× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

صراع الرموز.. بين الذاكرة الجمعية واستراتيجيات السلطة

عقل بارد - على الطاولة 20-08-2025

في زمن التحولات الكبرى، حين تتكسّر الأيقونات وتُحرق الرموز، لا تكون الأفعال مجرد وقائع عابرة، بل هي جزء من حرب أعمق تستهدف جوهر الذاكرة الجمعية. يفكّك هذا المقال آليات صعود وانكسار الرموز، مفرّقاً بين الرمز الحقيقي الذي يولد من رحم حاجة الجماعة ووعيها، والرمز المصنوع الذي تُهندسه السلطة لتشويه الماضي وتأبيد التبعية.

الرسم: أسامة حجاج - كارتون موفمينت

بندقيّة شابٍ ينتمي إلى قوىً أمنيّةٍ ما، حطّمت صورةً معلّقةً على جدارٍ قديم. هي واحدةٌ من عديد صورٍ أُتلفت في الشهر الأخير في منطقةٍ معيّنةٍ، ولظرفٍ سياسيٍّ/أيديولوجيٍّ معيّن.

في الحقيقة، لا يعنيني الآن موقفٌ شخصي من ذلك الفعل، ولا الإخبار به، أو توصيفه. ما يعنيني حقيقةً التفكير في بواعث فعلٍ كهذا، أضف إليه وقائعَ من قبيل حلق الشّوارب، أو طلب تقليد أصوات الحيوانات، وسواها من الممارسات التي وقعت فعلاً، ووثّقها مرتكبوها بالصّور، هل تأتي هذه الأفعال في سياقٍ سياسيٍّ أيديولوجيٍّ اجتماعي/نفسي معيّن؟ هل هي أفعال واعية ذات هدف واضح؟

بصياغة أخرى: هل هناك من يخطط بشكل منهجي، لجعل فئة معيّنة تقوم بمثل هذه الأفعال ضد فئة معيّنة ثانية؟ هل هناك قصديّة في استهداف «رموز» تلك الفئة المستهدفة؟ إن كان الأمر كذلك، فهذا يعني أن دراسةً معمّقة أجريت لتفنيد هذه الرموز ودراستها، ودراسة أثر استهدافها على الفئة بعينها، وعلى التكوين المجتمعي السّوري برمّته. من هي تلك الجهة القادرة على ذلك؟ ما مصلحتها؟ وما النتائج التي تفضي إليها هذه الأفعال على المدى القريب، والمتوسّط، والبعيد من مستقبل البلاد؟ 

قد لا تكون سهلة الإجابة عن هذه الأسئلة بموضوعيةٍ مطلقة. لكنني سأحاول أن أطرحها بعين المحايد، محافظاً على مسافةٍ نقديّةٍ تحليليّةٍ كافيةٍ من الحدث.

 الرمز.. اختزال الذاكرة والهوية

الرمز، في جوهره، ليس الصورةَ بذاتها، ولا الاسم ولا الهيئة. إنّه اختزالٌ كثيفٌ لمعنىً مركّبٍ من طبقات عدّة. إنه الشيء الذي يختزلُ المشاعرَ والتصوراتِ والمخاوفَ والآمالَ، فيغدو أكثرَ من «ذاتِه».

العَلَمُ قطعةُ قماشٍ ولونٌ، لكنّه يختزلُ وطناً أو جماعة. الشاربُ، في ثقافاتٍ معيّنةٍ، ليس مجرّد شعيراتٍ فوق الشّفة العليا، بل هو «شرفٌ وهويةٌ».

صناعة الرمز في المراحل التاريخيّة الهشّة من عمر المجتمعات تبدأ غالباً بهدم الرموز التي سبقت

حين يتحوّل الشيء إلى رمز يخرج من واقعيته البسيطة، ويُصبح علامةً على ما هو أكبر منه: الانتماءُ، والكرامةُ، وأحياناً المقاومةُ في وجهِ الفناء. في لحظاتٍ تاريخية معيّنة، يتحوّل إنسانٌ إلى تجسيدٍ لهذا «الرمز». رجلٌ أو امرأةٌ يصبح صورةً كليّةً للجماعةِ، يحمل أوجاعها، يجسّد رغباتها، ويُعبّر عن أحلامها. ولأنّه من لحم ودم، فإنّ صعوده رمزاً يكون، دائماً، مشروطاً بالمرحلة. فليست في الأمر قداسة. بل ظرفٌ، وسياق، واحتياجٌ جماعيٌّ.

بالتالي، وفي الحالة المثاليّة، ليس كلُّ من تصدّرَ على الجماعةِ لظرفٍ آني موضوعي، صارَ رمزاً. الرمز، بالمعنى العميق، هو ما أسماه ماكس فيبر «الزعيم الكاريزمي» – في معناه الأصيل، وليس المصلحي - ذاك الذي تُسند إليه الجماعة قدراتٍ استثنائيةٍ لأنه يُجسِّد لحظةً تاريخيّةً فارقةً في وعيها الجمعي. هو الّذي يمتلك قدرةً على تمثيل ما تعجزُ الجماعةُ عن التعبير عنه: آلامها، وحاجاتها، وتوقها للعدالة، ولحريّةٍ مغتصبة، أو لمجدٍ مسلوب. 

بين الرمز «المُقدس» والرمز المُهندَس​

الرمز، في الحالة المثالية، إذاً، ليس طاغيةً محبوباً، بل حامل رؤية. هو «مثقّف عضويّ» - بلغة غرامشي - يرتبط بالجماعة لا بامتيازاته. ترفعه إلى هذا المقام الحاجةُ، لا الدعايةُ. وتُبقيه الأخلاقُ، لا القوّة. لقد تحوّل - بهذا المعنى - في وعي الجماعة من فردٍ إلى «نموذج»، ومن حاجةٍ في الحاضر إلى ضمانٍ رمزيٍّ في المستقبل. فيغدو حاملاً لسلطةٍ أخلاقيةٍ غير مفروضة، بل مُعترَف بها ضمنيّاً من الجماعة ذاتها. فحين تكون الجماعة في لحظة وعي وحرية، تصنع رمزها لا بالطلب، بل بالضرورة.

في المراحل التاريخيّة من حياة الدول والشّعوب، أقصد لحظاتِ النّشوء أو لحظات الانهيار، تصبحُ الحاجةُ إلى وجود الرّمز ضرورة. فحين تواجه الجماعةُ خطرَ التفكّك، أو حين تسعى لتكوين ذاتها من جديد، تبحث عن صورةٍ تختزلها وتعبّرُ عنها. عن «أبٍ رمزيٍّ» – على حدِّ وصف فرويد – يمنحها شعوراً بالأمان والاستمرارية والانتماء.

هي حاجةٌ نفسيّةٌ عميقة، تعادل الخوف من الذوبان أو الضياع. كما تغدو الجماعةُ بحاجةٍ إلى «قيادةٍ»، لا بوصفها سلطةً فقط، بل باعتبارها تمثيلاً للإرادة الجمعية، وصياغةً للمعنى، وتأطيراً للفعل. في حاجةٍ سياسيّة أصيلة لضمان البقاء. ثمّ يصبح الرمز وسيلةَ دفاعٍ معنوي، ورسالةً للآخر بأن الجماعة ما زالت هنا، موحّدة، ناطقة باسم ذاتها، وهي حاجةٌ مصلحيّةٌ مرتبطةٌ بشكل وثيق بالحاجتين السّابقتين.

لم يكن المهاتما غاندي، أو مارتن لوثر كينغ، أو نيلسون مانديلا، أو جمال عبد الناصر مجرّدَ ترفٍ رمزيٍّ، بل ضرورة ضاغطة استجابت لحاجاتٍ نفسيّةٍ وسياسيّةٍ ومصلحيّةٍ في آنٍ واحد. في لحظةٍ تاريخيّةٍ يتحوّل فيها الفرد إلى تكثيفٍ رمزيٍّ لجماعةٍ كاملة.

في المقابل، قد لا تُنتج الحاجةُ العميقةُ إلى الرمز، بالضرورة، رمزاً في حالته المثاليّة. فكما تفرز المجتمعات في لحظات الوعي رموزاً تعبّر عنها بصدق، فهي في لحظات الفراغ أو التشظّي، قد تتشبّث بأيّ صورة تُسكت الرغبة الغريزيّة العاجلة في الانتماء، دون أن تمرّ عبر الوعي أو النقد.

في هذه اللحظة التاريخيّة الهشّة بالذّات، هناك دائماً من يترصّد الفرص. من يُدركُ، تماماً، طبيعةَ الحاجة الغريزية، فيستبق لحظتها بتحضير رمزٍ بديلٍ - صُنِع بعناية - ليُلبّي ظاهر الحاجة، بينما يخدم أهدافًا أخرى خفيّة. فيكون الرمزُ صنيعةَ هندسةٍ مقصودة، ومصالحَ مدروسة.

حين يتحوّل الشيء إلى رمز يخرج من واقعيته البسيطة، ويُصبح علامةً على ما هو أكبر منه: الانتماءُ، والكرامةُ، وأحياناً المقاومةُ في وجهِ الفناء

يقدم التاريخ السياسي الحديث شواهدَ عديدة على رموزٍ وُلدت في ظلّ ظروفٍ مشبوهة، وجرى تضخيمها لا بفعل المحبة الجماهيرية، بل عبر ماكينة إعلامية - باعتبار الدعاية هي «العصا» في النظام الديمقراطي كما وصفها نعوم تشومسكي: «الدعاية تمثّل بالنسبة للأنظمة الديمقراطية ما تمثله العصا للأنظمة الاستبدادية» - أو عبر دعم خارجي مباشر، أو ضمن ترتيبات دوليّة أبقت الشعوب تحت عباءةِ رموزٍ زائفة. فهل صعود تلك الرموز المشوّهة بريءٌ فعلًا؟ أم أنه حصل بقصديةٍ تخدم قوىً تعرف تماماً ما تفعل؟ 

القربان الرمزي

صناعة الرمز في المراحل التاريخيّة الهشّة من عمر المجتمعات، لا تكون فقط بإعداده مسبقاً على قياس مصلحة صانعيه فحسب؛ بل تبدأ غالباً بهدم الرموز التي سبقت، بتشويهها، أو بربطها بعجزٍ أو هزيمة أو خيانة.

لا يولد الرمز الجديد من فراغ، بل من أنقاض وجدانٍ جمعيٍّ تمّ تشويهه أو تغييبه قسراً. السلطة، حين تعجز عن تبرير وجودها بالإنجاز، تبحث عن مشروعية بديلة، فتجدها أحياناً في «رمز» يُلبِّي احتياجاتها لا احتياجات الناس. رمز لا يحفّز على التفكير، بل يحرِّض على التبعية. رمز يجري العمل على تنقيح تاريخه، ويُحاط بهالة من الإعجاز، ليُغدو بمنأى عن النقد، ويكون المخلّص الوحيد الممكن في زمنٍ شُيْطنت فيه بقية الرموز.

يقتضي صعود هذا الرمز طقساً «قُربانيّاً»، تُذبح فيه الرموز السابقة أمام الناس، أو تُحرَق في ذاكرة الإعلام والخطاب الرسمي حتى تغدو منبوذةً أو منسيّةً بأحسن الأحوال. بهذا يعلو الصوت الواحد، لا لأنه الأكثر نقاء، بل لأنه الوحيد الذي سُمح له بالبقاء. لقد لخّص تشومسكي هذا المسار حين قال: «الطريقة المثلى للسيطرة على الناس، هي أن تُحدِّد لهم بدقة ما يُسمح لهم أن يفكروا فيه، ثم تُناقشه معهم بحرية».

الرمز إذاً؛ ليس مجرد صورة أو شعار يتداول في الفضاء العام، بل هو بناء معقّد من المعاني المركبة، تُغذّيه الحاجة الجمعية وتشكّله مجموعة عوامل لازمة في ظرفٍ اجتماعي سياسي اقتصادي ما. 

في عالم تتسارع فيه الصور أكثر من الحقائق قد يصبح فهم آلية ولادة الرموز، وأسباب صعودها أو انكسارها، شرطاً لفهم حركة التاريخ. سنحاول في مقالٍ تالٍ تسليط الضوء على صراع الرموز في التجربة السورية الراهنة.

صناعة_الرموز_في_العالم_العربي قص_الشوارب_في_سوريا

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0