الرسم: (Fahd Bahady - كارتون موفمينت)
يبرز ضمن هذا النقاش استخدام كثيف لمصطلحي «الأكثرية» و«الأقليات»، لا بمعناهما السياسي المتعارف عليه القائم على أساس الفرز السياسي للمجتمع وفق برامج مختلفة ونتائج انتخابات ديمقراطية تنتج أقلية وأكثرية برلمانيتين، بل كمرادف للتعبيرات الطائفية والقومية والدينية.
ربما انطوى الرأي السابق على شيء من الوجاهة، خاصة لناحية غياب الحياة السياسية الطبيعية لعقود طويلة، ولكن مع ذلك، أعتقد أن اختصار المسألة بـ«تخلفنا» هو اختصار غير علمي إطلاقاً، وضار إلى حد بعيد، بالضبط لأنه يمنع الإمساك بجوهر المشكلة، وبالتالي يمنع حلها.
البحث في التنظير الغربي والممارسة الغربية، لفكرة «الأكثرية» و«الأقلية»، يضعنا أمام شكلين متمايزين حد التناقض:
2- الشكل الثاني (المعاصر): هذا النموذج هو الأكثر انتشاراً في خطاب الدول منذ ثمانينيات القرن الماضي. بدأ بالتشكل مع تطور مدرستين فكريتين في الغرب، هما على التوالي: مدرسة ما بعد الاستعمار (post-colonialism)، ومدرسة الدراسات الثقافية (culture studies)، وهذه الأخيرة تبلورت بشكل أوضح مع «نظرية صراع الحضارات» لهنتنغتون، و«نهاية التاريخ» لفوكوياما.
تفتيت النضالات باتجاهات جزئية وفئوية، هي عملية مقصودة تسهل على الأنظمة تبديد النضالات والتحكم بها وتطويقها عبر خلق كرنفال هوياتي يتمحور حول «الحريات الشخصية» و«الحقوق الفردية»
بهذه الطريقة، يُصنف المجتمع إلى أغلبية هي على العموم أغلبية عرقية/دينية/طائفية/جندرية إلخ، مقابل عدد كبير من الأقليات على الأسس نفسها.
لماذا هذا النموذج خطير؟
عملية تفتيت نضالات الناس باتجاهات جزئية وفئوية، هي عملية مقصودة تسهل على الأنظمة والحكومات تبديد تلك النضالات والتحكم بها وتطويقها في نهاية المطاف عبر خلق كرنفال هوياتي يتمحور حول «الحريات الشخصية» و«الحقوق الفردية»، بعيداً عن الحقوق العامة المتعلقة بالحقوق السياسية والاقتصادية للأغلبية الساحقة من الناس التي تتعرض للنهب والاستغلال والقمع الفكري والإعلامي.
قد يفيدنا هذا التمييز في فهم أن الفكرة السائدة ليست اختراعاً محلياً صرفاً، ولكنها استيراد من الخارج، بأكملها تقريباً؛ وهذا بدوره لعله يطلق عقولنا من أسر فكرتين متطرفتين وخاطئتين:
الأولى هي الاعتقاد بأن ما نقوم به بوصفنا «أكثرية» مفترضة، هو نتاجنا المحلي واستمرار لـ«تاريخنا»، في حين أنه استيراد لمنتج غربي من حيث الجوهر.
أما الثانية، فهي أن نعتقد بوصفنا «أقليات» أن النموذج المسمى «حماية الأقليات» الذي يجري الترويج له من الخارج، هو نموذج آمن وسليم وقابل للتطبيق ومفيد، في حين أنه ليس مستورداً فقط، بل هو شكل من الاستيراد لبضاعة من أسوأ الأنخاب.
بالطبع لا مانع من الاستيراد من حيث المبدأ، حتى لو أردنا أن نستورد أفكاراً، لا مشكلة في ذلك، فالمعرفة الإنسانية من المفترض أنها ملكية عامة لكل بني البشر، ولكن المشكلة تتمظهر في أن نبحث عن أسوأ البضائع وأكثرها ضرراً كي نستوردها... وبضاعة «أكثرية»/«أقليات» على أساس ديني وقومي وطائفي هي بضاعة سامة وفاسدة وتقتل من يستهلكها!