× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

فخ «الأكثرية» و«الأقلية»: بضاعة مستوردة أم تخلف محلي؟

عقل بارد - على الطاولة 15-08-2025

ينزلق النقاش العام في سوريا نحو دائرة مفرغة من تراشق الاتهامات، يُستخدم فيها مصطلحا «الأكثرية» و«الأقليات» كمرادف للهويات الدينية والقومية. يجادل المقال بأن هذا التنميط ليس نتاجاً لـ«تخلف» محلي، بل استيراد لنموذج فكري غربي معاصر يعيد صياغة الصراع الاجتماعي من صراع سياسي وبرامجي إلى صراع هوياتي

الرسم: (Fahd Bahady - كارتون موفمينت)

ينزلق جزءٌ هام من النقاش العام لما يجري في سوريا خلال الأشهر الماضية، وخاصة على وسائل التواصل الاجتماعي، نحو دائرة مفرغة من تراشق الاتهامات والمسؤوليات، وفي بعض الأحيان على أسس طائفية ودينية وقومية.

 يبرز ضمن هذا النقاش استخدام كثيف لمصطلحي «الأكثرية» و«الأقليات»، لا بمعناهما السياسي المتعارف عليه القائم على أساس الفرز السياسي للمجتمع وفق برامج مختلفة ونتائج انتخابات ديمقراطية تنتج أقلية وأكثرية برلمانيتين، بل كمرادف للتعبيرات الطائفية والقومية والدينية.

قد يبدو هذا الاستخدام للوهلة الأولى «اختراعاً» محلياً، أو «بدعة» ناتجة - في رأي البعض - عن تخلف مجتمعاتنا التي لا تعرف الحياة السياسية الطبيعية، وتلجأ بالتالي إلى تعبيرات ما قبل وطنية في صياغة اجتماعها.

 ربما انطوى الرأي السابق على شيء من الوجاهة، خاصة لناحية غياب الحياة السياسية الطبيعية لعقود طويلة، ولكن مع ذلك، أعتقد أن اختصار المسألة بـ«تخلفنا» هو اختصار غير علمي إطلاقاً، وضار إلى حد بعيد، بالضبط لأنه يمنع الإمساك بجوهر المشكلة، وبالتالي يمنع حلها.

بين النموذج الكلاسيكي والنموذج الهوياتي

 البحث في التنظير الغربي والممارسة الغربية، لفكرة «الأكثرية» و«الأقلية»، يضعنا أمام شكلين متمايزين حد التناقض: 

1- الشكل الأقدم (الكلاسيكي): بدأ يترسخ مع الثورة الفرنسية / 1789. يقوم هذا النموذج على مساواة المواطنين بعضهم ببعض، وحقهم في اختيار ممثليهم عبر انتخابات مباشرة. ووفقاً لنتائج تلك الانتخابات، تتشكل الأكثرية البرلمانية والأقلية البرلمانية، وتتمايزان بالبرامج السياسية والاقتصادية الاجتماعية التي تطرحها كل منهما، ولا تدخل العوامل الدينية والطائفية والقومية في عملية الفرز هذه بأي شكل مباشر، حتى وإن جرى استخدامها بأشكال غير مباشرة.

 2- الشكل الثاني (المعاصر): هذا النموذج هو الأكثر انتشاراً في خطاب الدول منذ ثمانينيات القرن الماضي. بدأ بالتشكل مع تطور مدرستين فكريتين في الغرب، هما على التوالي: مدرسة ما بعد الاستعمار (post-colonialism)، ومدرسة الدراسات الثقافية (culture studies)، وهذه الأخيرة تبلورت بشكل أوضح مع «نظرية صراع الحضارات» لهنتنغتون، و«نهاية التاريخ» لفوكوياما.

في كلتا المدرستين، هنالك مفهوم تأسيسي جوهري هو «الفئات الضعيفة أو التابعة أو الخاضعة» (subaltern)، ويجري تعريف هذه الفئات على أساس «التمايز الهوياتي»، أي على أساس اختلافها عن بقية المجتمع استناداً إلى انتماء لا يد لها فيه؛ كالانتماء إلى أبناء البشرة السوداء في الولايات المتحدة، أو الانتماء إلى الإسلام في أوروبا، أو الانتماء إلى النساء في تصنيف النوع الاجتماعي، أو إلى ذوي الاحتياجات الخاصة، أو إلى المهاجرين وإلخ...

 تفتيت النضالات باتجاهات جزئية وفئوية، هي عملية مقصودة تسهل على الأنظمة تبديد النضالات والتحكم بها وتطويقها عبر خلق كرنفال هوياتي يتمحور حول «الحريات الشخصية» و«الحقوق الفردية»

 بهذه الطريقة، يُصنف المجتمع إلى أغلبية هي على العموم أغلبية عرقية/دينية/طائفية/جندرية إلخ، مقابل عدد كبير من الأقليات على الأسس نفسها.

 لماذا هذا النموذج خطير؟

الخطير في هذا النوع من التقسيم، أنه يعيد صياغة فكرة النضال الاجتماعي والتحرري بعيداً عن مواضيع الحرية والعدالة الاجتماعية، ويضيقه إلى حدود النضال الفئوي الجزئي؛ فتصبح قضية المرأة معزولة عن بقية القضايا، وتناضل من أجلها المرأة بالدرجة الأولى، وقضايا القوميات الصغيرة هي قضاياها وحدها وليست قضايا وطنية عامة، وحتى قضايا العمال أو مناصري البيئة، تصبح قضايا محاصرة و«فئوية»، وليست جزءاً من نضال إنساني عام.

عملية تفتيت نضالات الناس باتجاهات جزئية وفئوية، هي عملية مقصودة تسهل على الأنظمة والحكومات تبديد تلك النضالات والتحكم بها وتطويقها في نهاية المطاف عبر خلق كرنفال هوياتي يتمحور حول «الحريات الشخصية» و«الحقوق الفردية»، بعيداً عن الحقوق العامة المتعلقة بالحقوق السياسية والاقتصادية للأغلبية الساحقة من الناس التي تتعرض للنهب والاستغلال والقمع الفكري والإعلامي.

ماذا يعني هذا لنا في سوريا؟

 قد يفيدنا هذا التمييز في فهم أن الفكرة السائدة ليست اختراعاً محلياً صرفاً، ولكنها استيراد من الخارج، بأكملها تقريباً؛ وهذا بدوره لعله يطلق عقولنا من أسر فكرتين متطرفتين وخاطئتين:

الأولى هي الاعتقاد بأن ما نقوم به بوصفنا «أكثرية» مفترضة، هو نتاجنا المحلي واستمرار لـ«تاريخنا»، في حين أنه استيراد لمنتج غربي من حيث الجوهر.

أما الثانية، فهي أن نعتقد بوصفنا «أقليات» أن النموذج المسمى «حماية الأقليات» الذي يجري الترويج له من الخارج، هو نموذج آمن وسليم وقابل للتطبيق ومفيد، في حين أنه ليس مستورداً فقط، بل هو شكل من الاستيراد لبضاعة من أسوأ الأنخاب. 

بالطبع لا مانع من الاستيراد من حيث المبدأ، حتى لو أردنا أن نستورد أفكاراً، لا مشكلة في ذلك، فالمعرفة الإنسانية من المفترض أنها ملكية عامة لكل بني البشر، ولكن المشكلة تتمظهر في أن نبحث عن أسوأ البضائع وأكثرها ضرراً كي نستوردها... وبضاعة «أكثرية»/«أقليات» على أساس ديني وقومي وطائفي هي بضاعة سامة وفاسدة وتقتل من يستهلكها!

الخطاب_الطائفي_في_سوريا الحياة_السياسية_في_سوريا

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0