الصورة: (مسلّح يتبع للإدارة الجديدة يحرس مصرف سوريا المركزي عقب سقوط النظام / EFE/EPA/Hasan Belal)
لم يبتدع «حزب البعث» هيمنة الدولة على المصرف المركزي، لكنه ذهب بها إلى أقصى مداها. واليوم، وبعد انهيار منظومة «البعث»، نفتح أعيننا من جديد على مشهد بات مألوفًا: مؤسسة نقدية موازية تحت مسمى «مصرف خاص»، تضطلع بمهام سيادية بعيداً عن أي شفافية أو مساءلة، فيما يراهن أصحاب القرار على سياسات تثبيت شكلي للعملة، وجذب رساميل لاستثمارات بلا إنتاج، وإعادة تدوير الريوع. فهل نحن أمام إعادة إنتاج الماضي بأدوات جديدة، أم أمام فرصة ضائعة لبناء نظام نقدي مستقل يخدم إعادة الإعمار، وبناء الدولة؟
ولادة بتصفيق حار
في ربيع العام 1953، اجتمع كبار المسؤولين في مدرج جامعة دمشق لإطلاق المرسوم الجديد لإحداث المصرف المركزي السوري. وقف وزير المالية محمد سعيد الزعيم، رجل الاقتصاد القوي في ذلك الوقت، ليعلن أمام الحضور: «اليوم نطوي صفحة الانتداب ونكتب فصل السيادة الاقتصادية». كان التصفيق حاراً، والوعود كبيرة: استقرار نقدي، نمو اقتصادي، واستقلالية عن هيمنة الخارج التي فرضها مصرف سوريا ولبنان ومن ورائه ثلة من أكبر مصارف فرنسا. كانت لحظة لإعلان الاستقلال الاقتصادي بعد ثماني سنوات على رحيل آخر جندي فرنسي عن البلاد.
لكن خلف تلك الكلمات الرنانة، كانت ملامح اللعبة القديمة تلوح بوضوح. فالمصرف الوليد لم يُبنَ ليكون مؤسسة مستقلة، بل أداة تحركها موازين القوة السياسية وتخدم مصالح فئات صاعدة يسعى الحاكم الفعلي الجديد أديب الشيشكلي إلى تقريبها، بعدما حل مجلس النواب تمهيداً لتغيير الدستور، على حساب الأعيان التقليديين من ملاك الأراضي وتجار السوق القديمين. ورغم كل الوعود بالاستقلال النقدي وبناء احتياطي جديد من الذهب، لم يذهب المصرف المركزي بعيداً عن سياسات الانتداب، حين كانت السياسة النقدية مجرد أداة لتعزيز مركزية الدولة في الاقتصاد بدل أن تكون أداة لتنمية مستقرة.
إرث الانتداب: طفرة نقدية بلا طائل!
في سنوات الحرب العالمية الثانية، شهدت دمشق وحلب ظاهرة لم يعرفها السوريون من قبل: طفرة نقدية بلا مقابل. فجأة، أصبح المال وفيراً، لكن الخبز شحيح، والأسعار تحلق في سماء لا سقف لها. كانت الأسواق تغلي تحت ضغط إنفاق الحلفاء الهائل في إطار اقتصاد الحرب، فيما كان مكتب القطع يفرض قيوداً على العملات الأجنبية، و«بنك سوريا ولبنان» يواصل ضخ الليرات لتمويل النفقات العسكرية والصفقات الحكومية. تضاعفت الكتلة النقدية أكثر من ستة أضعاف بين 1939 - 1944، وارتفع مؤشر غلاء المعيشة إلى أكثر من ستة أضعاف، بينما بقي سعر الصرف ثابتاً شكلياً بفضل ارتباط الليرة بالفرنك الفرنسي، ومن خلاله بالجنيه الإسترليني.
التاريخ السوري يقدم درساً صارخاً: حين تتحول السياسة النقدية إلى أداة في لعبة السلطة، تغدو التنمية مؤجلة، والتضخم حتمياً، والفقر نتيجة طبيعية
بالنسبة للسوريين، كان المشهد عبثياً: العملة الوطنية قوية في الخارج، لكنها بلا قيمة في السوق المحلية. كتب أحد الصحافيين يومها: «الليرة تشتري لك في باريس ما لا تشتريه لك في سوق الحميدية». هذا التناقض لم يكن مصادفة، بل نتيجة نظام نقدي صُمم لخدمة مصالح سلطة الانتداب لا حاجات الاقتصاد السوري. فالربط المصطنع بالفرنك الفرنسي وفر استقراراً اسمياً، لكنه عطل أي سياسة نقدية وطنية، وأبقى الاقتصاد رهينة سياسات المركز الاستعماري.
الأخطر؛ أن الوظائف السيادية التي كان يفترض أن تؤديها مؤسسة نقدية وطنية، كانت في يد «بنك سوريا ولبنان»، وهو بنك تجاري خاص تهيمن عليه المصالح الفرنسية. هذا البنك امتلك حق إصدار العملة، وإدارة الاحتياطات، والتحكم بالائتمان، وكل ذلك من دون مساءلة سياسية سورية. عملياً، كانت السياسة النقدية أداة بيد القوى الاستعمارية، تُستخدم لامتصاص الفوائض المحلية لصالح المجهود الحربي، فيما تُرك الاقتصاد السوري بلا حماية، والأسواق الداخلية مفتوحة أمام التضخم وفوضى الأسعار. في ظل هذه المعادلة، لم يكن غريباً أن تُخلق ثروات طارئة لفئة محدودة من الوسطاء والمضاربين، بينما ازدادت هشاشة البنية الإنتاجية، خاصة الزراعية منها، وتفاقمت الفجوة الاجتماعية. البرجوازية السورية لم تكن وليدة عبقرية سورية كما يخال للبعض اليوم، بل جاءت نتيجة ارتباط عميق باقتصاد سياسي ولدته الحرب العالمية الثانية.
المصرف المركزي ولعبة إعادة توزيع النفوذ
جاء تأسيس المصرف المركزي السوري في 1953 تتويجاً لاتجاه عالمي بعد الحرب، مفاده أن البنك المركزي يجب أن يكون أداة فعالة في يد السلطة التنفيذية لإدارة اقتصادات ما بعد النزاعات وإعادة الإعمار. قاد عملية صياغة القانون الخبير البلجيكي كراكو، بمشاركة نخبة من الكفاءات الوطنية، واستُشير عدد من أبرز الخبراء الدوليين، كان آخرهم هيالمار شاخت، حاكم البنك المركزي الألماني قبل الحرب، وصاحب شهرة عالمية في إعادة بناء الاقتصاد الألماني بين الحربين.
شاخت المعروف بوصفاته النقدية التي تجمع بين الانضباط المالي والصرامة في ضبط الإصدار النقدي، صار بعد الحرب، وبعد تبرئته من تهم النازية، مستشاراً للعديد من الدول النامية، وبات أكثر قبولاً للتداخل بين وظيفة استقرار العملية ومتطلبات النمو الاقتصادي والإعمار. هذا النوع من التفكير الاقتصادي كان ملائماً للمناخ السياسي في ظل نظام رئاسي سوري لم يكن ليسمح باستقلالية حقيقية لمؤسسة سيادية بهذا الحجم.
في محاولة لتجاوز إرث «بنك سوريا ولبنان» الذي خضع لعقود لهيمنة المصالح الفرنسية، أراد وزير المالية محمد سعيد الزعيم وضع أسس مؤسسية تمنح المصرف صلاحيات سيادية: إصدار العملة، إدارة الاحتياطات، ضبط السيولة، ومراقبة المصارف التجارية. لكن بين السطور، كانت أيديولوجية تدخل الدولة هي القاعدة الصلبة لذلك الزمن، وجاءت الأولويات السياسية أكثر وضوحاً من أي حديث عن استقلالية نقدية. أديب الشيشكلي، الذي كان قد باشر بتعديل الدستور لترسيخ نظامه الرئاسي (دون علم فوزي السلو الرئيس الشكلي الذي استخدمه الشيشكلي مؤقتاُ إلى أن استقر له الأمر)، أدرك أن المصرف المركزي يمكن أن يتحول إلى ذراع للتحكم بالائتمان وتوجيه تدفقات الريع، وخلق طبقة اقتصادية بديلة عن الأعيان التقليديين من ملاك الأراضي وتجار السوق القديمين. وهكذا، بدلاً من أن يصبح المصرف صمام أمان للاستقرار، تحول بسرعة إلى أداة في لعبة إعادة توزيع النفوذ..
رغم الشعارات عن «الاستقلال النقدي»، لم يتغير جوهر السياسة الاقتصادية: تثبيت العملة بأي ثمن، حتى لو أدى ذلك إلى خنق الإنتاجية المحلية وتآكل القوة الشرائية لطبقة وسطى كانت بالكاد تتشكل بعد الاستقلال. جرى الاقتراض لبناء احتياطي ذهبي لتعويض سوريا عن مخزونها الذي فقدته بانفصالها عن «بنك سوريا ولبنان»، لكن التمويل ظل يعتمد على الإصدار النقدي لتغطية النفقات العامة، في غياب رؤية واضحة للتنمية الإنتاجية. وضع كراكو (ووافقه شاخت) إطاراً تقنياً متيناً، لكن القرار الفعلي بقي رهينة إرادة السلطة السياسية، وهذه فضلت السيطرة على المفاصل الاقتصادية بدل تركها لقواعد السوق أو رقابة مؤسسية مستقلة. في الأسواق، لم ينعكس كل هذا الحراك على استقرار الأسعار أو توازن العرض والطلب؛ بقيت السلع الأساسية تحت ضغط، واستمر التضخم في النخر في دخول الطبقات الشعبية.
أداة متوارثة
عندما سقط الشيشكلي في 1954، عاد الأعيان التقليديون إلى مجلس النواب، لكنهم اكتفوا بالصراع على المقاعد وتركوا قانون المصرف المركزي كما هو: أداة في يد أي سلطة تنفيذية مقبلة لتمويل شبكات الولاء. لاحقاً، استخدم جمال عبد الناصر احتياطات الذهب في دفع رواتب كبار الضباط والموظفين المصريين خلال الوحدة، ثم أعاد ما تبقى منها إلى حكومة الانفصال. أما جوهر القانون، فبقي كما وُضع العام 1953، مرتبطاً بمركزية القرار السياسي، ليكون نقطة انطلاق لتغوّل الدولة على السياسة النقدية، وصولاً إلى سنوات البعث وما تلاها.
اليوم، وبعد انهيار منظومة «البعث»، نفتح أعيننا من جديد على مشهد بات مألوفًا: مؤسسة نقدية موازية تحت مسمى «مصرف خاص»، تضطلع بمهام سيادية بعيداً عن أي شفافية أو مساءلة
مع وصول البعث إلى السلطة في 1963، خضع قانون المصرف المركزي لتعديلات متكررة، ولكنها في المجمل أبقت جوهره كما هو: أداة في يد السلطة التنفيذية. لم يكتفِ «البعث» بذلك، بل عمّق التبعية وحوّل المصرف إلى ركيزة للاقتصاد الموجه. مع التأميم في منتصف الستينيات، اختفت المصارف الخاصة، وأصبح المصرف المركزي ليس مُصدر النقد فحسب، بل من يحدد الإقراض، ويموّل القطاع العام بلا قيود كفاءة.
هذه السياسة، التي رُوّج لها تحت شعار «العدالة الاجتماعية»، أفرزت اقتصاداً ريعيّاً يعتمد على فوائض ظرفية: دعم الحلفاء الخارجيين، وتحويلات النفط بعد حرب 1973. وحين جفّت الموارد في الثمانينيات، لجأت الدولة إلى الإصدار النقدي المكثف، ما فجّر التضخم فيما ظل سعر الصرف ثابتاً شكلياً، في تكرار لمشهد الانتداب. ما وجه الأسواق من الاقتصاد الرسمي إلى الأسواق السوداء.
في الثمانينيات، أدى انخفاض أسعار النفط، وتراجع المساعدات العربية، والجفاف، إلى أزمة اقتصادية حادة. لجأت الحكومة، التي كانت تسيطر بشكل كامل على المصرف المركزي، إلى الإصدار النقدي المكثف لتمويل العجز في الموازنة. هذا التمويل دون غطاء حقيقي أدى إلى تضخم هائل.، ففي العام 1987، وصل معدل التضخم السنوي في سوريا إلى مستوى قياسي بلغ 59.5%، وكان الأعلى منذ 1960. في الوقت نفسه، انخفضت قيمة الليرة السورية بشكل كبير، إذ فقدت نحو 12 ضعفاً من قيمتها منذ منتصف الثمانينيات.
«تحرير» وهمي.. للاقتصاد
في عهد بشار الأسد، جرى الحديث عن «تحرير الاقتصاد»، لكن استقلالية المصرف المركزي بقيت وهمية، وظل أداة لضبط السوق، وتثبيت العملة ولو على حساب الإنتاجية والنمو. ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية لم يبق له من دور حقيقي سوى تمويل شبكات الولاء، عبر مشاريع ريعية وضمانات غير واقعية لاستقرار العملة نسبياً مدعومة بمنظومة أمنية وأدوات قمعية بعد أن هوى الاقتصاد بشكل متسارع في السنوات الأولى بعد 2011. تغيّر القانون مراراً، لكن العلاقة العضوية بين السلطة والسياسة النقدية لم تتغير. وحتى لحظة سقوط النظام في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، ظل المصرف المركزي أداة سياسية أكثر من كونه مؤسسة لحماية الاستقرار المالي.
بعد انهيار منظومة البعث، كان الأمل أن يشكل الفراغ فرصة لإعادة بناء السياسة النقدية على أسس جديدة: استقلالية، شفافية، وربط أدواتها بالتنمية الإنتاجية لا بتثبيت شكلي للعملة لصالح استقطاب الاستثمارات الريعية الخارجية. لكن ما نشهده لا يوحي بذلك. الاعتماد المتزايد على مؤسسات نقدية خاصة (بنك الشام) موازية لمصرف سوريا المركزي، يعيد إلى الأذهان منطق بنك سوريا ولبنان أيام الانتداب: وظيفة سيادية بيد مؤسسة لا تخضع لمساءلة عامة، بل تديرها شبكة مصالح مرتبطة بالسلطة التنفيذية.
هذه الممارسات ليست تفصيلاً تقنياً، بل تؤسس لنمط اقتصاد سياسي خطير: عملة مثبتة شكلياً عبر أدوات غير شفافة، تدفقات نقدية موجّهة نحو مشاريع ريعية، واستثمارات خارجية بلا التزامات إنتاجية حقيقية.
النتيجة المتوقعة؟ تعميق فجوة الثروة، وخنق أي ديناميكية تنموية، وربط الاستقرار المالي بموازين القوة السياسية لا بمؤسسات مستقلة.
التاريخ السوري يقدم درساً صارخاً: حين تتحول السياسة النقدية إلى أداة في لعبة السلطة، تغدو التنمية مؤجلة، والتضخم حتمياً، والفقر نتيجة طبيعية.
لا نحتاج اليوم إعادة تدوير الوصفات القديمة، بل نحن في أمس الحاجة إلى نقاش وطنيّ جاد حول نموذج اقتصادي يضمن استقلالية المصرف المركزي، ويكبح نزعة تحويله إلى أداة سياسية. وإلا، سنكتشف بعد سنوات أننا لم نغادر الدائرة القديمة، بل أعدنا رسمها بشعارات جديدة.