× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

سرقتُه من كاتب آخر: حكايات المنع والخوف في «سوريا الأسد»

حكاياتنا - خبز 08-08-2025

يستكشف التقرير كيف عملت منظومة الرقابة في سوريا لعقود، لا عبر أجهزة الأمن فقط، بل من خلال الخوف والرقابة الذاتية التي مارسها المبدعون على أنفسهم. استناداً إلى تجارب شخصية لكتّاب وناشرين يكشف التقرير أن وهم القمع كثيراً ما كان أقوى من القمع نفسه، مما خلق ثقافة من الصمت والمراوغة تحولت فيها القرارات الفردية والبيروقراطية العبثية إلى سلطة مطلقة

كلما فكرتُ في تعريف الذعر تذكّرت تلك الليلة: قبل نحو ثلاثة أعوام استيقظتُ في الخامسة صباحاً، وعرق الرهبة يتصبب منّي، كان جسدي يرتجف بشدة، ولا أحس بأطرافي، صدري مطبق، وحلقي جاف تماماً، كانت تلك نوبة هلع. 

لم أكتبه!

كنت قد حلمت بأن دورية أمن أوقفت الباص الذي أستقله على طريق سفر، طلبوا هويات الجميع، ثم نادوا اسمي، أمروني بالنزول، وطلبوا من السائق التحرك. «لا داعي لانتظارها» قال العسكري، واقتادني نحو الضابط المسؤول. بعد أخذ وردّ، قرأ الضابط مقطعاً من كتابي، ثم قال: «انتهى أمرك». حين صحوت؛ كانت فكرة استرجاع نسخ كتابي التي وزعتها في سوريا تأكل رأسي.

صدر كتابي «أربعة عشر وجهاً حزيناً» عن منشورات «المتوسط» في إيطاليا، وبعد بضعة أشهر استلمتُ عشر نسخ في بيروت، حملتها وعدت بها إلى دمشق. كنت مزهوة بالتجربة الأولى إلى حدّ أنني وزّعت النسخ دون أي اعتبار لقرار سيصدر لاحقاً بعدم الموافقة على نشر الكتاب، وتداوله.
بالنسبة لكاتبة في السابعة والعشرين من عمرها، تدخل عالم النشر لأول مرة بخطا مترددة؛ لم أفهم معنى «منع كتاب» وأسباب ذلك، وما هي العواقب التي قد تترتب عليه. كنت تارةً أشعر بأن الأمر لا يستحق الاهتمام، وأخرى أفكر في الهرب من البلد قبل أن «يخدمني أحد ما» بكتابة تقرير لأحد فروع الأمن.

أحياناً أشعر بالزهو لأن كتابي مُنع في ظل سلطة جائرة دموية، ثم في أوقات أخرى يقتلني الخوف، إلى أن توقفت عن الحديث حول الكتاب، وأسقطته من حياتي ومسيرتي المهنية، حاولت التنصل منه، ولطالما تخيلت إجابة سأقولها إن قرأ ضابط الأمن مقطعاً منه: «لم أكتبه، سرقته من كاتب آخر»!

منعاً لـ «صناعة الأبطال»

لم أكن وحدي من خفت. يقول الصحافي والروائي السوري خليل صويلح حول روايته «جنة البرابرة» التي صدرت العام 2014 عن دار العين في مصر: «كنت أعيش في رعب حقيقي، خاصة حين يسألني أحد القراء: أنت عايش بسوريا؟». تقنياً لم تُمنع روايته من النشر في البلاد، لكنه أًصلاً لم يحاول الحصول على موافقة، خوفاً من كتابة تقرير أمني، أو الوقوع في أية مشكلة بسبب الرواية. 

كان صويلح يعي ما هو الثمن المحتمل، فروايته «ورّاق الحب» التي صدرت طبعتها الأولى العام 2002 عن «دار البلد للنشر والتوزيع في دمشق»، كانت تحوي الكثير من المحظورات الجنسية، لكن الرقابة آنذاك كانت بعثية تدعي العلمانية، وتسمح إلى حد ما بالحديث عن الجنس، على عكس الفكر والسياسة. وقتذاك؛ أفادت علاقة شخصية بين صويلح وأحد الرقباء في تمرير الرواية، والموافقة على طباعتها، ونشرها، إلى أن حصلت الرواية على «جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية» في دورتها الرابعة عشرة العام 2009، حينها اتهم أحد أعضاء اتحاد الكتاب العرب - بسبب خلاف شخصي ومزاجية- صويلح بأنه نشر الرواية دون موافقة، وحين اكتشف أنها قد حصلت على الموافقة؛ هدد بمحاكمة المؤلف بتهمة «الحصول على جائزة صهيونية»!

لم تتوقف تجارب صويلح مع الرقابة عند هذا الحد، فرواية «اختبار الندم» التي صدرت العام 2016 عن دار «هاشيت أنطوان»، مُنعت من العرض في معرض دمشق الدولي للكتاب. مع كل هذا وذاك، يظن خليل أنه نادراً ما أدّى منع كتاب إلى اعتقال كاتبه، لا لأن النظام كان متساهلاً، أو ديموقراطياً، أو داعماً لحريات التعبير، بل لأنه لا يريد صناعة الأبطال.

بيروقراطية الخوف

ما هو «اتحاد الكتاب العرب»؟

حسب التعريف الوارد في موقعه الرسمي: «هو منظمة شعبية تضم الأدباء السوريين والعرب وتنشر أعمالهم في كتب ودوريات». تأسس الاتحاد بموجب المرسوم التشريعي رقم 72 للعام 1969، ويضم اليوم سبع جمعيات هي: جمعية البحوث والدراسات، جمعية النقد الأدبي، جمعية الترجمة، جمعية الشعر، جمعية القصة والرواية، جمعية المسرح، جمعية أدب الأطفال.

يُحدد الفصل الثاني من المادة الثالثة من مرسوم استحداثه أهداف الاتحاد، ومنها: 

  • أ ـ تعبئة الطاقات الأدبية في القطر العربي السوري. ب ـ استكشاف المواهب الأدبية ورعايتها.
  • هـ ـ إذكاء روح المقاومة والصمود لدى المواطن العربي في وجه الأخطار التي تهدد الوجود العربي وتحاول عزله وإلغاء دوره الأساسي في النضال العالمي ضد الاستعمار والإمبريالية.
  • و ـ مجابهة الاستعمار والإمبريالية والصهيونية والرجعية على الصعيد الثقافي والقومي والسياسي.
  • ز ـ محاربة التيارات الثقافية المنحرفة الداعية إلى الانحلال والانهزامية والاستسلام للواقع الفاسد الذي يعانيه المجتمع العربي.
  • ح ـ التأكيد على حرية الكلمة ذات المدلول القومي والبعد الاشتراكي التقدمي.
  • ط ـ الانفتاح على الأدب التقدمي في الوطن العربي والعالم.
  • ي ـ تهيئة مناخ ثقافي يتيح للإمكانات والمواهب المبدعة أن تتفتح وتنمو في جو من الحرية المسؤولة.

بالإضافة إلى أهداف أخرى مثل: الدفاع عن الكتّاب والسعي لإيجاد التشريعات التي تحمي إنتاجهم وتضمن حقوقهم فيه.

قانون رقابة المخطوطات الذي أصدره حافظ الأسد العام 1971 أناط بالاتحاد مهمة «رقابة وفحص المؤلفات الأدبية المخطوطة الواردة إلى وزارة الإعلام وإبداء الرأي في نشرها وتوزيعها». استغل نظام الأسدين اتحاد الكتاب العرب لصالحه مثل سائر مؤسسات البلاد، وطوعّه لخدمته، فصار الاتحاد في نظر الكتّاب جهة رقابية، تصادر حرية الكلمة بدل أن تؤكد عليها، وتكمم أفواههم بدل الدفاع عنهم، وتتحكم بإنتاجاتهم بدل أن تحميها.

أجهزة أمنية تكتب ولا تقرأ

شغل محمد الحوراني منصب رئيس اتحاد الكتاب العرب منذ العام 2021، وحتى سقوط النظام. يؤكد الحوراني أنه اتفق مع زملائه على «ألا يحاسبوا الناس على آرائها أو أفكارها»، فـ«تساهلوا مع العديد من المؤلفات الأدبية».

يشرح بعض الآليات التي اتّبعها في سبيل ذلك، وعلى رأسها انتقاء القارئ المناسب للبت في مخطوطٍ ما، فمثلاً، «لا يرسل إلى قارئ موتور واضح الاصطفاف مخطوطة فيها مضامين مُعارضة»، ولا يرسل إلى «آخر جبان أو متعصب مخطوطة جريئة»، لكنه حسب شرحه لم يكن قادراً على قراءة كل المخطوطات الواردة وتصنيفها وتوزيعها على القراء كل بحسب أيديولوجيته، ولذا لم يوافق الاتحاد على تداول كتابي في أثناء رئاسته العام 2022. 

ورد في تقرير اللجنة الذي تمكنت من الاطلاع عليه أثناء مقابلة الحوراني: «من الصعب الحديث عن التعديلات لأن النصوص مليئة بعبارات تصف فيها أهوال الحرب وما تطرحه من آلام، كما أنها تتحدث أحياناً عن الواقع الأمني وما يحيط به من ملابسات، لذا لم أجرؤ على الموافقة على طباعة هذا الكتاب..».

استغل نظام الأسدين اتحاد الكتاب العرب لصالحه مثل سائر مؤسسات البلاد، وطوعّه لخدمته، فصار الاتحاد جهة رقابية تصادر حرية الكلمة بدل أن تؤكد عليها

يؤكد الحوراني إيمانه بأن «نظاماً يخاف من قصيدة أو كتاب لا تجدر الحياة معه»، وأنه قال هذا الكلام في أحد مؤتمرات الاتحاد آنذاك. يشرح أن «مسألة الرقابة مرتبطة بشكل أساسي بشخصية القارئ، والمشكلة أن الرقيب يقبع في عقولنا ورؤوسنا أكثر من أي أحد آخر، نحن الذين نسمح ونمنع ونقول إن للجدران آذاناً».

لا ينكر الحوراني القبضة الأمنية الشديدة في سوريا، لكنه يرى أن «الخوف تمكن من عقل الكُتّاب والقراء بشكل مبالغ فيه».

برغم ذلك يُعارض الحوراني فكرة إلغاء الرقابة بشكل نهائي، لأن «بعض المخطوطات قد تدعو إلى تخريب المجتمع طائفياً أو اجتماعياً». من المفارقات الغريبة أن كتاب الحوراني «التغلغل الإسرائيلي في العراق من الثورات الكردية إلى الحكومات الانتقالية» قد مُنع من الطباعة والتداول العام 2023، بعد أن قدمه إلى وزارة الإعلام، التي حولته بدورها إلى إحدى الجهات الأمنية على اعتباره «يتطرق إلى أحد المواضيع الحساسة».
 
«الكتاب الذي مُنع في سوريا»!

بالاطلاع على تقرير المخطوطات بدأت تتضح أمامي صورة أكثر تعقيداً لطبيعة الرقابة على المطبوعات في سوريا. بين العامين 2021 و2024 تعامل اتحاد الكتاب العرب ووزارة الإعلام مع أكثر من 3000 مخطوط توزعت على أنواع أدبية مختلفة، من الرواية والقصة والمسرح والشعر، وتنوعت القرارات بخصوصها.


هذه الأرقام لا تعني بالضرورة أن كل تلك الأعمال التي لم تُمنح موافقات على طباعتها أو تداولها كانت تنطوي على محتوى سياسي أو جريء، لكنها تشير إلى بيروقراطية ثقيلة، وهامش تأويل واسع بيد الرقيب، ما يعزز الشعور بأن القرار الرقابي شخصي بامتياز، يخضع لتقديرات فردية، لا لمعايير مؤسسية واضحة.

وانطلاقاً من فكرة «كل ممنوع مرغوب» دأب بعض الكتّاب أو الناشرين على استغلال قرار عدم الموافقة على الطباعة أو التداول في حملات تسويقية، وكانت جملة مثل «الكتاب الذي مُنع في سوريا» تُستخدم للإيحاء بأهمية مفترضة للكتاب، و«شجاعة الكاتب الذي قرر الاصطدام مع المنظومة ولم يهادنها»، مع أن أسباب عدم الموافقة لا تقتصر على السياسي، أو الفكري، إذ قد يُمنع كتاب بسبب هشاشة الكتاب، وركاكته.

المؤشرات تشي بأن التغيرات على صعيد دور الرقابة في سوريا قد تتعلق فقط بطبيعة الممنوع والمسموح، وربما كان إلغاء دور الرقابة حلماً بعيد المنال

هكذا يتضح أن ما قد نظنه رقابة أمنية مباشرة، تتولاها أجهزة المخابرات بشكل صارم ومنهجي، هو تصور مبالغ به في كثير من الحالات. فالخوف من الأمن أصبح آلية ثقافية مستقلة في حد ذاتها، يغذّيها الغموض، والرقابة الذاتية، وانعدام الشفافية في معايير المنع والموافقة: قارئ لا يجرؤ، رقيب لا يريد أن يُسأل، كاتب يراقب نفسه أكثر من أي أحد خارجي.

لا تحتاج الرقابة بالضرورة إلى عنصر أمن يطرق الباب، أحياناً يكفي الصمت، أو الإهمال، أو الغموض، أو الخوف المتراكم. هذه الفجوة بين ما كنا نتصوره من تسلط مباشر، وما يجري فعلاً من رقابة بيروقراطية، جعلني أعيد التفكير بكل ذلك الذعر الذي عشناه. لقد رسخ نظام الأسد أجهزته القمعية إلى درجة أنه لم يضطر لاستخدامها في كل مرة، صرنا نحن نستبق القمع، ونمارسه!

«لولو لم تُعتقل»، والثورة ممنوعة

خاضت الروائية السورية عبير إسبر، تجربة النشر داخل البلاد وخارجها، وتُعد تجربتها مثالاً آخر على التداخل بين الرقابة الظاهرة والخوف المستبطن. في حديثها عن روايتها الأولى «لولو» التي صدرت العام 2003 ونالت المرتبة الأولى في «جائزة حنا مينه للرواية»، تكشف عن بعض محطات الخوف التي رافقت تجربتها:«كان في الرواية مقطع عنوانه: وردة.. إلى الأبد، وأعتقد أني كنت أول روائية تتناول موت حافظ الأسد في رواية. لقد خفت من هذا المقطع الذي كتبته، وشكوت خوفي لأحد الأصدقاء: معقول يجو المخابرات ياخدوني؟ لكنني لم أُعتقل، بل ونلت المرتبة الأولى في مسابقة أيضاً»!

في العام 2009 صدرت رواية عبير الثانية عن دار رياض الريّس، وحملت عنوان «قصقص ورق». مُنع نشر الرواية داخل سوريا، نظراً لمضمونها السياسي الذي تناول توتر العلاقات السورية اللبنانية بعد اغتيال رفيق الحريري. برغم ذلك؛ أصرت إسبر على السعي للحصول على الموافقة، واستطاعت فعلاً تحقيق ذلك، مستفيدة من كون الرواية لم تتبنَّ اتهاماً مباشراً لنظام الأسد بتنفيذ عملية الاغتيال. لكن هذا السعي للموافقة لم يمر دون انتقادات من أصدقاء ومتابعين رأوا في المنع قيمة تسويقية مضافة. إسبر رفضت هذا المنطق، ولم تشأن «أن تكون بطلة على أكتاف الرواية» وفق تعبيرها، واعتبرت أن تحويل المنع إلى أداة ترويج للأدب يشوّش على النص ذاته، ويصرف الانتباه عن مضمونه وتحليله الأدبي.

ما توضحه تجربة عبير أن الرقابة ليست مؤسسة ثابتة بقواعد واضحة، بل مساحة تفاوض وتأويل، يُعاد فيها تعريف الخط الأحمر تبعاً للظرف، وصياغة النص، وعلاقات الكاتب الشخصية أحياناً. لاحقاً صارت ترى علاقتها بالرقابة علاقة ساخرة، وغير جدية على الإطلاق، لذا كان من الطبيعي برأيها أن تُمنع روايتها «سقوط حر» التي صدرت العام 2020 وتناولت الثورة السورية بشكل واضح ودون مواربة.

دور نشر برقابة ذاتية

إذا كان الكتّاب قد واجهوا المنع بالمراوغة أو الصمت؛ فإن الناشرين بدورهم اضطروا إلى ممارسة «رقابة ذاتية».

ترفض منى رسول، وهي مديرة «دار كنعان للدراسات والنشر» في دمشق، استخدام المنع ليكون أداة تسويقية، وعلى العكس تعتقد أن منع طباعة أو تداول كتاب تعني خسارة للموارد، ومشقة لا تنتهي، إذ يتحمل الناشر وزر المغامرة، وعبء مواجهة الأجهزة الأمنية، ومخاطر السوق المتقلّبة. وتزداد أهمية هذه النقطة بالنظر إلى أن الكتاب الذي يُمنع في سوريا قد يُمنع للأسباب ذاتها، أو غيرها في المعارض الدولية للكتاب، وهي السوق الذي يعتمد عليه الناشرون السوريون في ظل ركود سوق الكتب في بلادهم، وتحول الكتاب الورقي إلى «رفاهية» لا يقوى عليها المواطن السوري الذي يبحث عن لقمة خبز!

الخوف والحرص على استمرار العمل فرضا على منى نهجاً حذراً في التعامل مع ما يصدر عن الدار من منشورات، إذ تجنبت طيلة فترة إدارتها تقديم مخطوط يتضمن إقحاماً للمحظورات المعروفة «السياسة والجنس والدين»، كما طلبت في بعض الحالات تغيير عنوان المخطوط، أو تعديل كلمات من قبيل «الثورة» لأنها تؤدي – حسب خبرتها – إلى المنع حكماً، كما رفضت في حالات أخرى تبني مخطوطات لا يمكن تعديل المحظورات فيها، فمشكلات الطباعة والنشر آنذاك كانت أكثر من كافية، خاصة أن الدار، التي اتخذت من دمشق مقراً لها، ظلت تحاول العمل في ظل أحلك الظروف الاقتصادية. 

تقول منى: «كنا نضطر إلى شراء الورق بأغلى الأسعار لأنه يأتي عن طريق التهريب، وندفع للحواجز رشاوى تساوي ثمن الورق لتمريره.. وفي النهاية قد لا نتمكن من بيع كتاب أو اثنين طيلة العام».

باختصار؛ كانت السوق الثقافية المنهكة في سوريا، والرقابة غير المفهومة؛ عبتين تتمنى منى زوالهما بعد سقوط النظام، وتأمل تغير وضع الطباعة والنشر، ومساهمة الحكومة في تحمل التكاليف والأعباء المادية على المدى البعيد، كما تتوقع أن تتغير الرقابة الآن، إذ تغير نوع الخوف وشكله وطريقة تعامل الناس مع الحكومة وأشكال الاحتجاج. ترى أننا الآن «نملك فسحة لنتحدث فيها عن كل ما مُنعنا من التكلم عنه سابقاً؛ الآن يمكننا الكتابة عن إجرام الأسد دون حذر، أو خشية».

التماسيح لا تقرأ الشعر..

لم تكن هذه العلاقة الملتبسة بين الخوف والرقابة محصورة بالرواية فحسب، بل امتدت كذلك إلى الشعر. يتحدث الصحافي والشاعر السوري هاني نديم عن ديوانه «نحات الريح» الذي صدر العام 2005 قائلاً: «تقررت الموافقة على طباعة الديوان بشرط حذف مقطع أقول فيه: التماسيح ببدلاتها الزيتونية أصبحت جاهزة.. وما عليها إلا أن تحيل العالم مستنقعاً». بعد مفاوضات مع الرقيب، جرى الاتفاق على تعديل المقطع دون حذفه ليصير: المستنقع صار جاهزاً.. والتماسيح ببدلاتها الزيتونية صارت جاهزة. ورغم أن هذا التعديل كان جذرياً في المعنى، يرى نديم أنه كان أفضل بكثير من حذف المقطع، ويعد «انتصاراً على بلاهة الرقيب الذي مرر في الديوان ذاته البيت القائل: "تحطمنا فلا قدم لنمشي يا دروبهم.. تحطمنا تحطمنا وظل يسوقنا الحُطَم". والحُطَم في اللغة: الراعي العَسُوف العنيف».

ويضيف «بالمقارنة بين البيت الذي مر مرور الكرام، والمقطع الذي طلبوا حذفه وأصروا لاحقاً على تعديله، يكون المعنى في البيت الثاني أكثر فجاجة، ومعارضة للسلطة والحاكم، لكن الرقابة غالباً ما تكون ركيكة، وضعيفة لغوياً، ما يجعلها غير قادرة على فهم الكلام المبطن، وأبعاده، ومعناه».

يتفق كل من الشاعر هاني نديم، والروائي خليل صويلح على أن الكتاب الجيد هو الذي لا يُمنع، بل يعرف كيف يتلاعب بلغة مبطنة مراوغة على معايير الرقابة البلهاء، مثل شيفرة مورس بين الكاتب والقارئ، التي لا يلتقطها الرقيب.

«الحق يُقال؛ لقد كانت الرقابة العنيفة على المحتوى الإبداعي في سوريا في عهد الأسدين - ولا سيما الأب إذ كانت الرقابة أذكى وأكثر تمكناً في اللغة - سبباً من أسباب ولادة كتابة رائعة، وبديعة لغوياً، فيها أنساق مضمرة، لا تظهر بوضوح»، يقول هاني الذي توقف عن النشر في سوريا بعد ديوان «كرامات الأشقياء» الذي صدر العام 2009، وهو ديوان ذاتي وجداني لم يتطلب مواجهة الرقابة، إذ قامت الثورة السورية، وصار «الحكي سيُمنع حكماً».

كتاب يتنفس خارج رأسي

أما أنا فلم أتقن تلك المراوغة، لم أختبئ خلف المجاز، بل اختبأت من الكتاب نفسه. أخفيته في أدراج رأسي، وأقنعت نفسي أن في نسيانه نجاة.. ثم سقط النظام، وسقطت معه تلك الهالة الثقيلة من الخوف، وأفرع الأمن، والمعتقلات، والسجون، والحواجز، بدأت أستعيد علاقتي المقطوعة به.

كتبت عبر فايسبوك ساخرةً: «الآن صرت قادرة على أن أقول لكم؛ كان كتابي ممنوعاً في سوريا». لم أكن أعرف أن الأمر سيتجاوز جملة ساخرة، وأن الكثيرين سيتصلون، ويبعثون الرسائل للحديث عن كتاب افترضوا أهميته الأدبية لمجرد منعه، كما أن صحافية صديقة طلبت مقابلتي، وكان سؤالها الأول: كيف لم يعتقلوك؟ 

تحول الخوف الذي كان يأكلني إلى شعور عميق بالذنب، لأنني لم أُعتقل، ولم أُمنع من السفر لهذا السبب، لم أتعرض لمواجهة مباشرة مع الأمن، ولأن كل عواقب منع الكتاب كانت متخيلة فقط، حينها أدركت تفاهة القرار الذي سيطر على حياتي لأعوام، وأنني قضيت سنوات وأنا أعيش تحت تهديدٍ لم يحدث، أخفيت كتاباً لم يطلب أحد مصادرته، توقعت اعتقالاً لم يقع، وانسحبت من الكتابة خوفاً من رقيب ربما لم يقرأ سطراً مما كتبت.

في المحصلة، لم تكن الرقابة كما تخيلناها دائماً، كانت أقل تماسكاً، وأكثر عبثية، كتب كثيرة مُنعت، لا لأنها خطيرة؛ بل لأن فهمها أسيء، أو لأنها وقعت في يد قارئ جبان، أو متحفّظ، أو سيئ اللغة، وأحياناً؛ لأن أحدهم كان غاضباً، أو غيوراً، أو في مزاج سيئ. لم يكن القمع دائماً هو ما أسكتنا؛ بل الخوف منه، كنا نكتب ونقرأ وفي أذهاننا دوماً جهاز الأمن، كأننا نحن من كتبنا تقاريرنا بأيدينا، ووقعناها بأسمائنا، وأرفقناها بنسخة من كتبنا.

هل يتغيّر النهج؟

قد يكون هذا واحداً من أهم الأسئلة حول وضع الطباعة والنشر في سوريا بعد سقوط النظام. ربما كان من المبكر الجزم بإجابات حوله، فكثير من القوانين، والإجراءات في كثير من القطاعات ما زالت غامضة، أو لم تتبلور بعد. على أن بعض المؤشرات تشي بأن التغيرات قد تتعلق فقط بطبيعة الممنوع والمسموح، وربما كان إلغاء دور الرقابة حلماً بعيد المنال.

بعد أكثر من عشرة أعوام من صدور «جنة البرابرة»، تقدّم خليل صويلح بطلب إلى وزارة الإعلام في السلطة الجديدة للموافقة على تداولها في سوريا، غير أن النتيجة كانت مُخيّبة كما يتضح من خلال منشور على صفحته الشخصية في «فايسبوك» جاء فيه: «أعتذرُ عن إصدار روايتي "جنة البرابرة" بطبعة سورية، بعد نشر طبعتها الأولى في دار العين المصرية العام 2014، وذلك لاستحالة موافقة الرقابة السورية حينذاك على محتواها، لكنني فوجئت بعدم موافقة رقابة ما بعد التحرير على طباعة الرواية، والمطالبة بحذف عشرات العبارات التي توثّق وقائع ما جرى في البلاد من صراعات بين السلطة والفصائل المسلحة في السنوات الأولى من الحرب. بالإضافة إلى تغيير عنوان الرواية، وحذف عنوان رواية غابرييل غارسيا ماركيز "خريف البطريرك" الذي يرد في سياق الحديث عن روايات الديكتاتوريات في أمريكا اللاتينية، وهو أمر لا سلطة لي عليه بعد غياب صاحبها. ربما عليّ أن أبحث مجدّداً عن منفى آخر لهذه الرواية».

أُنجز هذا التحقيق في إطار برنامج تدريبي لموقع صوت سوري
الرقابة_على_الكتب_في_سوريا دور_النشر_السورية اتحاد_الكتاب_العرب وزارة_الإعلام_السورية

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0