× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

نساء مصياف في وجه تحديات الأمن والاقتصاد: «حماية العائلة أولاً»

حكاياتنا - خبز 10-08-2025

عانت منطقة مصياف تاريخياً من إهمال تنموي كبير، برغم الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تتيحها المنطقة. اليوم، تدفع نساء المنطقة ثمن هذا الإهمال، معطوفاً على المحاذيرالأمنية الكبيرة التي تحدّ من حركة الرجال. يعرض التقرير قصص نساء تحدين الظروف القاسية وأسسن أعمالاً تعيل أسرهن، ويستعرض آراء خبراء في التنمية والاقتصاد، تقترح حلولاً شاملة ومستدامة

تجد كثير من النساء في منطقة مصياف بريف حماة أنفسهن أمام تحديات مضاعفة، من جراء تزايد المحاذير الأمنية التي تحُد حركة الرجال مع ارتفاع مخاطر استهدافهم على أسس طائفية، سواء كانوا مدنيين أو عسكريين سابقين سوّوا أوضاعهم بعد سقوط نظام الأسد. 

اليوم؛ تتصدى النساء لإنجاز أي عمل يحتاج إلى التحرك خارج قرى مصياف أو الاشتغال في الأراضي أو تأسيس مشاريع أسرية صغيرة بهدف تخفيف الأعباء عن أسرهن و«شيل كتف» عن أزواجهن أو أولادهن أو إخوتهن المهددين، مع أن شبح الخطف يلاحق السيدات أيضاً إذ سُجلت بضع حالات في المنطقة، لكن رغم ذلك يبقى هامش التحرك أفضل.

تحكي السيدة الخمسينية أم محمد عن هذا الواقع لـ «صوت سوري» بينما تنادي في سوق مصياف على بضاعتها من الأشغال اليدوية بأسعار رمزية لتأمين احتياجات عائلتها. تقول وبسمة صغيرة تعلو وجهها: «عقب وفاة زوجي اضطررت إلى بيع ما أصنعه من منتجات كنت أنجزها وقت الفراغ، ولم أفكر يوماً باستخدامها في حال تدهورت الأحوال المعيشية. اليوم وجدت في هوايتي سبيلاً لإعانة عائلتي، مع أنني أمضي وقتاً طويلاً سيراً على الأقدام لبيعها».

وعن المعاناة ذاتها تتحدث السيدة السبعينية هندية وسوف، بزيها الشعبي، أثناء جلوسها مع مجموعة من الفلاحين تبيع التفاح البلدي في صناديق كبيرة، قائلة: «رغم كبر سني لم تبق لي الحياة خياراً، فزوجي لا يقوى على الحركة، ولا معيل آخر استند عليه، لذا قررت فتح بسطة لبيع التفاح، فهذا العمل يبقى رغم التعب أفضل من الحاجة إلى الناس».

حماية العائلة أولاً

السيدة إنعام، أم لأربعة شبان وجدوا أنفسهم فجأة بلا عمل وحياتهم مهددة بأي لحظة بدواعٍ طائفية، مع أنهم لم يرتكبوا أي جرم يستحق هذه المعاملة. تقول بحسرة: «كنت أشعر بالرضا بعد إتمام مسؤولياتي وتأمين مستقبل أولادي، لكن فجأة تغير كل شيء، واضطررت مجدداً إلى تحمل ضغوط جديدة لحمايتهم. فتحت محلاً لبيع الألبسة المستعملة في قريتي، ومع أن البيع قليل، لكن كما يقال: "بحصة بتسند جرة"، ويبقى ذلك أجدى من البحث عن عمل خارج القرية».

تصمت لحظات، وتضيف دامعة: «لا يهمني حجم التعب، مع أنني أصبت مع توالي الصدمات والخوف المستمر بداء السكري، فالمهم ضمان أمن عائلتي».

«كنت أشعر بالرضا بعد إتمام مسؤولياتي وتأمين مستقبل أولادي، لكن فجأة تغير كل شيء، واضطررت مجدداً إلى تحمل ضغوط جديدة لحمايتهم»

أما السيدة سميرة حسين، فكانت قد أسست مشروعاً مع زوجها منذ سنوات لتجفيف التين الذي تشتهر به منطقة مصياف، لكنهما تعرضا إلى خسائر كبيرة في الشهور الأخيرة، إذ لم يبيعا معظم مُنتجات الموسم الماضي، ولم يتمكنا من تحصيل ثمن ما باعاه سابقاً بسبب تدهور الظروف الاقتصادية. مع ذلك، تستقبل سميرة موسم التين الجديد عازمةً على مواصلة مشروعها، وتؤكد أنه يؤمن احتياجات عائلتها كما يساعد بعض الأسر عبر تشغيل نسائها، فـ«مد يد العون للأهل واجبة في هذه الظروف القاسية»، كما تقول.

مقترحات تنموية 

يُعلق المدير السابق لمركز «مداد» للأبحاث والدراسات هامس زريق على الأوضاع الاقتصادية السيئة في مصياف، مُشخصاً جذر المشكلة، في ظل الواقع التنموي المتردي للمدينة. يقول: «المشاريع التنموية المتوسطة والكبيرة تنعدم في مصياف، بينما لا تساعد المساحات الجبلية الضيقة المزروعة سكان المنطقة في الاعتماد على المشاريع الزراعية المنتجة ذات المساحات الكبيرة».

هذه العوامل تفسر، حسب زريق، اعتماد السكان على الأعمال التجارية البسيطة والتوظيف في قطاعات الدولة المختلفة، وبالتالي ضعف الحركة التجارية في أسواق مدينة مصياف، إذ يعتمد النشاط التجاري على الحركة بين الريف والمدينة، وهذه انخفضت بسبب الأوضاع الاقتصادية السيئة، وخشية الرجال من عبور الحواجز المنتشرة في الأرياف.

يضيف زريق «ما تحتاجه مصياف تحديداً هو الدفع بعجلة التنمية إلى الأمام عن طريق المشاريع المتوسطة والكبيرة، وجذب رأس المال للاستثمار في هذه المناطق التي تمتاز بعمالة غير مكلفة ودعم المشاريع الصغيرة العائلية مرحلياً، مع تقديم مساعدات عينية مباشرة للسكان».

ويشدد على ضرورة أن تكون الحلول الفعالة، التي يمكن أن تنتشل هذه المنطقة من الفقر المدقع، جزء من خطة تنموية وطنية تضع خططاً قصيرة وطويلة الأمد لمعالجة هذه الظاهرة على مستوى الأقاليم التنموية في سوريا.

العودة إلى الريف 

بدوره؛ يؤكد الباحث التنموي رامي وطفة ضرورة «منح قروض ميسرة للنساء، وإقامة معارض ومهرجانات خيرية دورية أو منافذ بيع تسويقية أو الترويج لمنتجاتهن عبر وسائل التواصل الاجتماعي»، مشدداً في الوقت ذاته على الحل التنموي بدلاً من الحلول الآنية، وتشجيع أهالي الريف على العودة إلى الأرض والحفاظ على الخصوصية الزراعية لمناطقهم، بغية تحقيق التنمية الريفية التي تتطلب إنشاء مشاريع صغيرة ومتناهية الصغر يشارك فيها الرجال والنساء، عبر استثمار المزايا النسبية لكل قرية.

ويضيف: «مثلاً قرية دير ماما تشتهر بدودة القز. يمكن استثمار هذه الخاصية بتأسيس مشروع لتصنيع الحرير الطبيعي، والحال ينطبق على استثمار النباتات العطرية والطبية التي تشتهر بها مدينة مصياف، ما يولد مئات فرص العمل. هذا يكون بالتعاون مع مديريات الزراعة بهدف معرفة مزايا كل صنف وتقديم معلومات دقيقة عنه، والمنظمات المحلية والدولية كمنظمة "الفاو"، مع العلم أن منظمة "الآغا خان" تواصل دعمها وفق آليتها الخاصة»، مشيراً إلى دور المجتمع المحلي، الذي يصعب إنجاز أي خطوة بدونه.

«تحتاج مصياف الدفع بعجلة التنمية عبر المشاريع المتوسطة والكبيرة، وجذب رأس المال للاستثمار في هذه المناطق التي تمتاز بعمالة غير مكلفة»

يبيّن وطفة أن دعم مشاريع الزراعية الصغيرة والمتوسطة يحتاج إلى عمل منظم وإنشاء شركات متخصصة لتسويق المنتجات المصنعة، والاهتمام بعمليات التصنيع والتغليف لضمان التسويق بطرق فاعلة تسهل تصريف المنتجات داخلياً وخارجياً على نحو يحسن الواقع المعيشي لأهالي مصياف.

كذلك يدعو وطفة إلى تشجيع الاستثمار الذكي، خاصة أن «مصياف غنية بمواردها وكفاءاتها البشرية، مع إقناع الشركات الاستثمارية وخاصة السعودية، التي أعلنت رغبتها بدخول السوق السورية بقوة، بإنشاء مشاريع متخصصة بالموارد الزراعية بشقيها النباتي والحيواني، مع التركيز على تعزيز الزراعات التعاقدية».

ويتابع: «بالتوازي يتوجب العمل على إزالة المعوقات، وأبرزها نقص المياه وحفر الآبار العشوائية، بحيث تُهيّأ البنية المناسبة للاستثمار الذي يحتاج إلى قرار جدي، مع ضرورة إرساء الأمان، علماً أن مصياف آمنة نسبياً، وعند إنجاز هذه الخطوات المشجعة لعودة العائلات للعمل بالزراعة، يمكن تدارك الخسائر بسرعة والنهوض من جديد بمشاريع استثمارية موجهة حسب خصوصية كل قرية».

نساء_سوريا_والحرب التنمية_في_مصياف حرير_دير_ماما تين_مصياف

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0