× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

«المنحة الهنغارية» للسوريين: طوق نجاة ينتهي بالتّيه الأوروبي!

حكاياتنا - خبز 13-08-2025

لسنوات فتحت «المنحة الهنغارية» أبواب أوروبا أمام مئات الطلاب السوريين، لتبدو بمثابة طوق نجاة. لكن سرعان ما يكتشف هؤلاء الشباب أن الفرصة ليست سوى محطة عبور مؤقتة نحو المجهول. ففي بلد يحكمه فيكتور أوربان بخطاب معادٍ للأجانب، وقوانين تضيق الخناق على مستقبلهم، يجدون أنفسهم تائهين بين خيارات متفاوتة السوء. سقوط النظام السوري، بالتزامن مع الغموض السياسي في أوروبا، يجعل سؤال «ما الخطوة التالية»؟ أكثر إلحاحاً

الصورة: المبنى الرئيسي لجامعة سيغيد في مدينة سيغيد

«ماذا بعد؟» سؤال حاضر دائماً في جلسات وأحاديث السوريين والسوريات في هنغاريا، بينما يتابعون بترقب الأحداث والتطورات السياسية والأمنية والاقتصادية في هنغاريا، وسوريا، وأوروبا. كل خبر وتصريح قد يحمل في طياته إما ومضة أمل وبشائر استقرار، أو مؤشراً لبدء البحث عن وجهة جديدة.

رغم كون هنغاريا، وبفضل المنحة الدراسية المعرفة بـ«المنحة الهنغارية»، خياراً عملياً وقليل التكلفة يفتح أبواب أوروبا على أمام العديد من السوريين، تظل نوافذ للعبور لا للبقاء، يلزمك قليل من الوقت هنا لإدراك أنها محطة مؤقتة تتيح التقاط الأنفاس فقط ومراجعة المعطيات، قبل السعي نحو وجهة جديدة في مسار بناء مستقبلك. 

لكن ما الذي يجعل الاستقرار حلماً بعيد المنال في هنغاريا؟ 

ما هي المنحة الهنغارية؟

في 15 تشرين الثاني/ نوفمبر من كل عام، تُفتح أبواب التقدم إلى المنحة الهنغارية. ومع اقتراب هذا الموعد، تضج وسائل التواصل الاجتماعي بالأسئلة والاستفسارات خاصة في السنوات الأخيرة، إذ اكتسبت المنحة شهرة وشعبية كبيرة، وأصبحت خياراً بديهياً للعديد من السوريين والسوريات لأسباب عديدة، منها سهولة التقديم، وبساطة الشروط ووضوحها، إضافة إلى تخصيص 200- 250 مقعداً للطلبة السوريين سنوياً منذ العام 2016، وهو رقم يفوق بأضعاف ما تقدمه حكومات وجهات أخرى، ما أتاح لشريحة واسعة من السوريين دخول أوروبا بشكل قانوني، والحصول على تعليم عالٍ ممول بالكامل، وفرصة مثالية لمحاولة بناء حياة جديدة في الخارج.

أُطلق برنامج المنحة الحكومية الهنغارية العام 2013، في إطار اتفاقيات تبادل ثقافي بين بودابست وعدد من حكومات العالم، عبر مؤسسة «تيمبوس» العامة، وهي جهة غير ربحية تأسست العام 1993، تُعنى بتطوير قطاع التعليم والتدريب وتعزيز علاقات البلاد الدولية في مجالي التعليم والبحث العلمي.

منذ انطلاق البرنامج، توسّع تدريجاً ليشمل أكثر من 100 دولة، متيحاً للطلبة فرصة التقدم إلى أكثر من 800 برنامج دراسي باللغة الإنكليزية في 28 مؤسسة تعليمية، تشمل درجات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه. وقد وصل عدد المتقدمين في العام 2025 إلى نحو 80 ألف طالب من مختلف أنحاء العالم.

بالنسبة للطلبة السوريين، تُعد جامعة دمشق «الشريك السوري» والجهة الحكومية المخوّلة بترشيح الطلاب والتنسيق مع مؤسسة «تيمبوس»، وهي تضع الشروط الأولية للقبول، بينها المُعدّل والسن وضرورة الحضور الشخصي وإبراز وثيقة «بيان حركة» تُثبت عدم مغادرة الأراضي السورية خلال الأشهر الستة السابقة للتقدم. الشرط الأخير تحديداً، يُقصي شريحة واسعة من الطلاب السوريين المهجّرين أو المقيمين خارج البلاد لأسباب أمنية أو إنسانية.

أحاطت بِدَور هذا الشريك على مدى السنوات الماضية كثير من الشائعات والأقاويل حول معايير المفاضلة، ونزاهة الاختيار، واتهامات بحضور المحسوبيات، غير أن إثبات أو نفي هذه التفاصيل يتطلب تحقيقاً قائماً بذاته.

تغطي المنحة الرسوم الدراسية بالكامل، مع توفير تأمين صحي وسكن جامعي وراتب شهري يبلغ نحو 100 يورو لطلبة البكالوريوس والماجستير، ويرتفع إلى 365 يورو لطلبة الدكتوراه في السنتين الأوليين، و470 يورو في السنتين الأخيرتين. إلا أن هذا الدعم لا يغطي فعلياً تكاليف المعيشة، فالجامعات المحلية تقدر كلفة معيشة الطالب شهرياً بما يراوح بين 500 و700 يورو، خاصة مع ارتفاع الأسعار بنسبة 20% في السنوات الأخيرة نتيجة التضخم.

هذا التفاوت يدفع العديد من الطلبة للعمل الجزئي لسد الفجوة، وهو ما تسمح به الحكومة بشرط ألا يتجاوز 30 ساعة عمل أسبوعياً. ومع قلة الفرص المتاحة لمن لا يتقن للغة الهنغارية، يلجأ كثر إلى أعمال شاقة مثل تحميل البضائع وفرز الخضار والفواكه، غالباً ضمن مناوبات تستمر عشر ساعات متواصلة، مقابل أجر يراوح بين 4 - 7 يوروهات للساعة. ورغم أن هذه الوظائف تساعد في تأمين الحد الأدنى من المعيشة، فإنها لا توفّر فرصاً لتطوير مهارات مهنية أو عقوداً طويلة الأمد.

«في سوريا كنا نشتري وقتاً للهروب من الجيش، والآن نشتري الوقت لمعرفة مصيرنا»

عقب سقوط النظام السوري في 8 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، فُتح باب التقديم للمنحة كالعادة، إلا أن الغموض خيّم على مصير الطلبات السورية. لم يصدر أي تصريح رسمي من الجانب الهنغاري أو السوري بشأن مستقبل البرنامج، كما لم تُرفع أي ترشيحات رسمية من الشريك المحلي، ما أدى إلى رفض جميع الطلبات تلقائياً، ولا يزال مصير المنحة للسوريين معلّقاً حتى إعداد هذا التقرير، ولم يُفد التواصل المباشر مع جهات رسميّة في الوصول إلى جواب واضح.

حبل نجاة قصير الأمد

خلال الـ 14 عاماً الماضية، أصبح للموت أشكال وتجليات ومصادر عديدة ومستجدة في سوريا، فقد يأتي من الداخل أو الخارج، من الأرض أو من السماء. تقول مرح، وهي إحدى الحاصلات على منحة العام الدراسي الماضي: «قبل سفري إلى هنغاريا بأسبوعين، سمعنا صوت قصف، شعرت بخوف شديد. كانت إسرائيل تستهدف موقعاً قريباً من المدينة».

المخاطر بالنسبة للشبان السوريين كانت أكثر تعقيداً، وأشدها كان الالتحاق بالخدمة العسكرية. يقول مضر الذي درس في هنغاريا قبل سنوات: «سعيت بشتى الطرق للخروج من سوريا والتهرب من الخدمة، لكن الخيارات كانت محدودة جداً بسبب وضعي المادي، فاندفعت نحو المنحة الهنغارية عندما أُعلن عنها لأول مرة العام 2016».

قصة مشابهة يرويها رزق بفارق سبع سنوات، إذ حصل على المنحة العام 2023، وكانت آخر وسيلة للتهرب من التجنيد الإجباري بعد أن استنفد جميع الحلول الأخرى.

الحرب لم تكن الخطر الوحيد الذي واجهه السوريون على مدى هذه السنوات، إذ برز العنف الاقتصادي والاجتماعي بوصفهما دافعين أساسيين للبحث عن حياة أفضل خارج البلاد. تقول رفاه، إحدى الحاصلات على المنحة الهنغارية: «تقدّمت إلى المنحة لأنني أردت العيش». الوضع العام عزز القيود الاجتماعية المفروضة على النساء، وجيّرت إمكانيات عائلة رفاه المادية لتأمين هروب إخوتها الذكور من الخدمة، لذلك كانت المنحة الهنغارية فرصة مثالية أمامها لمحاولة بناء حياة مستقلة دون أن تُشكّل عبئاً مادياً إضافياً على عائلتها.

رغم اختلاف ظروف ودوافع السوريين في هنغاريا، فغالباً ما يوحّدهم ويُميّز تجربتهم عن أقرانهم في أوروبا، هو إدراكهم ألا مستقبل لهم هنا، ولا مجال لبناء حياة مستقرة فيها.

أوربان و«بيئته الطاردة»

«سنعيدكم من حيث أتيتم. هذه القارة لن تكون يوماً موطناً لكم» - فيكتور أوربان، رئيس وزراء هنغاريا.

منذ سيطرة حزب «فيدس» القومي اليميني على الحكم في هنغاريا العام 2010، وتسلّم قائده فيكتور أوربان رئاسة الوزراء، بدأت السياسات والقوانين تأخذ منحىً يمينياً معادياً للمهاجرين والأجانب.

شدد رئيس الحكومة قبضته على قوانين اللجوء والعمل، وتنصّل من القانون الهنغاري الذي يضمن حق المرور واللجوء الإنساني (المُوقّع العام 2007)، متجاهلاً بذلك التزامات بلاده ضمن الاتحاد الأوروبي، ما أثار سخط بروكسل ونقمة جيران هنغاريا، وهذا ما جعل منها دولة عبور لا لجوء. 

تقول ريكا، وهي مواطنة هنغارية من مدينة سيغيد، إنها واظبت خلال العامين 2016–2017 على إحضار الطعام وبعض الحاجيات الأساسية إلى محطة القطار لمساعدة مئات السوريين العابرين، في ظل غياب أي دعم حكومي، لكن حتى هذا لم يستمر طويلاً، فمع تفشي جائحة كورونا؛ فرضت الحكومة الهنغارية شروطاً جديدة أكثر تعقيداً، وواصلت بناء جدار فاصل بينها وبين صربيا وكرواتيا لمنع عبور اللاجئين.

سياسات أوربان لم تستهدف فقط اللاجئين، بل أيضاً الأجانب من خارج الاتحاد الأوروبي، إذ فرضت شروطاً معقدة على من يرغب بالعمل في هنغاريا، وحتى على الشركات الراغبة في توظيفهم.

في العام 2015، رُفعت لوحات إعلانية كتب عليها: «إذا أتيت إلى هنغاريا، لا تأخذ وظائف الهنغاريين»، كانت جزءاً من حملة حكومية موسّعة صورت فيها اللاجئين على أنهم تهديد للهوية والثقافة والاقتصاد في هنغاريا، ودعت إلى «الاكتفاء الذاتي الديموغرافي».

نجحت هذه الحملة في تغيير الرأي العام، حتى أن العديد من غير المؤيدين لأوربان تبنّوا مواقف سلبية تجاه الأجانب. تقول كلارا، وهي طالبة جامعية في سيغيد: «يمكنني أن أتفهم موقف الحكومة، فالأجانب يأتون إلى هنا ويأخذون منا فرصنا».

«فكرة اللجوء لم تخطر ببالي سابقاً، لكن العودة إلى سوريا ليست خياراً، إلا إذا أغلقت كل الأبواب في وجهي»

مع بداية العام 2025، فُرضت قيود أشد صرامة، حظرت على مواطني «البلدان الثالثة» (أي خارج الاتحاد الأوروبي) التقدم للحصول على إقامة عمل، باستثناء دولتين فقط: جورجيا وأرمينيا، واشترطت على بقية الدول وجود اتفاق حكومي يضمن ترحيل المواطنين فور انتهاء إقامتهم. علاوة على ذلك، صعّبت الحكومة شروط الحصول على الإقامة الدائمة أو الجنسية، لكن حتى استيفاء الشروط لا يضمن الموافقة، كما حصل مع مضر وعُلا، اللذين حاولا التقديم بعد تحقيقهما شرط الإقامة لـ 5 سنوات أو أكثر، وامتلاكهما دخلاً ثابتاً ووظيفتين أكاديميتين مرموقتين في مؤسستين تتبعان الحكومة، إلا أن طلباهما رُفضا بذريعة أن وجودهما: «ليس من مصلحة الحكومة الهنغارية». تقول علا: «تلك الجملة كانت كفيلة بالقضاء على أي أمل بالبقاء هنا، ودفعتنا للتفكير بأن علينا الخروج بسرعة». 

مستقبل غامض

خلال السنوات السابقة، كان كثير من السوريين والسوريات يتوجهون إلى ألمانيا أو هولندا، عابرين مباشرة من هنغاريا، أو بعد انتهاء إقاماتهم الدراسية وحصولهم على الشهادة. نجح بعضهم في ضمان عقود عمل في دول أوروبية مجاورة، إلا أن هذا الواقع تغير نتيجة تزامن تعديل قوانين الهجرة في هنغاريا مع سقوط النظام بسوريا، وتجميد مراجعة طلبات اللجوء المقدمة من السوريين في معظم الدول الأوروبية، إلى جانب احتمالية إعلان سوريا دولة آمنة تمهيداً لإعادة اللاجئين إليها.

لكن الواقع في سوريا لم يتغير كثيراً رغم سقوط النظام، والإعلان عن رفع العقوبات المفروضة على البلاد، وهما حدثان يُعدان من نقاط التحول التاريخية، لكن هذه التحولات لم تنعكس بعد بشكل ملموس على الوضع الأمني والاقتصادي. يقول رزق الحاصل على منحة هنغاريا العام 2023: «صحيح أن النظام سقط؛ لكن هنالك أنظمة أخرى لم تسقط بعد»، مضيفا أن العديد من المشكلات الاجتماعية اتضحت أكثر خلال الأشهر الأخيرة في سوريا، مثل عدم تقبّل الآخر مع ما قد يرافق ذلك من عنف وعدوانية شديدين، إلى جانب استمرار تردي الوضع الاقتصادي، وهو ما يتطلب الكثير من الوقت ليبدأ رحلة التعافي.

تضاعفت هذه المخاوف بعد مجازر الساحل في آذار/مارس الماضي وما تلاها من تصعيدات داخلية، كالهجوم على السويداء وجرمانا وصحنايا بريف دمشق، بالإضافة إلى الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على امتداد الأراضي السورية. يُبدي البعض قلقه من «التوجه الديني للنظام الجديد»، إذ يقول بكر (اسم مستعار لأحد الطلبة السوريين): «لا أستطيع العودة إلى سوريا لأن الأوضاع لم تستقر بعد، والواقع السياسي غير مبشر، ولدينا تخوّف من أسلمة البلد».

على منحى آخر، يشك كثير من الطلاب في مدى قيمة شهاداتهم العلمية وخبراتهم داخل سوريا، مع قلة فرص العمل واستمرار تهميش العديد من التخصصات التي لا تُعتبر ذات أولوية في المرحلة الحالية. يعتقد رزق أنه من الصعب جداً توظيف خبراته في التراث الثقافي ضمن عمل يضمن له حياة كريمة في سوريا، ويرى أن هذا المجال – رغم أهميته – لا يزال خارج اهتمامات السلطة السورية الجديدة، مؤكداً أنه لا يمتلك رفاهية الانتظار والتأمل وهو يقترب من سن الثلاثين.

البعض يرى العودة خيراً

وسط هذه الظروف، تُمثل إقامة البحث عن عمل - المتاحة للأجانب من خريجي الجامعات الهنغارية لمدة 9 أشهر - طوق نجاة مؤقتة للعديد من الطلاب ريثما تتضح الصورة. يقول الطالب السوري في هنغاريا رزق: «أتذكر أننا في سوريا كنا نشتري وقتاً للهروب من الجيش، والآن نشتري الوقت لمعرفة مصيرنا».

لكن هذا الخيار ليس متاحاً للجميع؛ تقول رفاه التي تخرجت قبل أعوام في جامعة بهنغاريا إنها اضطرت إلى اللجوء بعد انتهاء دراستها رغم رفضها المسبق لهذا الخيار، لكنها، كغيرها من السوريين والسوريات، أدركت محدودية الأفق في تلك البلاد، ومع غياب أي دعم مادي؛ لم يكن أمامها سوى التوجه مباشرة إلى هولندا.

تصف رفاه تجربتها الآن بأنها من أصعب الاختبارات التي مرت بها، لكنها بذلت جهداً كبيراً لتأسيس حياة هناك، فهي حصلت على وظيفة في شركة عالمية وبدأت تعلم اللغة، قائلة: «أفتخر أنني لاجئة سوريّة في بلد مد لي ذراعيه ومنحني فرصة كان من المستحيل الحصول عليها في بلدي».

بدورها مرح، التي تخرجت هذا العام في جامعة بهنغاريا، تجد نفسها مجبرة على سلوك الطريق الذي سلكته رفاه، وسط ظروف أعقد وأكثر ضبابية، فرغم ارتفاع آمال العديد من السوريين والسوريات مع سقوط الحكومة اليمينية في هولندا، يظل من الصعب التنبؤ بما ستؤول إليه سياسات اللجوء.

تُبين مرح أنها تبحث في هذه المرحلة عن الاستقرار، لا المزيد من التنقل والضياع، قائلة: «فكرة اللجوء لم تخطر ببالي سابقاً، لكن العودة إلى سوريا ليست خياراً، إلا إذا أغلقت كل الأبواب في وجهي». لا تتقبل الفتاة العشرينية فكرة العودة إلى مدينتها طرطوس، خاصة بعد ما شهدته من مجازر وانتهاكات، كما أن المسؤوليات المادية المترتبة عليها تجاه عائلتها، وإحساسها بضرورة وإلحاح إخراج إخوتها الصغار من سوريا؛ تفرض عليها هذا القرار، رغم إدراكها المخاطر المحتملة وصعوبة قضاء عامين (وهي المدة الزمنية المقدرة لمعالجة طلب اللجوء) في حالة انتظار دون أي ضمان للنتيجة، مدركة احتمالات الرفض وما ينطوي عليه من عواقب على أي خطط او محاولات مستقبلية.

رغم ذلك، وبين تأجيل المحتوم والمراهنة على اللجوء، يرى البعض أن العودة إلى سوريا قد تكون الخيار الأكثر أماناً والأقل تكلفة. تقول مروة، خريجة في هنغاريا، إنها عادت إلى دمشق بعد انتهاء دراستها العام 2024 بسبب صعوبة إيجاد فرصة عمل في الغربة، وارتفاع التكاليف المترتبة على تأشيرة البحث عن عمل، مضيفة: «كنت أمام خيارين: العودة إلى البلاد لأعمل هناك لسنة واحدة ثم أقدم على منحة دراسة الدكتوراه في ألمانيا، أو اتجه نحو اللجوء الذي يحتاج إلى وقت ومصيره مجهول».

لا تنفي مروة شعورها بالندم أحياناً، خصوصاً بسبب التطورات الأمنية الأخيرة، لكن، مع ذلك، تبرز تجربتها أهمية الخبرات التي يجلبها المغتربون معهم، تقول: «أدرب معلمين في مجالات مختلفة، والخبرات التي تعلمتها في الخارج؛ أنقلها إلى المدرسين في المناطق النائية والمنكوبة، وأطور مواد تدريبية لتمكينهم أكثر. أشعر أن عودتي لها نتائج مفيدة».

هكذا؛ وفي ظل واقع يتأرجح بين الأمل والضياع، تتحول المنحة الهنغارية من فرصة أكاديمية إلى اختبار وجودي للسوريين، يُرغمهم على اتخاذ قرارات مصيرية في بيئة سياسية طاردة، ومستقبل وطني غامض. وبين عبء اللجوء، ومخاطر العودة، وضيق الأفق في بلد الإقامة، يظل السوريون في هنغاريا عالقين في منتصف الطريق، باحثين عن استقرار مؤجل، وحق مؤجل في الحياة.

أُنجز هذا التحقيق في إطار برنامج تدريبي لموقع صوت سوري
السوريون_حول_العالم المنحة_الهنغارية

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0