«خفّ عني شوي»، بهذه الكلمات الثلاث يلخص أحمد قره بلا، صاحب شركة «فيتاليتيه» لمستحضرات التجميل بدمشق، مطالبه العاجلة للحكومة الانتقالية.
يأمل أحمد، أن تقدم السلطة الجديدة إعفاءات مالية كبيرة، بعدما عانى شأنه شأن كثير من نظرائه، سنوات طويلة من القوانين التعسفية في عهد النظام السابق، فضلاً عن الإتاوات التي كان يُضطر لدفعها بمسمياتها المختلفة كتمويل المستوردات والضرائب المرتفعة والضبوط التموينية.
باتت مطالب أحمد اليوم مرتبطة مباشرة بالتحول الاقتصادي نحو نظام «السوق الحرّة»، الذي أعلنت حكومة تصريف الأعمال عن توجهها لتبنيه عقب سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، بعد عقود من اقتصاد «اشتراكي» موجّه وما طرأ عليه من تحولات في العقدين الأخيرين.
يُعرّف نظام السوق الحرّة بأنه «نظام اقتصادي تحكمه قوى العرض والطلب في السوق، على عكس النظام الذي تنظمه الضوابط الحكومية. هو على النقيض من الاقتصاد الموجه حيث تخطط وكالة حكومية مركزية عوامل الإنتاج واستخدام الموارد وتحدد الأسعار، بينما في السوق الحرة تكون الشركات والموارد مملوكة لأفراد أو كيانات خاصة، ويتمتعون بحرية إبرام العقود التجارية بينهم».
فما هو تأثير تطبيق هذا النظام على القطاع الإنتاجي السوري؟
القطاع الخاص: لا تنافس لا استمرار
يتحدّث الخبير الاقتصادي عامر خربطلي لـ «صوت سوري» عن التفاوت في انعكاس تطبيق نظام السوق الحرّة على الإنتاج الصناعي التابع للقطاع الخاص. يُشكل عامل المنافسة المحور الأول للقياس، مع الأخذ في الاعتبار أن الصناعات التحويلية في سوريا لا يمكن قياسها بمقياس واحد.
تنقسم هذه الصناعات، بحسب خربطلي، إلى نوع يعتمد على المزايا النسبية الموجودة في سوريا، وقد استطاعت تحويلها إلى مزايا تنافسية سمحت لها بالتصدير ومنافسة السلع الخارجية وكذلك السلع الأجنبية القادمة إلى البلاد. أما النوع الآخر فيُعرف بصناعة بدائل المستوردات، ويرى خربطلي أنها لن تستطيع الاستمرار لأنها ستلقى منافسة شديدة من المنتجات الأجنبية القادمة إلى سوريا بسبب تحرير التجارة الخارجية. وبالتالي، يرى أن هذا النوع يحتاج إلى إعادة بناء وتموضع جديد، مؤكدًا أن «كل صناعة لا تستطيع أن تنافس لا يمكنها الاستمرار»، وموضحاً أن «حالة المنافسة هي حالة إيجابية بالمبدأ، ولكنها تحتاج إلى آليات وقواعد لتعطي هذه الآثار الإيجابية وتتجنّب الانهيار».
يشرح أحمد، مالك شركة «فيتاليتيه» كيف اضُطر إلى الكف عن إنتاج بعض الأصناف بسبب «تعطش الشعب للمنتجات الأجنبية وضعف المنتج المحلي مقارنة بالأجنبي». وللحفاظ على استمرارية منتجاته في السوق، خفّض نسبة الربح إلى 10% وما دون، لعدم وجود ضوابط جمركية واضحة لاستيراد المنتجات الجاهزة.
للوقوف على مدى تأثير الانفتاح الاقتصادي على الصناعة الوطنية، أجرى «صوت سوري» استبياناً شارك فيه 107 أشخاص تراوح أعمارهم بين العشرينيات والخمسينيات. يُمثل الاستبيان مؤشراً، غير أن نتائجه ليست قاطعة بالتأكيد نظراً لحجم العيّنة.
يُظهر الاستبيان أن 21.5% من المشاركين يفضلون المنتجات الأجنبية، بينما 18.7% يفضلون المنتجات الوطنية، في حين كانت النسبة الأكبر للمُنتجين معاً بنسبة 59.8%. وتبيّن أن فقدان المنتج الأجنبي من الأسواق أو صعوبة الحصول عليه قبل سقوط النظام لعب دوراً واضحاً في توجيه تفضيلات الأشخاص لشراء المنتجات الوطنية، إذ أجاب 33.6% بـ (نعم) عند سؤالهم عن هذه النقطة، في حين أجاب 27.1% بـ (لا)، بينما 39.3% أجابوا بـ (ربما).
يعود سبب الارتفاع النسبي في استهلاك المنتجات الأجنبية، بحسب المشاركين في الاستبيان، إلى الجودة بالدرجة الأولى، بالإضافة إلى تنوع الخيارات والبدائل غير المتوفرة في المنتج الوطني أحياناً. في حين تُعتبر الأسعار عاملاً لا يقلّ أهمية؛ فبينما يُعتبر سعر المنتج الوطني أقلّ من الأجنبي، يرى مستهلكو الأجنبي أن التفاوت السعري لا يزال قليلاً باستثناءات تتعلق بماركة المنتج ومصدر إنتاجه وشهرته، ما يُضعف منافسة الوطني في الأسعار والجودة، وبالتالي فقدان جاذبية شرائه.
في المقابل، أكد أغلب المُستطلعين الذين يفضلون شراء المنتج الوطني أن دافعهم الأول هو الرغبة بدعم الصناعة والمنتج الوطني. ويرى البعض أن جودة بعض المنتجات، ولا سيما الغذائية منها، قد ازدادت في السنوات الأخيرة، بالإضافة إلى بقاء المنتج الوطني منخفض الثمن ويتلاءم مع المستوى الاقتصادي للنسبة الأكبر من المستطلعين، الذين كان مستواهم منخفضاً أو متوسطاً مقارنة بقلة بسيطة تمتلك مستوى اقتصادياً عالياً.
الأبواب المفتوحة: رسوم جمركية منخفضة وأسواق غارقة
استحدثت الحكومة السورية المؤقتة (حكومة محمد البشير) بتاريخ 31 كانون الأول/ديسمبر 2024 «الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية» لتكون خطوة أولى في سلسلة الخطوات نحو تبني النظام الجديد. كان من بواكير قراراتها ما صدر بتاريخ 11 كانون الأول 2025 حول توحيد الرسوم الجمركية في سوريا وفي جميع المنافذ البرية والبحرية والمطارات.
عقب صدور القرار، قال مدير العلاقات في الهيئة مازن علوش إن من أهم أهداف هذا الإجراء «دعم القطاع الصناعي وجذب الاستثمار من خلال تقديم إعفاءات للمستثمرين وأصحاب المعامل في الخارج والداخل». لافتاً إلى أن هذه الرسوم – التي انخفضت عن الرسوم المعمول بها سابقًا بين 50% - 60% – راعت حماية المنتج المحلي من خلال «تشجيع الصناعة عبر الرسوم المخفضة على المواد الأولية، كما أنها طبقت الرزنامة الزراعية لحماية الفلاح ودعم القطاع الزراعي».
في هذا الإطار، يقول الخبير الاقتصادي علي محمد لـ «صوت سوري» إن تخفيض الرسوم الجمركية بشكلٍ عام «يسهم في حرية الاستيراد إذ تصبح الرسوم أقل، وبالتالي تنخفض تكلفة المُنتج المستورد بكافة أنواعه».
يرى محمد أن لهذا التخفيض نتيجتين في الحالة السورية: تتمحور الأولى حول تمكين المُستثمر أو الصناعي من استيراد المواد الأولية الخام أو نصف المصنعة، بالإضافة إلى المواد اللازمة للآلات والمعدات التي يحتاجها المعمل للاستمرار، مما يسهم في تلبية متطلبات العملية الإنتاجية بشكل إيجابي.
في حين تتركز النتيجة الثانية في استفادة فئة من التجار من هذا التخفيض لاستيراد الكثير من المواد الاستهلاكية، وبالتالي إغراق الأسواق بالمنتجات المستوردة. ما يسهم بدوره في إضعاف منافسة المنتج المحلي أمام المنتج المستورد، وبالتالي ضعف الطلب على الصناعة الوطنية المحلية بشكل أو بآخر وتباطؤ العملية الإنتاجية، و«هذه مشكلة كبيرة ستتجلى نتائجها لاحقاً إن لم يحصل تداركها».
يقول غيث (اسم مستعار)، وهو صاحب بقالية للمنتجات الغذائية لـ «صوت سوري»، إن مرابحه في المنتجات الوطنية لم تتغير برغم انخفاض سعر صرف الدولار بشكل ملحوظ. ويُرجع هذا بشكل أساسي إلى الصناعيين المحليين؛ فكمثال، يقول إن إحدى شركات صناعة البسكويت خفضّت سعر بعض الأصناف من 5000 للقطعة إلى ا4000 ليرة فقط، كما انخفض سعر قطعة بـ 3000 خمسمئة ليرة فقط، في حين أن 4 قطع من البسكويت التركي تُباع بـ 10000. هذا الانخفاض وفق غيث غير متناسب مع تغيّر قيمة الليرة وصرفها على الدولار، فبناءً عليه يجب أن تُباع القطعة التي بـ 5000 بـ 3000 على الأقل بالسعر الجديد. ويكمل أن هذا أدى بشكل واضح إلى تراجع الطلب على المنتج الوطني وبالتالي قلّ بيعه، ما جعل من «غير المنطقي تقليل أرباحنا الصغيرة أساسًا»، وتساءَل: «كيف يمكن أن تُقنع المستهلك بشراء الوطني إن لم يكن سعره على الأقل موازٍ للأجنبي أو أقلّ منه؟»
العمالة السورية تدفع ثمن التحولات الاقتصادية
«أعمل الآن بالحجامة وقبلها على بسطة، بعد أن كنتُ عاملاً في مصنع»، يشرح عمر (اسم مستعار)، وهو عامل سابق في شركة وطنية بدمشق، عن تدرّجه في الأعمال بعد سقوط النظام. يقول:
«كنت أعمل في تغليف المنتجات في معمل للمستحضرات التجميلية في منطقة السبينة، وفُصلتُ ونصف العمال من العمل، بسبب انخفاض الطلب على المنتجات، وبالتالي ضعف الإنتاج والمبيعات بالمقارنة مع المنتجات الأجنبيّة التي اجتاحت الأسواق. هذه العوامل مجتمعة قلّلت الحاجة إلى كثير منّا». ويكمل أن راتبه لم يكن جيداً ولكنه «أفضل من لا شيء».
لا توجد حتى الآن إحصائيات دقيقة حول أعداد ونسب العمال المفصولين من القطاعات المختلفة. كان وزير المالية في حكومة تصريف الأعمال السابقة محمد أبا زيد قد صرّح في 7 كانون الثاني / يناير أنّ 300 ألف موظف ستُشطب أسماؤهم لأنّ «بعضهم كان مسجلاً على الورق فقط لأخذ الراتب دون عمل»، ووضع هذا ضمن خطة الحكومة «لإعادة الهيكلة الوظيفية لمعالجة الترهل في المؤسسات الحكومية» موضحاً أنّ الواقع يشير إلى وجود نحو 900 ألف موظف فعلي من بين مليون و 250 ألفاً في سجلات النظام السابق.
هذه الأرقام ليست ثابتة في ظلّ عدم استقرار الأوضاع الوظيفية في الوزارات المختلفة، وإعادة أعداد من الموظفين إلى أعمالهم، فيما لا تتوافر بعد أرقام حول أعداد المفصولين في القطاع الخاص والقطاعات الأخرى خاصةً مع عدم الاستقرار السياسي وما يعكسه على الواقع الاقتصادي والمالي، وما يرافقه من تخبّط لدى أصحاب القرار والمصانع حول كيفية التعامل مع العمالة المحليّة.
يقول الباحث الاقتصادي يونس الكريم لـ «صوت سوري» إن رؤيته لما يجب أن تفعله الحكومة تختلف عمّا تفعله، إذ «لم تُعر الحكومة اهتماماً للعمال، بل عمدت إلى تسريح أعداد منهم مع الموظفين، ما أدى إلى شلل في قطاعات الدولة وعدم قدرتها على تقديم خدماتها. هذا ألقى بعبء كبير على القطاع الخاص، الذي كانت سلاسل إنتاجه تعتمد جزئياً على مؤسسات الدولة، فتراجع نشاط السوق نتيجة فقدان السيولة، وتراجع حجم القوى العاملة، وانخفض الاعتماد على تلك المؤسسات في عملية الإنتاج».
زادت هذه العوامل مجتمعة من ارتفاع مستويات البطالة في سوريا دون معرفة نسبتها الفعلية المحدّثة حتى لحظة كتابة التقرير، فيما بلغت في آخر إحصائية صادرة عن البنك الدولي العام 2024 (13.0%) من إجمالي القوى العاملة وفقاً لتقديرات منظمة العمل الدولية.
تؤكد المحامية ماس الحاج قاسم لـ «صوت سوري» أن تسريح أي عامل أو موظف في ضوء القوانين النافذة – ما لم يستند إلى الأسباب والإجراءات التي حددها القانون – يُعد إجراءً غير قانوني بموجب الإعلان الدستوري الصادر بتاريخ 3 آذار/مارس 2025. ينص الإعلان في مادته (51) على أن «تستمر القوانين والمراسيم النافذة بالعمل ما لم يتم تعديلها أو إلغاؤها». وبناءً عليه، فإن جميع قوانين العمل السابقة لا تزال سارية المفعول.
وتضيف موضحة: «ينص قانون العمل رقم (17) للعام 2010 على أن أي فصل لعامل خاضع لأحكام هذا القانون دون مبرر قانوني أو موافقة لجنة قضايا التسريح يُعد فصلاً تعسفياً مخالفاً للقانون»، وينطبق هذا على «قانون العاملين الأساسي في الدولة رقم (50) للعام 2004، وكذلك قانون أصول تسريح العمال رقم (49) للعام 1962».
في محاولة لفهم مدى قدرة الأشخاص على تغيير سلوكياتهم الاستهلاكية للمنتجات الأجنبية، سألنا في الاستبيان المستطلعين عن إمكانية تغيير هذه السلوكيات في حال معرفتهم بالتأثيرات السلبية للانفتاح على المصانع الصغيرة وتسريح العمال والوضع الاقتصادي بمجمله. أجاب 43.6% بـ (نعم)، بينما 19.1% أجابوا بـ (لا)، في حين لم يحسم 37.2% قرارهم وكانت إجابتهم (ربما).
المرأة العاملة: حلقة هشة في سلسلة التحول
في خضم التحول السريع نحو نظام السوق الحر في سوريا، تظهر المرأة العاملة من بين أكبر الخاسرين الصامتين في هذه المرحلة. إذ تُشير الوقائع الميدانية وتحليلات البنك الدولي إلى أن الصناعات الصغيرة والمتوسطة – التي غالباً ما توظّف النساء في قطاعات التغليف، التصنيع الغذائي، والخياطة وغيرها – تتعرض لضغوط شديدة، ما يؤدي إلى تقليص العمالة، وتسريح من يُعدّون الحلقة الأضعف: النساء.
بحسب بيانات البنك الدولي (حزيران 2025)، تجاوزت معدلات البطالة بين النساء تجاوزت 24%، وسط غياب سياسات تشغيل موجهة، وانهيار جزئي في الصناعات الوطنية التي وفرت لهن فرص العمل سابقاً. ومع غياب الدعم الحكومي وبرامج التدريب، اضطرت كثير من النساء إلى اللجوء نحو العمل غير الرسمي أو المنزلي، وهو ما يعرضهن للاستغلال ويحرمهن من أي حماية قانونية أو اجتماعية.
تشير المحامية ماس الحاج قاسم في هذا السياق إلى أن قوانين العمل السورية لا تزال نظرياً قائمة، لكنها لا تُطبّق فعلياً في السوق الجديدة، وخاصة على النساء العاملات، إذ لا توجد آليات فعّالة لرد المظالم أو تنظيم علاقات العمل. هذا الضعف المؤسسي يفتح الباب أمام التمييز، الفصل التعسفي، وتفاقم الفجوة الجندرية في سوق العمل.
ورغم أن الانفتاح الاقتصادي قد يُتيح فرصاً جديدة على المدى البعيد – في مجالات الخدمات، المشاريع الصغيرة، أو التجارة الرقمية – فهذه الفرص لن تتحقق دون توفير بيئة قانونية وبنيوية داعمة، تبدأ من وجود دور حضانة، وحماية قانونية، وصولاً إلى تسهيلات ائتمانية تُمكّن المرأة من الانخراط في النشاط الاقتصادي بوصفها شريكاً فاعلاً، لا مجرد عامل هامشي.
هل تتعلم الحكومة الانتقالية من أخطاء «السوق الاجتماعي»؟
تُشير تقديرات الأمم المتحدة في تقريرها الصادر نهاية شهر أيار/مايو 2025 إلى أن الاقتصاد السوري خسر أكثر من 800 مليار دولار خلال 14 عاماً. وتتوقع هذه التقديرات أنه إذا استمر معدل النمو السنوي الحالي في الناتج المحلي الإجمالي والبالغ (-1.2%) بحسب آخر إحصائية للبنك الدولي 2023، فلن يعود الاقتصاد السوري إلى مستويات الناتج المحلي الإجمالي التي كان عليها قبل الصراع (2.9 في 2011) حتى العام 2080، وفق البنك الدولي.
يرى الباحث يونس الكريم أن «الانفتاح الاقتصادي في سوريا لا يبدو أنه جاء نتيجة دراسة معمّقة». ويعزو ذلك إلى أن سقوط النظام السابق كان مفاجئاً، ولم يكن هناك وقت كافٍ لوضع خطة استراتيجية واضحة. «كما لوحظ أيضًا الاعتماد المفرط على "الوصفات الجاهزة" المقدمة من المنظمات الدولية، مع تهميش الكفاءات المحلية، والاعتماد على خبرات أجنبية لا تمتلك الفهم العميق للواقع السوري، ولا تملك البيانات أو الإحصاءات الدقيقة اللازمة لاتخاذ قرارات مبنية على أسس صحيحة». يؤكد الكريم أن هذه الإجراءات اُتخذت «دون رؤية متكاملة ومدروسة، ولذلك بدت التصريحات الحكومية عشوائية ومتضاربة، وصدرت في بيئة تفتقر إلى الإطار التشريعي الضروري الذي يُفترض أن يدعم هذه الرؤية الجديدة، ولهذه الأسباب فما يُطرح من رؤى اقتصادية يبقى بعيداً عن الواقع السوري، وغالباً ما ينتهي إلى الفشل».
لكن تجربة «السوق الحرّة» في سوريا ليست جديدة بالمطلق. فبعد تبني دمشق تحت حكم حزب البعث للنظام الاشتراكي لعقود، بدأ النظام السابق في العقد الأول من الألفية بالخروج عن هذا النظام، وتحديداً في 2005 عندما أعلن «البعث» تبنيه ما يُعرف بـ «نظام السوق الاجتماعي». سمح هذا النظام للمستثمرين والشركات الخاصة بالاستثمار في القطاعات الحيوية كالزراعة والصناعة والبناء والسياحة وغيرها، كما أدى تطبيقه إلى فتح الأسواق بالكامل أمام المنتجات الأجنبية التي كان أبرزها – كما اليوم – المنتجات التركية، إذ وقعت الدولتان على اتفاق للشراكة الاقتصادية في 2004 ودخل حيز التنفيذ في 2007، ثم عُلّقت الاتفاقية في 2011. بلغت صادرات تركيا إلى سوريا في العام ذاته 1.8 مليار دولار، في حين بلغت الصادرات السورية إلى تركيا 660 مليون دولار، وفقاً لوزير التجارة الداخلية التركي عمر بولات.
ولّدت هذه الاتفاقية محطاتٍ حاسمة أثرت بعمق على الاقتصاد السوري وفقاً للباحث يونس الكريم، إذ يرى أن نتائجها «أسهمت في تغذية التوترات الاقتصادية التي مهّدت لانفجار 2011. صحيح أنها أدت إلى انخفاض الأسعار وتوسيع خيارات المستهلك، ما شجّع العديد من المعامل على تحديث معداتها والاستفادة من قرب السوق التركية وشروطها الائتمانية مقارنة بالسوق الصينية، من حيث المسافة وجودة المنتجات في تلك المرحلة، إلا أنها أغرقت السوق السورية بمنتجات تركية مدعومة، ما أضر بالصناعة المحلية، بل ونافسها في أسواقها الخارجية التقليدية». هذا أدى إلى اختلال ميزان التجارة عبر تزايد الواردات على حساب الصادرات وانهيار الصناعات الصغيرة والمتوسطة، خصوصاً في قطاعات الغذاء والنسيج والزراعة، وجميع هذه العوامل فاقمت الأزمات المعيشية للغالبية العظمى من السكان.
أُعيد إحياء الاتفاقية وتوسعّت إثر سقوط نظام الأسد. قال وزير التجارة التركي عمر بولات في 3 كانون الثاني 2025 أنّ تركيا ستدخل مرحلة جديدة من التعاون مع سوريا في مجالات التجارة والاستثمار وإعادة إعمار البلاد، وفي 24 من الشهر ذاته أعلنت وزارة التجارة «البدء بمفاوضات إحياء اتفاقية التجارة الحرة بين أنقرة ودمشق، مع اتباع نهج شراكة اقتصادية أكثر شمولاً»، سريعاً باتت تُركيا المُصدّر الأول إلى سوريا بنسبة 37.7% على أساس سنوي في الأشهر الأربعة الأولى من العام 2025، بحسب البيانات الصادرة نهاية شهر أيار/مايو عن جمعية المصدرين في جنوب شرق الأناضول، لتبلغ قيمة الصادرات الإجمالية 162.1 مليون دولار حتى نهاية شهر نيسان/أبريل.
ومع صدور تقديرات جديدة من البنك الدولي تتوقع نمو الناتج المحلي الإجمالي السوري نموًا طفيفًا بنسبة 1% في العام 2025، بعد انكماش بلغ 1.5% العام الماضي وتقترح خططاً للتعافي المُبكر، يقترح الباحث الكريم مجموعة من الدروس التي يجب على الحكومة الجديدة الاستفادة منها لتفادي الأخطاء السابقة ونتائجها مستقبلاً، وخاصة مع رفع معظم العقوبات الأميركية والأوروبية عن سوريا. أهمها اعتبار حماية الصناعات الوطنية أمراً أساسياً، ولا ينبغي السماح بإنتاج داخلي من قبل مستثمرين أجانب أو محليين ما لم تكن الكلفة السورية أقل أو الجودة أعلى. كما اقترح أن يكون فتح الأسواق السورية مدروساً، بناءً على احتياجات الداخل وليس وفق مصالح تجارية غير مراقبة، بالإضافة إلى ضرورة إعادة إحياء القطاع المصرفي ليكون قادراً على دعم الاستثمار والتجارة والمنافسة الدولية. ويشدد على ضرورة وجود قوانين مالية وضريبية واضحة ووجود أسواق تستوعب الإنتاج السوري لأنها عوامل بنيوية أساسية لدعم المنافسة الصناعية الوطنية، وتوفير الكفاءات البشرية وتدريبها، ليختتم بالعامل الأهم حسب رأيه وهو توفير بيئة لا يسودها العنف أو تغيب عنها سياسات الاستقرار والتشجيع المستدام، ما يحتّم ضرورة استقرار الأوضاع الأمنية لبناء صناعة وطنية حقيقية.
السوق الحرة ليست وصفة سحرية
رغم ما يُروَّج له من أن نظام السوق الحرة يمثل السبيل الأسرع للنمو الاقتصادي والانفتاح على العالم، تُظهر التجارب العالمية أن هذا النموذج لا يمكن أن يُطبق بشكل فعّال وعادل بدون توافر مجموعة من الشروط البنيوية الأساسية.
من أبرز هذه الشروط، وفق الأدبيات الاقتصادية، وجود بنية تشريعية شفافة تحكم السوق، وجهاز قضائي قادر على فرض العقود، ومؤسسات رقابية مستقلة، وقطاع صناعي محلي قادر على المنافسة من حيث الجودة والسعر. كما يُعدّ الاستقرار النقدي وتوافر شبكة أمان اجتماعي للفئات المتضررة من التحول أمراً حاسماً، خاصة في المراحل الأولى التي قد تشهد إفلاس شركات محلية أو تسريح أعداد من العاملين.
ويشدد اقتصاديون على أن السوق الحرة لا تنجح في بيئة فوضوية أو اقتصاد منهك، بل تحتاج إلى تدرج مدروس، وقرارات اقتصادية مبنية على بيانات دقيقة، لا على وصفات جاهزة مستوردة من تجارب دول مختلفة جذريًا في ظروفها.
في الحالة السورية، ووفق ما يظهر من واقع ميداني وتحليلات اقتصادية، فإن معظم هذه الشروط لا تزال غائبة أو ضعيفة، ما يُنذر بأن التحول نحو السوق الحرة — في ظل هشاشة المؤسسات، وغياب الحوافز الصناعية، وفتح الأسواق دون قيود — قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الفشل الاقتصادي بدلاً من تجاوزه، ما لم يُصحب برؤية إصلاحية واقعية قائمة على حماية الإنتاج المحلي وتهيئة البنية القانونية والاقتصادية تدريجاً.
تحديات اقتصادية عميقة
يُشير تقرير البنك الدولي «تقييم الاقتصاد الكلي والمالية العامة في سوريا» الصادر في حزيران/يونيو 2025، إلى أن الاقتصاد السوري، المتضرر أصلاً من 14 عاماً من الصراع، يواجه بيئة معقدة للغاية في سياق تحوله نحو السوق الحرة. فالصراع أدى إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 50% وزيادة غير مسبوقة في مستويات الفقر، بينما أدت العقوبات إلى إضعاف القطاع الخارجي بشكل كبير، ما أثر على الصادرات وأحدث تحولاً في الشركاء التجاريين نحو الفاعلين الإقليميين.
تفاقمت هذه التحديات مع تدهور حاد في قيمة الليرة السورية وارتفاع التضخم، مدفوعاً بنمو سريع في المعروض النقدي وضعف الطلب على العملة المحلية، فضلاً عن تآكل الإيرادات العامة وانخفاض الإنفاق الحكومي، ووصول عجز الموازنة إلى 10% من الناتج المحلي الإجمالي بين 2012 و2024.
كل هذه العوامل، إلى جانب الضعف الشديد في القطاع المالي، الذي يعيق الاستثمار والنشاط الاقتصادي، ترسم صورة لاقتصاد يصارع من أجل التعافي، ما يجعل أي انتقال إلى السوق الحرة مسعىً محفوفاً بالمخاطر ويتطلب دراسة معمقة وتخطيطاً استراتيجياً لتجنب تفاقم الأزمات الحالية.