التحليل النفسي للقهر: حين يُعاد تشكيل الفرد من الداخل
كان الصبي يسرق الكعك من المطبخ. ليس جائعاً، بل لأنه يحب أن يضع قطعاً صغيرة في جيبه، يخرج بها إلى الشارع، يتناول قطعةً منها يتلذّذ بها، وكأنه يمارس طقساً سرياً يعيد ترتيب العالم وفق مذاقه.
رآه أبوه، فلم يضربه، ولم يصرخ، بل فعل ما هو أسوأ: أنزله إلى وسط الغرفة، وأمره أن يقف أمام إخوته وأمه، ثم قال له بصوت بارد: «قل لهم إنك لصّ»! تلعثم الطّفل، صرخ الأب: «بصوتٍ عالٍ!»..
ارتجف الطفل وبكى. نهره الأب من جديد غاضباً: «قلها!». قالها الطفل وبكى أكثر. «أنا لص!» عبارة كُتِبَتْ على ورقةٍ علّقها الطفل مجبراً على باب غرفته. هكذا رأى الوالد أن يربّي جميعَ أبنائه. وهكذا صار الطفلُ ينظر إلى كل لذة بريئة على أنّها جريمة محتملة.
كان الأبُ موظفاً بسيطاً. يعود كل يوم محمّلاً بهمومه، محبطاً، منهكاً من رئيسه، من الدولة، من الخوف، من الحياة. فكان أن نقل قمعه إلى الحلقة الأضعف في منزله، فدرّبَ أطفاله على الرضوخ لا على الحب.
من هذه البؤرة الصغيرة يبدأ ممدوح عدوان كتابه. ليس من السجن، بل من البيت. ليس من الزنزانة، بل من الكلمة. حيث يُمكن للقمع أن يرتدي وجه أبٍ، معلمٍ، شرطيٍّ، أو حتى صديق. هنا يُعاد إنتاج الوحش فينا، بصمت.
ليس كتاباً عن السّجون
«حيونة الإنسان» ليس كتاباً في علم النفس، ولا في السياسة. إنه نصّ هجومي، متوتر، ينزف الألمَ، يعصف بالقارئ، ثم يتركه أمام مرآة ذاته. /224/ صفحة موزعة على عشرين فصلاً، كتبت بأسلوب يجمع بين السخرية الموجعة والتشريح النفسي العميق، بلغة تقف على حافة الشعر.
ممدوح عدوان، الشاعر والمسرحي السوري، لا يتحدث هنا بوصفه مفكراً سياسيّاً، بل شاهداً على زمن السقوط، مستشرفاً له، فاضحاً البنية الداخلية التي تجعل الإنسان قابلاً للقهر... بل وقادراً على ممارسته.
«الحيونة» لا تأتي من العدم!
الفكرة المحورية في الكتاب تتلخّص في عنوانه «حيونة الإنسان»؛ إعادته إلى كائن بدائي، لا يملك استقلالاً أخلاقيّاً، ولا إرادة، ولا موقفاً، بل يتحرك بدافع الخوف، أو الطمع، أو الانقياد التلقائي. وهذه «الحيونة» لا تأتي من العدم، بل تُصنع بطريقة ممنهجة، من خلال أنظمة القمع التي تمزّق الإنسان داخلياً، ثم تعيد تشكيله ليصبح أداة طيّعة، أو رقماً في آلة الطاعة، أو جلاداً جديداً حين تسنح له الفرصة.
«أنا لا أتهم إنساناً محدّداً، ولا شعباً بعينه. ولكنني أتحدث عن أنظمة كاملة، لا تصادر الحريات فقط، بل تصادر الوعي أيضاً، وتصنع الإنسان على مقاس قهرها» (ص 7).
هذا الإنسان «المُقَهَّر»، كما يسميه عدوان، لا يعود يعرف نفسه؛ يختلط عليه الجلاد بالضحية، وقد يتحوّل إلى خصم للحرية من دون أن يدري، تماماً كما فعل الأب في الحكاية السابقة.
المصيبة تتجاوز الخوف من الحرية إلى ما هو أخطر: الإعجاب بالجلاد، فلا يكتفي الإنسان بالخضوع، بل يبدأ بتمجيد من يقهره، والدفاع عنه، والاحتماء بظله!
المشكلة، إذاً، في أنّ الإنسان الأعزل، «الذي لا يملك إلا قلبه، قد يصبح رقماً في آلة القتل التي لا تميّز بين طفل أو شيخ» (ص 13). هو، تماماً، واقعٌ في ورطة القهر، هذه الورطة غير الطارئة. إنّها فخ المؤسسات المحكم، والقوى المتعددة الأخرى، من الدولة إلى الأسرة، من الإعلام إلى المدرسة، حيث يُحرم هذا الإنسان من الخيارات الحقيقية، ليصبح إما خاضعاً أو هارباً، وكلتا الحالتين تؤدي إلى المزيد من التمزق الداخلي.
في داخل كلٍّ منّا جلاد كامن
هل نحن ضحايا فحسب؟ يجيب عدوان: «كل مجتمعات القمع تلد في داخل كل فرد منها جلاداً كامناً، ينتظر الفرصة ليُمارس العنف ذاته الذي يعاني منه» (ص 27).
الصمت أمام الظلم، والتجاهل، والتواطؤ غير المعلن؛ كلها أشكال خفية من القتل اليومي للكرامة. لا يمكن النظر إلى الضحية فقط بوصفها «بريئة»، فصمتها يفتح أبواب القمع.
الخضوع المستمر والسكوت يجعلان الضحية جزءاً من آلة القمع، لأنّ «الذين يرضون بالذلّ يوماً، يجعلون ذل الغد حتمياً» (ص 42). الخضوع أحياناً يكون خياراً أليماً تحت ضغط الخوف، لكنه يغذي القهر ويعمقه، ويتحول الذل إلى نمط حياة متوارث، والوعي النقدي هو الخطوة الأولى للخلاص.
لكن! من هو الجلاد؟ من المؤكّد أنّه ليس شخصاً وحيداً، بل منظومة تمتد فينا وتحيط بنا.
إنّ «الجلاد الحقيقي هو ذلك الصوت الداخلي الذي يبرر القمع، ويبرر العنف، ويقنعنا بأن الصمت أفضل من المقاومة» (ص 58). فالقمع ممارسة داخلية تتخذ أشكالًا مختلفة: من العدوان اللفظي اليومي إلى القهر المؤسسي. الصمت أمام ظلم صغير يشارك في صنع جلاد صغير يحمل سمات النظام الكبير.
معادلة القمع والاهتمام المفرط
أحياناً يأتينا القمع في هيئة اهتمام مفرط، على هيئة حماية زائدة، أو هيئة وطن يُحبّك حتى يخنقك. يذهب عدوان في هذا الفصل إلى ما هو أعمق من السوط المباشر، ليتأمل في طغيان الأبوّة، وهي تتجلى في شكل أنظمة تعتبر الإنسان قاصراً عن تقرير مصيره، فتفرض عليه شكل حياته، ورأيه، وطريقته في الشعور.
الاحتقار الذاتي المتسلّل إلى العقل الباطن، يجعل الإنسان يسخر من أي حديث عن الكرامة، ويتهكّم على أي نداء للتمرّد، وكأنّه يحرس قيده بنفسه!
إن الخطر الحقيقي، كما يراه عدوان، ليس في القمع بحدّ ذاته، بل في قبوله، حين نقتنع أن هذا هو «الوضع الطبيعي»، فنخاف الحرية أكثر مما نخاف السجن.
«القهر الذي يتحول إلى حاجة، والطاعة التي تصبح راحة، هي أسوأ أنواع الاستعباد» (ص 63). حينها، لا تعود الحرية حلماً، بل عبئاً، ولا يصبح السجّان عدوّاً، بل أباً قاسياً، لكنه «يعرف مصلحتنا». هكذا، وبهدوء، نوقن أنّ القيد أرحم من الضياع، وأنّ الولاء التام أكثر أماناً من المخاطرة؛ هنا تبلغ «الحيونة» ذروتها.
ذروة الخراب الداخلي
المصيبة لا تتوقف عند حدود الخوف من الحرية، بل تتجاوزها إلى ما هو أخطر: «الإعجاب بالجلاد». تلك اللحظة التي لا يكتفي فيها الإنسان بالخضوع، بل يبدأ بتمجيد من يقهره، والدفاع عنه، والاحتماء بظله! يصف عدوان هذا الانقلاب النفسي المؤلم، حين تُزيَّن الصورة القبيحة، وتُمنَح الوحشية معنىً بطوليّاً.
هنا، يصبح الجلاد بطلاً قومياً، رمزاً للسيادة أو للنظام. وهكذا، يُعاد تعريف الكرامة بطريقة مقلوبة: أن تحني رأسك من تلقاء نفسك، فتظن أنك تنجو. فـ «حين يعجز المقهور عن كسر القيد، فإنه يحبّه، أو يلبّسه شعارات عظيمة، ليبرّر عجزه عن الثورة عليه» (ص 69).
وهكذا، لا يبقى القمع أداة فوقية مفروضة، بل يتحول إلى جزء من قناعة داخلية، إلى لغة يومية، وإلى قيمة أخلاقية في مجتمع فقد معاييره. عندها لا يُطالب أحد بالخلاص، بل يُطالب الجميع بالمزيد من الضبط، والرقابة، والأوامر… والمزيد من الحبّ للقائد.
أعجبُ ما في الأمر أن هذا القهر لا يكتفي بجعلنا نحب الجلاد. لا، بل يدفعنا أحياناً إلى احتقار أنفسنا حين تتكرّر الهزائم في داخلنا، فيبدأ الإنسان بالنظر إلى نفسه بوصفه كائناً ناقصاً، لا يستحق الحياة الكريمة، ولا يثق حتى بقدرته على الحلم، عندها تتشكّل لديه صورة عن ذاته لا تختلف كثيراً عمّا يروّجه الجلاد عنه: متخلّف، همجيّ، يحتاج إلى التأديب والرعاية والقيد. ومن هنا يبدأ ما يسميه عدوان «الخراب الداخلي»، إذ يفقد الإنسان احترامه لذاته، ويبدأ بجلد نفسه كلما فكّر في الحرية.
سخرية من الكرامة
«الأمم المقهورة تبدأ بكراهية نفسها، وتردّد ما يقوله الجلاد عنها، وتعتبره حكمةً أو حقيقةً ثابتة» (ص 75).
هذا الاحتقار الذاتي، المتسلّل إلى العقل الباطن، يجعل الإنسان يسخر من أي حديث عن الكرامة، ويتهكّم على أي نداء للتمرّد، وكأنّه يحرس قيده بنفسه. حينها لا يعود السجن جدرانًا، بل قناعة راسخة بأنّ «هذا هو مكاننا الطبيعي».
تالياً؛ يتجاوز هذا الخرابُ الإنسانَ ليمتد إلى لغته؛ تلك الأداة التي يُفترض أن تكون وسيلة التعبير، تتحوّل إلى وسيلة قمع، فحين تفرغ اللغة من معناها، وتُستعمل لتبرير القهر، تصبح الكلمات أقنعةً لا تقول شيئاً. يتأمّل عدوان في كيف يتحوّل الخطاب الرسمي، والإعلامي، وحتى التربوي، إلى بلاغة خشبية تخدّر العقول، وتحشو الرؤوس بشعارات جوفاء.
هناك، تصبح «الحرية» مرادفة للفوضى، و«الكرامة» كلمة خطيرة، و«الوطن» لا يُناقش، بل يُهتف له فقط.
«اللغة الممسوخة تُستخدم لتزييف الوعي، فتُفرَغ المفاهيم من معانيها، وتُحوَّل إلى أدوات تضليل» (ص 81).
هكذا، يفقد الإنسان قدرته على التسمية، على الفهم والتعبير الصادق، ويصبح أسيرَ مفردات لا يملكها، يخاف أن يكتب، ويقول، ويصرخ، أو حتى أن يفكّر، فاللغة، التي كانت يوماً ما أداةَ تعبيرٍ للانطلاق والتحرر، باتت هي ذاتها الآن سجناً لغويّاً يبدو أنّه أبدي.
بهذا يصل الجزء الأول من قراءة «حيونة الإنسان» إلى ذروة الأسى الداخلي، حين يتحوّل القمع من عنف مادي إلى قيد نفسي داخلي. ليست المشكلة في السلطة فقط، بل في الإنسان الذي أعاد تشكيل ذاته على مقاس خوفه، وارتضى أن يحمل نسخته الخاصة من الجلّاد في قلبه ولسانه وعقله.
في الجزء الثاني، سنتابع كيف ينتقل هذا القهر من الداخل إلى الفضاء الاجتماعي، إلى الجماعة واللغة والخيال، وصولاً إلى مرحلة تصير فيها اللغة سجناً، والغضب تهمة، والسكوت فضيلة، ويتحوّل فيها الحياد إلى شكل متقن من أشكال الخيانة!
