«يا إلهي، ساعدني لأرى عدوّي، دعني أُدقّق في وجهه قبل أن أموت، كي لا أُقتل كما العُميان، ولكن إن أمكن، فدَعني أهرب منه».
هذه عبارة كتبها برتولت بريخت على لسان شخصيّته الرئيسية (آزداك) في مسرحيته الشهيرة «دائرة الطباشير القوقازيّة»، وذلك بعد أن قامت ثورة لم يستطع أن يتخذ فيها قراراً واضحاً بشأن من هو عدوّه أو صديقه (المتمرّدون أم جيش الأمير). ولذلك، إذا تهتَ عن درب عدوك أو لم تعلم من هو صديقك، فاعلَم أن الحالة ليست بجديدة، وخصوصاً في «الثورات». غير أنني أشك أن لدى بريخت جواباً لحالتي بما أنني سوريّ، لا سيما بعد أن أصاب معظمنا جنون البحث عن عدوّ بأي ثمن.
من يقرأ تاريخ البشرية يعلم أن حالة البحث عن عدو، كيفما اتفق وأياً كان، كانت حاضرة دائماً في السُّعار البشري اليومي. لذا، ليس من المفاجئ أن تكون رواية «دون كيخوته» هي ثاني أكثر كتاب قراءةً على مستوى العالم (بعد الإنجيل). حين سُئل الشاعر الأرجنتيني الشهير خورخي لويس بورخيس عن سبب ذلك قال: «لأن البشر لا يتوقّفون عن رؤية أنفسهم فيه». بورخيس، الذي أصيب بالعمى باكراً، كان يعرف ما يريده البشر دون أن تلزمه عينان: طاحونة هواءٍ لقتالها.
لكن نصيحتي لك أيها السوري، وأنت تتخذ خيارك البشري المفضل في البحث عن طاحونة لترديها أرضاً بسيفك أو كلاشنكوفك (أو بطائرة «شاهين» حديثاً)، بعد أن تسألها عن دينها أو تطلب منها العواء، هي أن تنتقيها من الخشب والحديد والمسامير، تماماً كما فعل دون كيخوته. ومن فضلك، ومن بعد إذن شاربيك - هذا إن لم يكن أحدهم قد حلقهما كرهاً أو طوعاً أو «تأديباً عقائدياً» - لا تنتقِها من لحم ودم وعواطف، حتى وإن بدا لك أنها تدور في فضاء فارغ لا معنى له، كما تفعل كل الطواحين.
قد تنتقي السلطة من خردتها شعراء العمود وأدباء الكلاسيكيات لتسلّمهم المناصب الثقافية، وليرتقوا المنابر الأدبية أو السياسية
في النهاية، تكسّرت الطواحين في بلادي على امتداد عشرات الإمبراطوريات، حتى تولّدت لديّ قناعة بأننا على ما يبدو «دكان خردة الإمبراطوريات». لكأن كل إمبراطورية مرّت عبر التاريخ استخدمت هذا الوطن مستودعاً لها، وبإمكانها أن تعيد بناء طواحينها من الخردة المتناثرة هنا وهناك إلى أبد الآبدين!
ولذلك، من النادر أن يستطيع حكمنا أحدٌ ما لم يكن بارعاً في تجميع الخردة وإعادة تدويرها، أو بارعاً في صناعة الأعداء وتزيين الطواحين بالسيوف والمعتقدات والأقنعة الكافية لإقناع بقية «الدونكشوتات» بالهجوم عليها. ولهذا السبب أيضاً، ديكون علينا أن نكتب على باب مبنى الأمم المتحدة: «مطلوب خبير خرداوات وطواحين هواء مستعملة للعمل رئيس دولة أو رئيس برلمان».
والخردة ليست تراثاً مادياً فحسب، بل هي أيضاً تراث لا ماديّ أطول قامة من المسامير والأخشاب وأمضى عمراً. ولربما تنتقي السلطة الآن من خردتها شعراء العمود وأدباء الكلاسيكيات لتسلّمهم المناصب الثقافية، وليرتقوا المنابر الأدبية أو السياسية. إذ يتماشى تقديس الحالة الكلاسيكية مع تقديس التاريخ بكل معطياته، وربما «بمجازره» أيضاً. هذا ما رآه أدونيس في «الثابت والمتحوّل»، وهذا هو أيضاً رأي معظم مؤرخي الأدب اللاتيني. ومن الطبيعي أن ننتقي شاعراً يفضّل استخدام السيف والترس في قصائده، حين يكون «جيش» بلادك يفضّل استخدامها أيضاً.
اختار بريخت لآزداك في النهاية أن يصبح قاضياً، ليفصل في أكثر القضايا الأخلاقية التي تدور حولها مسرحيّته محوراً: أحقية الأمومة بين أمٍّ متبنية ربّت الطفل وأمٍّ حقيقية تخلّت عنه. وكان هو من رسم دائرة الطباشير القوقازية ليقضي بينهما.
لم يجبنا بريخت عما إذا كان آزداك قد علم من هو عدوه أم لا. ربما ليس من الضروري أن تعرف عدوك كي تكون قاضياً، خصوصاً في بلادٍ يمكن تلخيصها بالطواحين والدونكشوتات. ليتركنا بريخت، نحن السوريين، نتساءل عمن سيرسم لنا دائرة طباشير تحدد أحقية امتلاكنا للبلاد؟
بريخت ذاته الذي صرخ يوماً وهو يُجبر عشيقته على إجهاض ابنهما: «إن ابناً يمكن أن يدمّر كل سلامي النفسي!». ولا أدري ما وجه اعتراضه على الإنجاب، رغم أنه لن يضطر إلى تعليم ابنه «العواء»، أو تدريبه على إطلاق الرصاص من بندقيته أو تلقّيه في صدره.
أما بورخيس، فقد تسلّم إدارة المكتبة الوطنية في بلاده قائلاً: «لقد أعطوني ثمانمئة ألف كتاب والعمى!».
فهل تصارع عشرون مليون طاحونة هواء سورية في وجه دون كيخوته أعمى، لا يملك حتى «سانشو» واحداً يردعه عما سيفعل؟