× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

سرديّة الكذب، ومأساة التلقّي

عقل بارد - على الطاولة 17-07-2025

ظن بعضنا أن سقوط الطاغية قد يُسقط معه الأكاذيب، وأن الشاشات ستتعلم أخيراً قول الحقيقة. لكن في بيت دمشقي قديم، لا يزال تلفازٌ يدير وجهه للحائط كما تركه صاحبه قبل سنوات، شاهداً على أن الوجوه وحدها تتغير، أما سردية الكذب، فتجد دائماً من يستمع إليها بصمت، كالجدران.

الرسم: (Abdelghani Dahdouh - كارتون موفمينت)

في زاويةٍ مهجورةٍ من ذاكرة دمشق، وعلى أنقاضِ عمرٍ قايضه يوماً بيوم مقابل المعرفة - معرفة كل تفاصيل الوطن -  كان يدير شاشة تلفازه القديم نحو الحائط، ويدير وجهه شطر الضيف النهم للسّؤال.. (أنا).

كتبت عن ذلك العجوز مقالاً مطلع العام 2012، ونُشر حينها في صحيفة «بلدنا» خُلاصة فحواه أن الرجل المسن الّذي نجا من قصف البرلمان في 29 أيار 1945 قُتِلَ برصاصةٍ مجهولةٍ، من طرفٍ مجهول، وجرى تقاذف الاتّهامات حول قتله. وخلصتُ حينها إلى أنّه - وحده - يعرف من قَتَلَه!

لم يمضِ وقتٌ طويل منذ زيارتي الأخيرة لبيته. ما زالت شاشة التلفاز مُدارة نحو الحائط. والرجل ذو الوجه الثّابت في صورةٍ معلّقةٍ على الجدار فوق التلفاز، بكامل حضوره النقي، ما زال يدير وجهه شطر الزائر الدائم السّؤال.. (أنا).

كنت قد سألته في تلك الزيارة من العام 2012 لماذا أدار شاشة التلفاز إلى الجدار. فأجابني بجملة مختصرةٍ قاتمة: «كلهم كذّابون»! جملةٌ شاهدة على دهشة عمرٍ كامل، على تجارب متكررة من خيبات أمل، على دورة لا تنتهي من الاستبداد والمآسي التي تتكرر كما لو أن الزمن قد تجمد.

اليوم، بعد ثلاث عشرة سنة، وعقبَ سقوطَ نظامٍ دام أكثر من أربعين سنة، لا يختلف الحال كثيراً. ذلك التلفاز لا يزال موجّهاً إلى الحائط، والكذب يتكرر، والوجوه تتغير من دون أن يتبدل الجوهر. لماذا إذاً، رغم كل التحولات، تبقى قصتنا نفسها؟ لماذا تواصل شعوبنا الوقوع في الفخ نفسه؟ لماذا تتبدل أنظمة الحكم من دون أن تتغير حياة الناس؟ هل نعيش أزمةَ زمنٍ، أم أزمةً عميقةً في نسيجنا السياسي والاجتماعي؟ هذه ليست أسئلةٌ عن الماضي والحاضر، هي سعيٌ إلى فهمٍ واعٍ وعميق للأسباب التي تمنعنا من الانعتاق حقاً.

منذ عقود لم يعرف السوريون سوى نظامٍ واحد، تمدّد في الزمن حتى ظنّ بعضهم أنّه قدرُهم. نظام تفنّن في تغيير الأقنعة، لكنه لم يبدّل، يوماً، ملامحه الحقيقيّة المستبدّة. وفي «لحظةٍ دوليّةٍ» خاطفة، حين بدت عليه علامات التصدّع، ظنّ البعض أننا على وشك الخلاص. «لقد أسقطنا النظام!». لكن كلّ ما جرى ويجري بعد نقطة التحوّل تلك يدفع إلى التساؤل: «هل أسقطناه – نحن -  فعلاً؟!».  لماذا إذاً بقينا نردّد الشعارات، ونعيد تدوير المفردات، وكأنّ شيئاً لم يتغيّر؟ ظلّ الجّوهر على حاله. لم تتبدّل البنية السلطوية، بل أعادت ترتيب نفسها. فها هو الإعلام -  تلك الآلة القديمة التي لا تتوقّف عن الكذب -  يعيد إنتاجَ خطاب الأمس. ذلك العجوز الذي أدار شاشة تلفازه نحو الحائط، لم يكن يحتجّ على الكذب فقط، بل على هيمنته. فالإعلام في هذا البلد لم يكن يوماً مرآةً للواقع، بل صانعاً له على مقاس السلطة. وها هو من جديد يبرّر القمع ويسهم في استدامة الخوف! لا تزال الشاشات الرسمية تمارس الخديعة نفسها، تتبدل الوجوه، لكن الكذبة باقية. كأنّ الجملة التي قالها العجوز قبل ثلاث عشرة سنة (كلّهم كذّابون) ما زالت صالحة، بل تكاد تكون التوصيف الأدق لما جرى، وما يجري.

لماذا رغم كل التحولات، تبقى قصتنا نفسها؟ لماذا تواصل شعوبنا الوقوع في الفخ نفسه؟ لماذا تتبدل أنظمة الحكم من دون أن تتغير حياة الناس؟

في الإعلام الموجَّه، لا يعني شيئاً أن تكون الحقيقة قائمة، بل يكفي أن تُعاد صياغتها بصوتٍ أعلى لتصبح شيئاً آخر. ساهمنا، نحن، أقصد من نستمع إلى هذا الإعلام، بسهولة هذا التحوّل. هذا ما أسمّيه «التلقّي السلبيّ». هو نوع من التلقّي غير الواعي، تشكَّل عبر عقود من القمع والتضليل، ليبدو المتلقّي ميّالاً إلى تصديق الرواية الأقوى لا الأصدق، وللانحياز إلى الجهة التي تمتلك «المنصّة»، لا البرهان. هذا النمط من التلقّي لم ينشأ صدفة، بل هو نتيجة هندسةٍ طويلة الأمد لعلاقة مختلّة بين السلطة والإعلام والجمهور. المثال الأبلغ يأتي من الحقبة الستالينية في الاتحاد السوفياتي، حين وُظّف الإعلام لتصفية الخصوم السياسيين وتكريس رواية الحزب الحاكم. أمّا االولايات المتحدة في خمسينيات القرن الماضي، فتقدّم نموذجاً آخر من السيطرة الإعلامية، حوّلت المخاوف من التسلل الشيوعي إلى ما عُرف بـ«المكارثيّة»[1]، التي استهدفت أسماء كبيرةً في الفن والفكر والسياسة، لمجرد الشبهة أو الاختلاف. تلك الحملة التي أقصت قاماتٍ مثل شارلي شابلن، وآرثر ميللر، وسواهما، ووضعتهم في قوائم سوداء، لم تكن عابرة، بل كانت تجسيداً لما يمكن أن يفعله الإعلام حين يتحوّل إلى أداة اتهام لا مساءلة. 

أخشى أنّنا اليوم أمام «مكارثية سوريّة»، لا تختلف في جوهرها. تُشيطن فئاتٍ كاملة من الناس، وتُعيدُ صياغة الخوف الداخلي في قالبٍ إعلامي يُحاكي ضرورات «الاستقرار في الفترة الانتقالية». وهكذا يُقصى المختلف ويُخوَّن المعترض، وتُحاك السرديّة الرسمية بخيطٍ واحد من الصمت والتهديد. ولا يزال التلقّي السلبيّ قائماً، لا يرى أبعد من الشّاشة، ولا يشكّك في ما يُقال له، طالما أن الصوت عالٍ والخطاب مشغول على مقاس الخوف. والسّلطة تفعلُ ما تريد.

في العام 2012، عند لقائي الأخير برجلنا العجوز، لم أنتبه، يومها، إلى تفصيلٍ دقيقٍ جدّاً، أو لعلّها خيالاتي الرمزيّة هي الّتي اخترعت ذلك التفصيل: شاشة التلفاز في مقابل الجدار. الجدار الأصم الّذي لا يبدي ردّة فعلٍ أبداً. الصّامت، الّذي لا يتبدّل. هل كان العجوز يقصد أننا نحن هذا الجدار؟ نعم، هو ذا مقصدُ العجوز إذاً. الصّورة لم تتبدّل. وجهُ العجوز المُعلّق فوق الجهاز لا يزال يرمق الداخلَ بعينٍ نصف مطفأة، كمن ينتظر جواباً لم يأتِ. صوتهُ ظلّ يتردّد «كلّهم كذّابون». يقيناً، لم يكن يتّهم الإعلام فحسب، إنّه يديننا جميعاً. يدين فينا الصّمت الدائم. والاستسلام للروايةِ كأننا جدرانٌ يُعلّقون علينا ما أرادوا من صور. وسنبقى كذلك إلى أن يتحوّل فينا فعل التلقي من «عادةٍ موروثةٍ» إلى فعلٍ واعٍ، ناقدٍ، ومنتج.

 

[1] المكارثيّة (McCarthyism): مصطلح يعبّر عن حملة سياسية في الولايات المتحدة قادها السيناتور جوزيف مكارثي في خمسينيات القرن الماضي، اشتملت على اتهام شخصيات عامة بالشيوعية والتجسس دون أدلة كافية، ما أدى إلى تهميشهم وملاحقتهم، خصوصاً في الأوساط الثقافية والإعلامية.

الإعلام_السوري الخطاب_الإعلامي_الرسمي_في_سوريا

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0