها امتداداً للنظام المنهار، وتعاملت معها على هذا الأساس. وإذا كان هذا التوجه مفهوماً في ما يخص بعض كبار الموظفين المرتبطين عضوياً بالنظام السابق، أو في ما يتعلق بالمؤسسات ذات الطابع العسكري والأمني، فإنه يغدو غير مبررٍ حين يتعلق بالمؤسسات ذات الوظيفة الاقتصادية أو الاجتماعية أو الخدمية. فهذه المؤسسات، رغم بعض الاستثناءات، كانت تتمتع بأنظمة وهياكل حديثة نسبياً، وبإمكانها مواصلة أداء مهماتها في ظل النظام الجديد لو أُحسنت إدارتها. فضلاً عن أن عدداً من هذه المؤسسات استمر في أداء خدماته طوال سنوات الحرب، رغم هيمنة أمراء الحرب والعقوبات الاقتصادية القاسية.

هذا الخلط بين بنى المؤسسات ومواردها البشرية يعتبره كثيرون أحد أبرز أخطاء النظام الجديد منذ توسيع مهمات «حكومة الإنقاذ» التي كانت قائمة في إدلب لتشمل سوريا بأكملها، وصولاً إلى الحكومة «الانتقالية» الحالية. فما إن تولت حكومة الإنقاذ الموسَّعة مهماتها حتى بدأت بإقصاء أعداد كبيرة من العاملين في الدولة، من دون مبررات قانونية واضحة، وشرعت بالتوازي في دمج مؤسسات قائمة أو إغلاقها أو تغيير صلاحياتها، بل وابتكار مؤسسات جديدة خارج الإطار القانوني السابق الذي لم يُعدَّل صراحةً. ومع أن الحكومة الانتقالية سعت لاحقاً إلى تصحيح بعض هذه الاختلالات، فإن الشعور لا يزال سائداً بغياب رؤية مؤسسية واضحة تضمن التكامل بين المؤسسات واستمرارية الخدمات. ويزداد هذا القلق مع التصريحات الحكومية المتكررة عن التوجه نحو اقتصاد السوق الحر، وما قد يترتب عليه من خصخصة مؤسسات الدولة الاقتصادية والخدمية و/أو بيع أصولها، من دون آليات شفافة، على الرغم من كونها تمثل مالاً عاماً يملكه الشعب السوري بأسره.

في ضوء ذلك؛ يتناول هذا المقال بإيجاز التاريخ والمآلات المحتملة لمؤسسات قطاع الاتصالات في سوريا، مع تركيز خاص على شركات الاتصالات الخلوية والخيارات المتاحة في المرحلة القادمة.

التأسيس والتشغيل

حتى أواخر القرن العشرين، كانت خدمات الاتصالات الأرضية في سوريا تُقدَّم بأساليب تقليدية تتسم ببيروقراطية مفرطة. لكن ابتداءً من منتصف التسعينيات، بدأت تظهر الحاجة الملحة لتحديث هذا القطاع، خصوصاً مع انتشار الإنترنت والاتصالات الخلوية في دول الجوار. بيد أن التحديث في سوريا واجه عقبات عدة، أبرزها تداعيات الأزمة المالية في الثمانينيات التي خلّفت شُحاً في التمويل الحكومي حتى مطلع الألفية الجديدة، إلى جانب الحذر الأمني الشديد تجاه التكنولوجيا الحديثة التي رآها النظام تهديداً لسيطرته على المجتمع.

عقب وفاة حافظ الأسد في حزيران/يونيو 2000، انتقلت السلطة إلى بشار الأسد، الذي كان قبل ذلك قد بدأ بصفة غير رسمية إدارة بعض الملفات الحكومية فعلياً، ومنها ملف الاتصالات والمعلوماتية. وفي ظل انفتاح نسبي (لم يدم طويلاً) على المجتمع، سمح بشار الأسد للجمعية العلمية السورية للمعلوماتية، التي كان يرأسها قبل توليه الحكم، بإدخال خدمات الإنترنت في آب/أغسطس 2000، في إطار سعيه للظهور بمظهر عصري منفتح. وبالتوازي، سمح للمؤسسة العامة للاتصالات (الحكومية)، التي كانت حينها تحتكر تقديم خدمات الاتصالات في البلاد، بالإعلان عن مشروع لتطوير البنية التحتية للإنترنت وتقديم خدماتها للعموم.

كان الوضع مختلفاً في مجال الاتصالات الخلوية (وهو ما يهمنا هنا). فمع أن المؤسسة العامة للاتصالات كانت قد بدأت التحضير لتنفيذ مشروع للاتصالات الخلوية بنفسها، رأت الحكومة أن السبيل الأمثل لتمويل وتنفيذ هذا المشروع هو الإعلان عنه بصيغة «البناء والتشغيل ثم نقل الملكية» )BOT) أسوة بالتجربة اللبنانية. سبق ذلك مشروع تجريبي محدود انطلق في شباط/فبراير 2000 عبر شركتي أوراسكوم المصرية (بدعم تقني من سيمنس الألمانية) وإنفستكوم اللبنانية (بدعم من أريكسون السويدية، وبشراكة مع تيلي إنفست التابعة لمجموعة دلة البركة السعودية، وبضمان من البنك الدولي).

وفي آب/أغسطس 2000، طُرح طلب عروض لاختيار مشغلَين اثنين بصيغة BOT لمدة 15 عاماً، مع حصة تصاعدية للدولة من الإيراد الإجمالي لكل مشغل، على أن يكونا جاهزين للتنفيذ مع انتهاء المشروع التجريبي، مع ضمان نقل مشتركي المشروع التجريبي إلى المشروع الجديد.

لا يزال الشعور سائداً بغياب رؤية مؤسسية واضحة تضمن التكامل بين المؤسسات واستمرارية الخدمات. ويزداد هذا القلق مع التصريحات الحكومية المتكررة عن التوجه نحو اقتصاد السوق الحر، وما قد يترتب عليه من خصخصة مؤسسات الدولة

تنافست على المشروع مجموعة من الشركات، على رأسها أوراسكوم وإنفستكوم، إضافة إلى شركات أخرى (شركة روميللي تيليكوم التركية، وشركة المستثمر الدولي/مجموعة كامل صالح، وشركة سيلوتل، وشركة الأوائل). كان واضحاً أن الكفة تميل لمصلحة الشركتين اللتين نفذتا المشروع التجريبي الذي بدا مجرد وسيلة لضمان فوزهما في العطاء، وقد فازتا به فعلاً. وبموجب ذلك تأسست شركتان: سيريتل/Syriatel، بالشراكة بين أوراسكوم وابن خال الأسد رامي مخلوف (عبر شركة دريكس تكنولوجي المسجلة في الجزر العذراء البريطانية)، وسبيستل سوريا/Spacetel Syria، (التي تحولت لاحقاً إلى أريبا ثم MTN Syria)، المملوكة رسمياً لعائلة ميقاتي اللبنانية. وقد شاع اعتقاد غير موثقٍ بأن لمخلوف أو ماهر الأسد يداً أيضاً في هذه الأخيرة.

اعتراضات وخلافات

اعترض على الدراسة المالية للمشروع وآلية منح العطاء عدد من أعضاء مجلس الشعب والاقتصاديين، أبرزهم رياض سيف ومأمون الحمصي، ما تسبب في تأخير إصدار أمر المباشرة حتى حزيران/يونيو 2002، رغم أن التشغيل الفعلي بدأ مع نهاية المشروع التجريبي في شباط/فبراير 2001، وهو ما أفرز لاحقاً إشكالاً قانونياً بشأن حقوق الدولة من الإيرادات المالية في الفترة الفاصلة.

في 2002، نشب خلاف بين نجيب ساويرس (المالك الرئيس لشركة أوراسكوم) ورامي مخلوف حول قضايا تتعلق بتمويل الشركة المشغِّلة وتقاسم الأرباح. لجأ مخلوف إلى القضاء السوري للحجز على سيريتل، بينما لجأ ساويرس إلى القضاء البريطاني للحجز على دريكس. ويُقال إن الخلاف سُوّي خلال لقاء جمع بين الرئيسين حسني مبارك وبشار الأسد في شرم الشيخ في تموز/يوليو 2003، بحيث خرجت أوراسكوم من المساهمة في سيريتل (رغم أن ملفها التقني هو الذي مكّن أصلاً من الحصول على الترخيص).

وفي العام 2006، جرت عملية اندماج بين شركتي إنفستكوم وMTN (مقرها الرئيس في جنوب أفريقيا)، فتحولت الشركة المشغِّلة في سوريا رسمياً إلى MTN Syria في بداية 2007، امتلكت شركة MTN الأم نحو 75% من الأسهم، وبقي نحو 25% من الأسهم في حوزة شركة تيلي إنفست. وأخيراً، أُدرج جزء من أسهم شركة سيريتل للتداول في سوق دمشق للأوراق المالية في نهاية 2018، وتبعتها شركة MTN Syria في بداية 2019.

إعادة هيكلة قطاع الاتصالات في سوريا

أجاز عقد BOT للحكومة إدخال مشغل ثالث للاتصالات الخلوية إلى السوق السورية بعد سبعة أعوام من بدء التشغيل، فيما طالبت قطاعات شعبية بكسر الاحتكار الثنائي، وبخفض الأسعار عن طريق تحفيز المنافسة الحقيقية. وكان كسر هذا الاحتكار أيضاً مطلباً أوروبياً في إطار مشروع اتفاق الشراكة السورية-الأوروبية (الذي انهار في 2004).

وبتكليفٍ من وزارة الاتصالات، أجرت شركة Detecon الألمانية دراسة في 2009 خلصت إلى ضرورة منح ترخيص جديد خارج صيغة BOT، وتحويل عقود المشغلَين القائمَين إلى نظام الترخيص. وفي 2010، صدر قانون جديد للاتصالات أُحدثت بموجبه هيئة ناظمة للاتصالات، وتحولت المؤسسة العامة للاتصالات إلى شركة حكومية باسم «الشركة السورية للاتصالات» (مع الإبقاء على ملكيتها كاملةً للدولة).

لم يصدر عن السلطة التنفيذية أو القضائية إلى الآن أيُّ قرار رسمي يخص مآل الأموال التي كانت تملكها اسمياً الواجهات الاقتصادية للنظام السابق

في أيلول/سبتمبر 2010، أُعلنت مزايدة عالمية مفتوحة لمنح ترخيص لمشغل ثالث، بالتوازي مع تحويل سيريتل وMTN إلى نظام الترخيص لمدة 20 عاماً، مقابل أن تدفع كل منهما بدل ترخيص قدره 25 مليار ليرة سورية (نحو 500 مليون دولار آنذاك)، مع الاستمرار في تقاسم الإيرادات الإجمالية بحيث تكون حصة الدولة 20%.

جرت مرحلة التأهيل الأولى للشركات في تشرين الثاني/نوفمبر 2010، وتأهلت بموجبها خمس شركات: «اتصالات» الإماراتية، والاتصالات السعودية/ STC، وكيوتل القطريةQTel/، وتركسل التركيةTurkcell/، وفرانس تيليكوم الفرنسية/France Telecom ،لكن اشتعال الشارع السوري في آذار/مارس 2011 أدى إلى توقف المشروع، كما توقفت المفاوضات مع شركتي سيريتل وMTN Syria لتحويلهما إلى نظام الترخيص، إلى أن أُعيد إطلاقها مع اقتراب موعد انتهاء عقدي BOT بسبب الحاجة إلى ضمان استمرار الخدمة في ظروف الحرب.

إيران على الخط... مؤقتاً

حصلت الشركتان المشغلتان أخيراً على الترخيص في نهاية 2014، مع تعهدهما بإعادة بناء شبكة الاتصالات الخلوية التي تضررت كثيراً بسبب العمليات العسكرية، ومع احتفاظ الحكومة بحقها في إدخال مشغل ثالث فور توافر الشروط المناسبة. لكن الحكومة السورية، في إطار تفاوضها مع الحكومة الإيرانية على آليات سداد الديون المستحقة لها، منحت لاحقاً الترخيص الثالث بالتراضي إلى شركة "وفا تيليكوم" في بداية 2022، ببدل ترخيص قدره نحو 100 مليون دولار (بحسب المعلومات المتاحة). غير أن هذا المشغل لم يدخل الخدمة فعلياً لصعوبات تقنية وإدارية، ولا تتوافر معلومات عن دفعه مبلغ بدل الترخيص. وبعد سقوط نظام الأسد في نهاية 2024، جرى تجميد (أو إلغاء) هذا الترخيص دون توضيح قانوني.

تابعت شركتا سيريتل وMTN Syria العمل بنظام الترخيص منذ 2014؛ ومنحتهما وزارة الاتصالات السورية الموافقة على زيادات متتالية في أجور الخدمات، بذريعة الارتفاع الكبير في نفقاتهما الجارية والاستثمارية بسبب التضخم «الجامح» الناجم عن الحرب. والواقع أن أرباح الشركتين الصافية، إذا ما قُيّمت بالدولار، كانت متذبذبة (رغم رفع أجور الخدمات)، لكن هامش أرباحهما (نسبة الربح الصافي إلى مجمل الإيرادات) ارتفع من نحو 15% إلى نحو 35% خلال الأعوام 2014-2024.

مع قدوم العام 2019، بدأ يظهر إلى العلن خلاف حاد بين رامي مخلوف، المالك الرئيسي لشركة سيريتل (عبر كيانات تجارية تابعة له)، ورأس النظام السوري السابق بشار الأسد (أو زوجته أسماء الأخرس على ما كان يُشاع)؛ وبدا واضحاً أن ثمة توجهاً للاستحواذ على جميع الفعاليات الاقتصادية التي كان يسيطر عليها مخلوف. وفي أوائل 2020، لجأت الحكومة السورية إلى إعادة تقييم الترخيص الممنوح للشركتين بناءً على إيراداتهما الفعلية وأرباحهما، وطالبتهما معاً بدفع "تعويض" بقرابة 234 مليار ليرة سورية (أي ما بين 250 و300 مليون دولار). وقد رفضت الشركتان الامتثال في البداية، ثم وافقتا على التفاوض، لكن ذلك لم يمنع فرض الحراسة القضائية عليهما (سيريتل في حزيران/يونيو 2020، ثم MTN Syria في شباط/فبراير 2021). وبدا أن قضية المطالبة بالتعويض كانت في المقام الأول وسيلة للسيطرة على هاتين الشركتين.

خلال الحراسة القضائية على سيريتل (التي تولتها الشركة السورية للاتصالات)، جرى عملياً نقل ملكية الشركة (وشركات أخرى يملكها رامي مخلوف) إلى كيانات تجارية جديدة يُشاع أنها على ارتباط مباشر برأس النظام السابق بشار الأسد (أو زوجته أسماء الأخرس)، عن طريق يسار إبراهيم، إحدى الواجهات الاقتصادية الصاعدة حينها. ثم رُفعت الحراسة القضائية عن سيريتل، بعد التوصل إلى «اتفاق» مع وزارة الاتصالات، لم تتضح تفاصيله.

أما MTN Syria، فقد عُينت شركة تيلي إنفست حارساً قضائياً عليها (وهي نفسها التي تملك 25% من أسهمها!). وسرت معلومات (غير رسمية) عن أن يسار إبراهيم المذكور كان قد اشترى شركة تيلي إنفست كاملةً. وأعلنت مجموعة MTN العالمية نيتها بيع حصتها (البالغة 75%) في شركتها السورية؛ وسرت أيضاً معلومات (غير مؤكدة) عن شراء شركة تيلي إنفست لهذه الحصة. ومع سقوط نظام الأسد في نهاية 2024، كانت شركة MTN Syria ما تزال نظرياً تحت الحراسة القضائية.

المآلات الغامضة بعد سقوط نظام الأسد

منذ سقوط نظام الأسد في نهاية 2024 إلى اليوم (نهاية النصف الأول من 2025)، لم تصدر السلطات السورية الجديدة أي توضيحات عن الوضع القانوني لشركتي الاتصالات الخلوية سيريتل وMTN Syria، أو عن هيكل ملكيتهما الجديد؛ مع استمرارهما بتقديم خدماتهما في السوق السورية. وقد أُعيد تداول أسهمهما في سوق الأوراق المالية.

في الشمال، كانت شركة «سيريافون» قد أُنشئت في إدلب من قبل «حكومة الإنقاذ»، بالتعاون على ما يبدو مع شركة e-LUX في لوكسمبورغ و«تركسل» التركية. وقد قدّمت خدمات الاتصالات والإنترنت من خلال شرائح تحمل أرقاماً دولية، ولم يُفصح عن هيكل ملكية وإيرادات «سيريافون» وأرباحها في السنوات الماضية. في خطوة مفاجئة، أعلنت الشركة في نيسان/أبريل 2025 إيقاف أعمالها وتحويل مشتركيها إلى شركة MTN. .

لا تتوافر معلومات عن طبيعة الاتفاق الذي جرى مع شركة MTN، ولا عن رفع الحراسة القضائية عن الأخيرة. الغموض نفسه يسري على مصير أبراج ونشاطات شركة "تركسل" والشركات التركية الأخرى التي كانت عاملة في إدلب وشمال حلب ووسعت أعمالها في الآونة الأخيرة. كذلك، لا توجد معلومات واضحة حول الاندماج الذي أُعلن أخيراً بين شركة «تيكور» الأميركية-السورية وسيريتل.

أما في شمال شرقي سوريا، فقد استمر عمل شركتي سيريتل وMTN Syria طوال مدة الصراع، ولكن مع ضعف في التغطية، خاصةً خارج المدن الرئيسية كالحسكة والقامشلي حيث كانت المؤسسات الحكومية مستمرة في العمل. في المقابل، عملت الإدارة الذاتية على نشر شبكة Rcell لخدمات الإنترنت (ومركزها السليمانية في كردستان العراق) للتواصل عبر التطبيقات الهاتفية. وكما في حالة "سيريافون"، لا تتوافر معلومات عن إيرادات وأرباح شركة Rcell في شمال شرق سوريا. لكنّ اللافت للنظر هو حدوث انقطاع عام في شبكات سيريتل وMTN Syria منذ نيسان/أبريل 2025 في هذه المناطق لأسباب غير واضحة، يُشاع أنها تعود إلى خلافات على الإيرادات مع السلطات السورية الحالية. ويؤثر هذا الانقطاع بشكل كبير على المواطنين وعلى تبادل البيانات مع مؤسسات الدولة السورية، وكذلك على عمل فروع المصارف القائمة هناك.

من «يرث» الكعكة؟

مع إعلان الحكومة السورية الجديدة رغبتها بالانتقال إلى اقتصاد السوق الحر، وخصخصة العديد من مؤسسات القطاع العام (وهو إعلان لا يزال إلى الآن مبهماً، إذ لم يصدر في سياق أي خطة اقتصادية معتمدة ومعلنة)، تبدو شركات الاتصالات الخلوية (سيريتل، وMTN Syria، وحتى وفا تيليكوم ذات الوضع المجهول) من الشركات المرشحة لنقل ملكيتها إلى مالكين جدد. غير أن ذلك يصطدم بعقبات كثيرة، أهمها أن هيكل الملكية الجديد للشركات اليوم غير معروف، إذ لم يصدر عن السلطة التنفيذية أو القضائية إلى الآن أيُّ قرار رسمي يخص مآل الأموال التي كانت تملكها (اسمياً) الواجهات الاقتصادية للنظام السابق (رغم إعادة التداول بأسهم الشركتين في سوق دمشق للأوراق المالية). ولا يُعرف أيضاً الموقف الرسمي لمجموعة MTN من شركتها في سوريا. وإذا كانت مجموعة MTN مترددة سابقاً في استمرار علاقتها بالسوق السورية بسبب العقوبات الاقتصادية التي كانت مفروضة على البلاد، فإن الإعلان منذ مدة قريبة عن تخفيف/رفع هذه العقوبات ينبغي أن يدفعها إلى حسم موقفها. تتردد في السوق السورية اليوم إشاعات عن اهتمام شركات اتصالات في بعض دول الخليج وتركيا بالاستثمار في السوق السورية. ويُعَدُّ ذلك فرصة كبيرة لسوريا، على الصعيدين المالي والخدمي.

يتطلب بيع شركة سيريتل أو وفا تيليكوم (مع الترخيص الممنوح لكل منهما) صدور حكم قضائي (أو ربما تشريع) يُجيز ذلك. ويُفضَّل بعد ذلك الإعلان عن بيع أصول الشركة وترخيصها بمزايدة علنية (لا البيع بالتراضي)؛ ويُتوقع أن يؤدي هذا إلى تحصيل مبلغ مالي كبير يدعم المالية العامة للدولة في مرحلة التعافي، وبخاصة في حال الإبقاء على نسبة تقاسم الإيرادات بين المشغِّل والحكومة. ينطبق ذلك أيضاً على MTN Syria، بعد التفاوض مع مجموعة MTN واستطلاع رغبتها في استمرار وجودها في السوق السورية، مع الأخذ في الحسبان أن المحافظة على ترخيص شركة عالمية مشغِّلة في العديد من دول العالم مثل MTN قد يُشكل ميزة نسبية لا يجوز إغفالها.

الفرصة والتحدي

تشكل هذه الفرصة المتاحة في نقل تراخيص الاتصالات الخلوية تحدياً كبيراً أمام الحكومة الحالية، فنجاحها فيه سيُسهم في زيادة الثقة بالاقتصاد السوري، ويؤكد رغبة الحكومة السورية في الاندماج في الاقتصاد العالمي وفق أفضل معايير الإدارة والمهنية والشفافية.

على أن مستقبل شركات الاتصالات الخلوية في سوريا يظل رهيناً بجملة من الاعتبارات القانونية والاقتصادية والسياسية، في ظل غياب الشفافية من جانب الحكومة الانتقالية (حتى الآن)، ووسط تقاطعات المصالح الإقليمية والدولية المؤثرة في ترسيم ملامح الاقتصاد السوري في المرحلة المقبلة.

شركات_الخلوي_في_سوريا قطاع_الاتصالات_بعد_سقوط_الأسد

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0